هل يمكن تغيير النظام في إيران؟!

إيران طهران (Getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

يوشك ولع شهبندر التجار بالدنانير السهلة أن يورده مورد الهلاك. هكذا يبدو حال الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع ملف الحرب على إيران؛ فالرجل استُدرج مراراً إلى فخاخ الحرب، ووقع فيها حين تغلّب عنده طمع التاجر على حسابات القائد.

جرت أصعب مشاهد الاستدراج تحت تأثير عملية عسكرية خاطفة ضد فنزويلا استغرقت بضع ساعات، وانتهت بالسيطرة على نفطها، وهي صاحبة أضخم احتياطي نفطي في العالم. حينها استطاع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، إقناع ترامب بإمكانية شن حرب خاطفة مماثلة على إيران تستغرق بضعة أيام، يجري خلالها قتل قادة طهران، وتمزيق وحدة البلاد، وتمكين أقليات عرقية، وقوى معارضة سنية وكردية وتركمانية وفارسية، من السيطرة على أقاليم إيرانية طال شوقها إلى التغيير.

 

اندفع ترامب، بتأثير نتنياهو، إلى الحرب ضد إيران، لكن النتائج جاءت مخيبة للآمال. فالحرب التي توقع أن يربحها في آذار/مارس الماضي، ما زالت تستعر، وقد انتصف تموز/يوليو، غير أن الرجل استعان على خيباتها بأداة فريدة بدت، رغم كل عجز، قادرة على قلب الحقائق وتزويد ماكينة الحرب بما تحتاج إليه من وقود. تلك الأداة نسميها في الصحافة "ستايل لوك" (Stylebook)، أو "كتيب الهوية"، الذي يتضمن، طبقاً لتعريف مجمع اللغة العربية: "مجموعة من القواعد التي تحكم كيفية الكتابة في الصحيفة، مثل طريقة كتابة الأرقام (حرفياً أو رقمياً)، وهجاء بعض الكلمات المختلف عليها، واختصارات أسماء الدول والمنظمات، وأحجام الحروف، وأنواع الخطوط المستخدمة في الصحيفة، مما يُعد لائحة للعمل".

 

كانت مفردات الرئاسة الأميركية، على امتداد قرن تقريباً، واحدة في جوهرها، وكأنها خرجت من "ستايل لوك" واحد، منذ عهد الرئيس الديمقراطي ذي الفترات الرئاسية الأربع فرانكلين روزفلت (1933-1945)، وحتى الرئيس الديمقراطي أيضاً جو بايدن، ذي الفترة الرئاسية الواحدة (2021-2025). إلى أن حملت رياح السوق رجل الصفقات إلى البيت الأبيض، فتوارى كثير من المبادئ، حتى بدا أن من يستدعيها لمعالجة بعض المواقف العصيبة رجل لا يشبه زمنه، ولا يجيد فن الصفقة الذي برع ترامب في تبنيه، وسفّه ما عداه.

مزق دونالد ترامب كتيب الـ"ستايل لوك" الخاص بالرئاسة الأميركية، واستدعى منهجه الخاص، الذي شرحه بدقة البروفيسور جيفري سوننفيلد، أستاذ الإدارة في جامعة ييل الأميركية، في كتابه "وصايا ترامب العشر". يقول سوننفيلد: "لا تبحث عن أيديولوجية ترامب، بل ابحث عن أدواته". ويفسر نصيحته للمهتمين بفك شفرة "ستايل لوك" دونالد ترامب بقوله إن "ترامب لا يتحرك وفق فلسفة سياسية متماسكة، ولا تحكمه المعتقدات التقليدية لليمين الأميركي أو المحافظين الجدد، وإنما يعتمد على مجموعة صغيرة من الحيل جرّبها مراراً في العقارات والإعلام والسياسة، حتى أصبحت أشبه بمدونة سلوك شخصية يمكن تسميتها (ترامب ستايل بوك)، وأسماها سوننفيلد (وصايا ترامب العشر)".

 

ادعاء غير الحقيقة جزء لا يتجزأ من "ستايل لوك" ترامب؛ فهو ينطلق فيه من الوصية الأولى من وصايا سوننفيلد، وهي: "اجعل نفسك مركز الكون". فلا أحد ينافسك، والجميع يدورون في فلكك، ولأنك مركز الكون فلا يجوز تكذيبك مهما قلت. ولهذا كثيراً ما ادعى ترامب أن رؤساء دول وملوكاً ورؤساء حكومات أبلغوه برغباتهم في كذا وكذا، من دون أن يتجاسر أحد منهم على أن يقول للغول: "عينك حمرا". وأتصور أن هذا، في الغالب، هو ما فعله ترامب في الساعات الأخيرة، حين زعم أن حكاماً يحبونه جداً ويبادلهم الحب قد توسلوا إليه أن يتراجع عن قراره بالحصول على 20% من قيمة ما تحمله السفن العابرة لمضيق هرمز، مقابل أن تستثمر دول عربية قيمة هذه الرسوم داخل الولايات المتحدة. فلا هو أحكم بعد سيطرته على مضيق هرمز، ولا هو قادر على فرض رسوم في مضيق لم يسيطر عليه أصلاً.

وحتى يسد ترامب الفجوة بين ما يقوله، وبين ما تقوله الحقائق بشأن السيطرة التامة على مضيق هرمز والحصار الكامل على إيران، ينبغي إقناع بعض الناقلات العملاقة بعبور المضيق الذي بات، طبقاً لرواية ترامب، تحت سيطرة الولايات المتحدة، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

 

أقوى الحلول، في نظر من أضيروا وما زالوا يتضررون جراء الحرب الأميركية على إيران، هو أن تعلن الولايات المتحدة انتصارها الكامل عبر تغيير النظام في إيران، وهي مهمة لا يمكن إنجازها قبل شهور، على أفضل تقدير. أما الحلول الممكنة عند الرئيس ترامب، فقد لجأ إليها مراراً، حين أكد بنفسه أنه غيّر النظام في طهران بالفعل، مرتين، وأن جيوشه حققت أهدافها، وقوضت القدرات العسكرية الإيرانية بدرجة كبيرة.

إن تغيير النظام في إيران، إذا حدث، سيمنح ترامب العلامة الكاملة، لكن ذلك لا يتحقق إلا باستخدام "ستايل لوك" الخاص به وحده. أما إذا أراد سيطرة حقيقية على نفط إيران وممراتها ومضائقها، فعليه أولاً أن يتخلص من قاموسه الشخصي، وأن يحتكم إلى قاموس يفهمه العالم، ويكون مستعداً لتصديقه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث