حمل تشديد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على امتلاك بلاده "القوة الكافية" لصد كل التهديدات، وتعهده بـ"العون" لدول "مظلومة"، منها لبنان وغزة وسوريا وليبيا وسراييفو، الكثير من الإشارات التي لا يمكن إغفال دلالاتها في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة صراعات دخلت مرحلة الاستنزاف.
وكان أردوغان قد تعهد الأربعاء، خلال حديثه بمناسبة الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب الفاشلة، بـ"عدم ترك الساحة"، وقال: إن "بيروت، ودمشق، وحلب، وطرابلس الغرب، وطرابلس الشام، وسراييفو يتابعوننا"، وأضاف "أطفال غزة والضفة الغربية والقدس الأبرياء يراقبون تركيا، والمظلومين والمتضررين من الشرق الأوسط إلى البلقان، ومن القوقاز إلى أفريقيا، ينظرون بأمل كبير إلى تركيا".
رسائل قوة
اتسم خطاب أردوغان عالي السقف، بقدر كبير من المسؤولية الإقليمية، ليبدو وكأن أردوغان قد بالغ في إظهار قوة بلاده، جراء ما يبدو انهياراً لمذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية على وقف الحرب.
ويقرأ الكاتب التركي المتخصص بالشؤون التركية والشرق الأوسط فراس رضوان أوغلو، في خطاب أردوغان، "رسائل متعددة، جمعت بين القوة والتهديدات لإسرائيل التي تحاول العبث بأمن المنطقة والتمدد". ويقول لـ"المدن"، إن "أردوغان يؤكد أن تركيا باتت دولة قوية في المنطقة، ولديها نفوذ في دول إقليمية، يجعلها قوة يُعتمد عليها في الشرق الأوسط".
ويضيف رضوان أوغلو، أن المعني الأول بالرسائل التركية هي إسرائيل، حيث تحذر أنقرة من أن أي تمدد إسرائيلي في المنطقة يعني الصدام معها، خصوصاً في لبنان وسوريا، معتبراً أن "الطرف الثاني المقصود بالرسائل هي الولايات المتحدة، التي يجب أن تتدخل للجم التوسع الإسرائيلي، خشية حدوث صدام تركي- إسرائيلي مباشر".
ويشير الكاتب التركي إلى تنسيق تركيا مع دول إقليمية "وازنة" من السعودية إلى قطر والإمارات، وحتى مصر مؤخراً.
وعن قدرة تركيا على تحمل كلف حماية المناطق التي أشار إليها أردوغان، من لبنان إلى سوريا وغزة وصولاً إلى سراييفو، يقول رضوان أوغلو: "مهما كانت التكلفة ستكون أقل بكثير من تكلفة المساس بالأمن القومي التركي، علماً أن الظروف اليوم في مصلحة تركيا، بعد تحول سوريا إلى دولة معادية لإيران التي بدأ نجمها يأفل، وبعد تعاون الدول العربية مع تركيا".
إعادة تشكيل موازين القوة
في جانب آخر، يمكن تفسير إسهاب الرئيس التركي في الحديث عن عواصم مختلفة، بحالة "القلق" التي تعيشها أنقرة جراء التوترات التي يشهدها المحيط التركي.
وهو ما يؤكد عليه الأكاديمي والمحلل السياسي التركي طه عودة أوغلو، الذي يشير إلى توقيت حديث أردوغان، قائلاً: "السياسة التركية نجحت خلال السنوات الأخيرة في صناعة دوائر نفوذ ممتدة من الشرق الأوسط إلى البلقان والقوقاز، وذكر هذه المناطق ليس عفوياً في ظل استمرار الصراعات بالمنطقة، بمعنى أن تركيا تعيد تشكيل موازين القوة في المنطقة، مع ما تشهده بعض الدول من محاولات لخلط الأوراق مثل سوريا ولبنان".
ويقول عودة أوغلو لـ"المدن": "لا يمكن إنكار حالة القلق التركي من ممارسات الاحتلال"، ويستدرك: "لكن في الوقت نفسه لا تريد أنقرة أن تضع نفسها في حالة عداء لدول كبرى، بل تريد أن تؤكد أنها قادرة على ممارسة دور ضامن الاستقرار، ودور ردع عند الضرورة".
ويتابع عودة أوغلو أن تركيا تعتمد على معادلة مغلفة بالدبلوماسية، مصحوبة بحالة عسكرية عند الضرورة، ويقول: "تصريحات أردوغان موجهة للخارج، والداخل التركي المقبل على انتخابات بعد عامين".




