عزمي بشارة: إسرائيل تحول ملفات غزة ولبنان وسوريا لشأن داخلي

المدن - عرب وعالمالجمعة 2026/07/17
عزمي بشارة (العربي الجديد(.png
بشارة: سوريا تشهد اليوم هامشاً معقولاً من حرية التعبير
حجم الخط
مشاركة عبر

رأى المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدكتور عزمي بشارة، أن أولوية المرحلة يجب أن تكون لتسمية طبيعة النظام القائم في فلسطين، واصفاً إياه بأنه نظام استعماري استيطاني أقام نظام فصل عنصري (أبارتهايد)، مشدداً على أن العدالة تقتضي تفكيك هذا النظام. 

وأشار في مقابلة مع صحيفة "لوريان لو جور"، إلى أن شكل التسوية المستقبلية، سواء كانت في إطار دولة واحدة ثنائية القومية أو دولتين منفصلتين، يبقى رهناً بقناعة الأطراف المعنية بأن النظام الحالي غير قابل للاستمرار.

 

التفاهمات مكان القانون الدولي

وشدد على أن ما يسمى بـ"الترتيبات الدولية" الخاصة بفلسطين بات يقتصر على ما تتفق عليه الولايات المتحدة وإسرائيل، ثم يُفرض على المجتمع الدولي والأطراف العربية. وتابع: "لقد حلت التفاهمات الأميركية الإسرائيلية بشأن منطقتنا محل القانون الدولي. وهي تفاهمات لا تمنع الخلافات، ولكنها في هذه المرحلة أخذت مكان القانون الدولي".

وأضاف أن إسرائيل تعمل على تحويل الملفين الفلسطيني واللبناني، وإلى حد ما ملف جنوب سوريا، إلى قضايا داخلية إسرائيلية، مستندة إلى تفوقها العسكري وإلى تراجع أولوية القضية الفلسطينية لدى عدد من الأنظمة العربية.

وشدد على أن ما يجري بناؤه على الأرض هو نظام فصل عنصري لا يمكن قبوله، داعياً إلى تنظيم النضال ضده بصورة تحدد الخصم بشكل واضح.

وفي رده عما إذا كان مساراً الكفاح المسلح والمفاوضات قد فشلا، أجاب عزمي بشارة بأن كلا المسارين أخفق، ففشل المسار العسكري يتعلق بعدم نجاحه كاستراتيجية للتحرير، في حين أن المقاومة بأشكالها ستستمر لأنها نتاج واقع الاحتلال.

 

الصمود على الأرض

وأضاف أن المهمة الأساسية في المرحلة الحالية تتمثل في الصمود على الأرض، ما يتطلب توفير الظروف المعيشية المناسبة للفلسطينيين وبناء المؤسسات والحفاظ عليها، بما يضمن بقاء الفلسطينيين على أرضهم كشعب أصيل.

وأشار إلى أن أي تنازلات تقدم اليوم لن تحقق نتائج، لأنها ستُمنح مجاناً في ظل اختلال موازين القوى، بينما تمضي إسرائيل، في خطط ضم الأراضي المحتلة عام 1967 وتشجيع قطاعات واسعة من الفلسطينيين على الهجرة.

وفيما يتعلق بموقع القضية الفلسطينية في الرأي العالمي، تحدث بشارة عن تراجع لهيمنة الرواية الصهيونية ولجوء إسرائيل وحلفائها في مؤسسات الحكم الغربية إلى وسائل الإكراه لفرض هذه الرواية.

وفيما رأى أن القضية الفلسطينية لم تصبح بعد أولوية كافية في الأجندات السياسية الغربية للتأثير في نتائج الانتخابات، أكد المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن وزنها السياسي يتزايد، مقابل تراجع تدريجي لنفوذ إسرائيل، وهو ما قد ينعكس مستقبلاً على مستوى صنع القرار.

 

ماذا بعد الانتخابات الإسرائيلية؟

وأضاف أن الثورة المضادة التي أعقبت موجات الربيع العربي سعت إلى قمع مظاهر التضامن مع فلسطين، إلا أن ذلك، بحسب رأيه، لم يغير القناعات الشعبية العربية، التي ستظهر مجدداً عندما تتاح لها فرصة التعبير بحرية.

ورداً على سؤال حول احتمال أن تفتح هزيمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الانتخابات المقبلة المجال أمام تحسن وضع الفلسطينيين، قال بشارة إن رحيل نتنياهو سيخدم المصالح الإسرائيلية على المستوى الدولي، نظراً لارتباط الصورة السلبية الحالية لإسرائيل بشخصه وبالائتلاف الذي يقوده ويضم شخصيات مثل وزير الأمن القومي إيتمار غفير ووزير المال بتسلئيل سموتريتش.

بالمقابل، رأى أن استبدال نتنياهو قد ينعكس إيجاباً على الفلسطينيين، ليس لأنه سيقود إلى حل سياسي، وإنما لأنه قد يحسن ظروف صمودهم على المدى الطويل، نتيجة تراجع نفوذ المستوطنين داخل الحكومة الإسرائيلية.

ويعتقد بشارة أن أي ائتلاف إسرائيلي يخلف نتنياهو قد يكون أكثر استعداداً للحوار مع القيادة الفلسطينية واحترام الترتيبات الأميركية الإسرائيلية المتعلقة بقطاع غزة، كما قد يتردد في المضي نحو ضم الأراضي المحتلة.

لكن هذه التطورات وفق قوله، لا تعني تحقيق العدالة، لكنها قد تجعل حياة الفلسطينيين أقل صعوبة، وهو ما ينسجم مع إستراتيجية الصمود التي يعتبرها أولوية في المرحلة الحالية.

 

إيران والأنظمة العربية وفلسطين

وفي ما يتعلق بالموقف العربي، قال بشارة إن الرأي العام العربي لا يزال، في مجمله، متمسكاً بمطلب العدالة للفلسطينيين، لكنه رأى أن القضية الفلسطينية تشابكت تاريخياً مع ما وصفه بـ"المسألة العربية"، المرتبطة بالأنظمة الاستبدادية التي رفعت شعار تحرير فلسطين.

واعتبر أن الأنظمة العربية تخلت عن القضية الفلسطينية، في حين حاولت إيران احتكارها تحت عنوان دعم المقاومة لتوسيع نفوذها الإقليمي، وهو مسار ربط المقاومة بطائفة بعينها، ما أدى إلى ردود فعل رافضة في المجتمعات العربية.

وشدد في المقابل على أن ذلك لا يبرر التطبيع مع إسرائيل، مؤكداً أن إسرائيل لا تبدي اهتماماً برفاهية المجتمعات العربية، بل تنظر إلى نفسها كجسم منفصل ومهدد، ولا تسعى إلى بناء تحالفات، وإنما إلى إقامة علاقات تبعية.

وقال الدكتور بشارة إنه لا يشك في أن حزب الله سعى إلى الجمع بين مقاومته لإسرائيل وتضامنه مع الفلسطينيين، وبين ولائه لإيران، معتبراً أن هذا الولاء جاء لأن طهران كانت القوة الوحيدة المستعدة لدعم المقاومة.

وأضاف أن الحزب، بعد تحرير جنوب لبنان عام 2000، لم يتمكن من تجاوز الإطار الطائفي، حتى داخل الطائفة الشيعية، كما ظل اندماجه في الحياة السياسية اللبنانية مشروطاً، واستمر في التشكيك بوطنية القوى السياسية الأخرى.

ورأى أن حزب الله لم يعمل على صياغة تسويات حقيقية تتيح الحفاظ على موقف لبناني قوي ومتضامن مع فلسطين ومعادٍ لإسرائيل، مع وضع سلاحه فعلياً بتصرف الدولة، بالتوازي مع تنفيذ إصلاحات حقيقية تشمل حقوق الفلسطينيين في لبنان، والاستمرار في رفض التطبيع مع إسرائيل.

وأضاف أن الحزب بقي عاجزاً عن التأثير في السياسة اللبنانية العامة مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنظيمه وسلاحه وتماسكه، معتبراً أن الاستقطاب السياسي الحالي هو نتيجة لهذا الواقع.

 

حزب الله و7 أكتوبر

وفي ما يتعلق بقرارات حزب الله بعد أحداث السابع من أكتوبر، قال إن الحزب لم يُستشر في العملية، كما لم يُستشر غالبية سكان قطاع غزة أو حتى إيران، لكنه وجد أن شعاراته بشأن فلسطين والتضامن مع المقاومة ستفقد معناها إذا بقي صامتاً أمام الحرب في غزة.

وأضاف أن الحزب "جُرّ" إلى هذه المواجهة، نتيجة وضعه الداخلي وعدم قدرته على الاندماج الكامل في الحياة السياسية اللبنانية وانعدام الثقة بينه وبين القوى السياسية الأخرى، معتبراً أن النتيجة كانت كارثية على لبنان، كما كانت تداعيات السابع من أكتوبر كارثية على قطاع غزة.

وعن خيارات حزب الله الحالية، قال بشارة إنه لا يمكن فصلها عن توجه القيادة اللبنانية، وعلى رأسها رئاسة الجمهورية، نحو التفاوض مع إسرائيل وفصل الملف اللبناني عن الإيراني، والاستعداد للقبول بالشروط الأميركية والإسرائيلية لتحقيق ذلك.

ورأى أن لغة الاتفاق الإطاري تعكس هذا التوجه، إذ أصبح التركيز على المطالبة بنزع سلاح حزب الله باعتباره سبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما اعتبره تضييقاً لهامش المناورة اللبناني بدلاً من توسيعه. كما نوه إلى أن استمرار مشاركة مختلف الأطراف في الحكومة اللبنانية يشكل، رغم الانقسامات، صمام أمان يحد من خطر الانزلاق إلى حرب أهلية.

وحول ما إذا كان أمام الحكومة اللبنانية خيار آخر غير الاتفاق الإطاري، قال بشارة إن السؤال الحقيقي ليس وجود بدائل، بل ما إذا كان ما جرى يمثل خياراً حقيقياً، معتبراً أن الاتفاق جاء نتيجة إملاء أميركي خضعت له رئاسة الجمهورية.

وأضاف أن الاتفاق لم يغير شيئاً في موازين القوى على الأرض، إذ بقيت إسرائيل الطرف المهيمن وصاحبة القرار في تحديد ما إذا كان الجيش اللبناني قد نجح في نزع سلاح حزب الله.

 

أهداف إسرائيل في لبنان

كما رأى أن الاتفاق فرض قيداً جديداً على لبنان، بحرمانه من استخدام الأدوات الدبلوماسية والقانونية في مواجهة إسرائيل، لافتاً إلى أن إحدى مواده تنص على الامتناع عن أي نشاط دبلوماسي أو قانوني معادٍ لإسرائيل.

وأضاف أن ما تغير بعد الاتفاق هو أن حزب الله أصبح الطرف المتهم، بينما لم تعد إسرائيل موضع المساءلة، معتبراً أن الموقعين على الاتفاق أقروا عملياً بربط الوجود الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية بمسألة نزع سلاح حزب الله.

وفي ما يتعلق بالأهداف الإسرائيلية في لبنان، قال بشارة إن إسرائيل تسعى إلى تحويل لبنان إلى منطقة نفوذ إسرائيلية، بحيث يصبح الخيار، من وجهة نظرها، محصوراً بين النفوذ الإيراني والنفوذ الإسرائيلي.

وأضاف أن إسرائيل تطمح أيضاً إلى فرض سيطرة أمنية مباشرة على أجزاء مهمة من جنوب لبنان، مؤكداً أن لبنان يمتلك خصوصية عربية تتمثل في تنوعه ومستواه الاجتماعي والثقافي، وأن فرض النفوذ الإسرائيلي عليه سيؤدي إلى صراع طويل ومدمر يضر بجميع الأطراف.

 

الحفاظ على وحدة سوريا

وفي موضوع سوريا، قال بشارة إن الخيار الديمقراطي لم يعد مطروحاً على جدول الأعمال منذ السنوات الأخيرة للثورة السورية، معتبراً أن أقصى ما كان يمكن التعويل عليه بعد سقوط النظام هو أن تتمكن القوى التي تسلمت السلطة في دمشق من الحفاظ على وحدة البلاد ومنع انزلاقها إلى الفوضى والحرب الأهلية.

ورأى بشارة أن الفصائل المسلحة همشت المعارضة السياسية، لكنه حمّل النظام السابق المسؤولية، لأنه لم يترك أمام السوريين، سوى خيار حمل السلاح، معتبراً أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز على إعادة توحيد سوريا، وإقامة حكم يحقق قدراً معقولاً من الرضا، ومحاربة الفساد.

وشدد على أن الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه الدولة هو المواطنة السورية باعتبارها أساس العلاقة بين الفرد والدولة، في الحقوق والواجبات، وأن ينعكس هذا المبدأ أيضاً على بنية الجيش.

كما أكد أهمية عدم تحويل الأغلبية السورية إلى طائفة، محذراً من اعتماد قراءة للتاريخ السوري تقوم على وجود طائفة مهيمنة وأخرى خاضعة للهيمنة، واصفاً هذه القراءة بأنها غير صحيحة.

وقال إن مؤيدي الثورة السورية، ومن بينهم هو نفسه، أدركوا خطورة أحداث الساحل السوري في آذار/مارس 2025، ثم أحداث السويداء في تموز/يوليو من العام نفسه، لافتاً إلى أن ما يجري في السويداء يكتسب أهمية وطنية بسبب التدخل الإسرائيلي في الشؤون الداخلية السورية، والطموحات الإسرائيلية التي أصبحت معلنة.

ورأى الدكتور عزمي بشارة أن الحكومة السورية تستطيع كسب ولاء سكان محافظة السويداء وعزل المؤيدين لإسرائيل عبر تغيير سياستها، أو على الأقل تغيير العقلية السائدة لدى بعض مؤيديها، والتي تنظر إلى أبناء المحافظة باعتبارهم غرباء.

ونوه بأن سوريا تشهد اليوم هامشاً معقولاً من حرية التعبير، ينبغي استثماره في مناقشة مستقبل البلاد والقضايا الوطنية الكبرى، وتوجيه الممارسات عبر نقد مسؤول يهدف إلى إنجاح المرحلة الانتقالية، لا إلى تقويضها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث