"نيويورك تايمز": ترامب يغامر بجرّ أميركا إلى "حرب أبدية"

المدن - عرب وعالمالخميس 2026/07/16
ترامب
"نيويورك تايمز": ترامب ربما وقع في فخ رئاسي مألوف (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطر الانزلاق ببلاده إلى "حرب أبدية" جديدة في إيران، وذلك في أعقاب التصعيد العسكري الأميركي الأخير ضد طهران، وفي ظل تعثر المسار الدبلوماسي واستمرار التوتر المحموم حول مضيق هرمز، وتزايد الشكوك بشأن قدرة القوة العسكرية على تحقيق أهداف سياسية مستدامة، بحسب ما جاء في تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" نشرته اليوم الخميس.

وأشارت الصحيفة إلى أنه "لا أحد يبدأ حرباً وهو يتوقع أن تستمر إلى الأبد"، لكن منذ حرب فيتنام، وجد رؤساء أميركيون أنفسهم مراراً وتكراراً في صراعات بدت وكأنها "أبدية"، إلى أن يقرر رئيس لاحق أن كلفتها المالية والسياسية لم تعد تستحق الاستمرار، فيعلن النصر ويعيد القوات إلى الوطن.

ويرى منتقدون أن ترامب قد يكون وقع في الفخ نفسه في إيران، حيث خاض حملته الانتخابية متعهداً بإنهاء الحروب لا إشعالها، وبألا يزج بالولايات المتحدة في "حرب أبدية" أخرى، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، إلا أنه يواجه اليوم خطر الانزلاق الفعلي إلى هذا السيناريو.

وشهدت حرب إيران تناوباً مستمراً بين جولات التفاوض والضربات العسكرية، لكنها لم تحقق حتى الآن الأهداف التي أعلنها ترامب، سواء بتغيير النظام الإيراني أو بإنهاء برنامجه النووي بالكامل. 

وفي المقابل، أفرزت الحرب أزمة جديدة تبدو مستعصية تتمثل في تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز.

ومع وصول الدبلوماسية إلى طريق مسدود، في الوقت الراهن على الأقل، يجد ترامب نفسه أمام "حرب متجددة" بعد انهيار وقف إطلاق النار وإغلاق المضيق، في حين انهارت "مذكرة التفاهم" التي قال إنها "حققت كل ما سعى إلى تحقيقه"، رغم اختلاف التفسيرات بشأنها، في أقل من شهر واحد على توقيعها.

 

"وهم الحرب القصيرة"

في إطار تشخيص الأزمة الدبلوماسية، قال مدير مشروع إيران في "مجموعة الأزمات الدولية" علي واعظ لصحيفة "نيويورك تايمز" إن الطرفين نظرا إلى مذكرة التفاهم باعتبارها استمراراً للحرب بوسائل أخرى، وليس كجسر حقيقي نحو السلام، معتبراً أن غياب إستراتيجية طويلة الأمد تفضي إلى تسوية مستدامة ينذر بخلق الظروف التي تؤدي مباشرة إلى حرب أبدية. 

وأضاف واعظ أن الطرفين أثبتا أنهما غير قادرين حتى على الالتزام باتفاق إطار محدود يؤجل القضايا الجوهرية إلى وقت لاحق، محذراً من أنه إذا كانا عاجزين حتى عن تحقيق ذلك، فقد يزول آخر حاجز يفصل بين المواجهات العسكرية المتقطعة وحرب شاملة لا تنتهي.

وقد برز مفهوم "الحروب الأبدية" عقب هجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، وإطلاق "الحرب العالمية على الإرهاب" التي دفعت الولايات المتحدة إلى انخراط عسكري طويل الأمد في كل من أفغانستان والعراق، حيث بدأت تلك الحروب بإسقاط أنظمة معادية قبل أن تتحول إلى حملات طويلة لمكافحة التمرد، لتنتهي في نهاية المطاف إما دون حسم واضح أو بانسحاب يماثل الهزيمة بعد تكبد تكاليف بشرية ومالية باهظة.

من جانبه، ذكر أستاذ دراسات الحرب الفخري في "كينغز كوليدج" بلندن ومؤلف دراسة "عصر الحروب الأبدية" لورنس فريدمان، أن القادة الذين يمتلكون جيوشاً قوية غالباً ما يقعون في ما سماه "وهم الحرب القصيرة"، معتقدين أنهم قادرون على تحقيق نصر سريع وحاسم دون تحمل عواقب سلبية بعيدة المدى.

وأشار فريدمان في تصريحاته للصحيفة إلى أن ترامب في إيران، تماماً كالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا، أخطأ في تقدير حدود القوة العسكرية، فوضع كلاهما أهدافاً لا يمكن تحقيقها، "إن أمكن ذلك أصلاً"، إلا عبر صراع طويل الأمد، مؤكداً أن امتلاك أكثر الجيوش تطوراً في العالم لا يكفي إذا لم تقترن القوة العسكرية بإستراتيجية تحول التفوق في ساحة المعركة إلى نجاح سياسي ودبلوماسي دائم.

ويواجه ترامب تحدياً إضافياً كبيراً يتمثل في سعيه لتحقيق النصر بالاعتماد الحصري على القوة الجوية والبحرية، دون اللجوء إلى استخدام قوات برية داخل الأراضي الإيرانية، وهو خيار ينطوي على كلفة سياسية غير مقبولة داخلياً.

وشكلت حرب الخليج الثانية في عام 1991 نموذجاً عسكرياً مختلفاً، إذ انتهت سريعاً وحققت أهدافها لأن الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب حدد هدفاً سياسياً وإستراتيجياً محدوداً تمثل في إخراج قوات صدام حسين من الكويت. 

لكن هذا الدرس، بحسب "نيويورك تايمز"، لم يستفد منه نجله الرئيس جورج دبليو بوش خلال غزو العراق في عام 2003، والتي انتهت بتعزيز نفوذ إيران الإقليمي في المنطقة.

وفي أفغانستان، بعد الإطاحة بحركة طالبان، حاول بوش الابن وخلفاؤه إعادة تشكيل المجتمع الأفغاني، غير أن الحركة عادت إلى السلطة فور فقدان واشنطن رغبتها في مواصلة تلك المهمة المكلفة.

ويذهب رأي يتبناه ترامب أحياناً إلى أنه خاض حرب إيران الحالية لإنهاء ما يعتبره صراعاً مستمراً منذ 47 عاماً بين الولايات المتحدة وإيران، وهو الصراع الذي بدأ تاريخياً مع سقوط شاه إيران وتأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979.

 

واقع إقليمي جديد 

ويرى أستاذ العلاقات الدولية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة "جونز هوبكنز" ولي نصر، أن "الحرب الأبدية" الدائرة حالياً بين واشنطن وطهران ليست سوى جولة جديدة من صراع تاريخي طويل شهد فترات من التصعيد وأخرى من التفاهم المتبادل، مثل الاتفاق النووي المبرم عام 2015 والذي انسحب منه ترامب في عام 2018.

وفي السياق ذاته، قال الباحث البارز في مؤسسة "كارنيجي" للسلام الدولي، آرون ديفيد ميلر، إن ترامب وبدفع مباشر من إسرائيل، أدخل بلاده أيضاً في "حرب أبدية" موازية متمثلة في الصراع المباشر بين إسرائيل وإيران، وهو الصراع الذي يُخاض بضراوة عبر وكلاء طهران في لبنان واليمن.

ورغم أن ترامب لا يزال قادراً على تسويق هذه الحرب غير الشعبية لقاعدته الانتخابية بوصفها نوعاً من السعي لتحقيق الانتصار الحاسم قبل إنهائها، إلا أنه، وعلى خلاف توقعات الكثيرين، يبدو أنه يختار المضي قدماً في مسار التصعيد دون امتلاك مسار واضح نحو تسوية دبلوماسية شاملة. 

كما أن التزامه الصارم بإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً للملاحة الدولية، في مقابل إصرار طهران على الاحتفاظ بفرض سيطرتها عليه، قد يقود إلى انخراط عسكري أميركي طويل الأمد ومكلف للغاية، حتى مع مشاركة الحلفاء الدوليين.

ومع ذلك، تختلف حرب إيران الراهنة جوهرياً عن الحربين السابقتين في أفغانستان والعراق؛ ففي هاتين الحالتين انتشر آلاف الجنود الأميركيين على الأرض لفترات طويلة وانتهى بهم المطاف إلى قتال منظمات مسلحة وميليشيات متمردة تعارض الحكومات المحلية المدعومة من واشنطن، وليس مواجهة مباشرة مع دولة نظامية بحجم إيران وقدراتها.

كما أن إيران، وبخلاف فيتنام أو العراق أو أفغانستان، تمتلك القدرة على إلحاق أضرار اقتصادية مدمرة ومباشرة بالولايات المتحدة والغرب من خلال تعطيل حركة الملاحة والتجارة في مضيق هرمز، مما يمنحها ورقة ضغط دولية فعالة للغاية ويشكل سبباً رئيسياً لرفضها المطلق للتخلي عن سيطرتها على هذا الممر المائي الإستراتيجي.

وقالت مديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد "بروكينجز" سوزان مالوني، إنه لن يكون هناك عودة إلى الوضع الأمني والسياسي الذي كان قائماً في المنطقة قبل اندلاع هذه الحرب، مضيفة أن الافتراضات الخاطئة وسوء التقدير الأميركي، على نحو ما حدث سابقاً في العراق، غيّرا ميزان القوى الإقليمي بالكامل، وأن عهد الملاحة الحرة والآمنة بالكامل عبر مضيق هرمز قد يكون انتهى بشكل غير قابل للاسترداد. 

وأشارت مالوني إلى أنه قد يظهر واقع جديد في المنطقة يتسم بوجود عسكري أميركي أكبر بكثير وبشكل دائم، نظراً لقدرة إيران المستمرة على استهداف السفن وتهديد الملاحة متى شاءت.

في المقابل، أوضح ولي نصر، الذي عمل سابقاً مستشاراً على ملف حرب أفغانستان، أن مصالح واشنطن الحيوية في هذا الصراع تظل أقل بكثير من مصالح إيران الوجودية، ولذلك فإن وتيرة الحرب تبدأ بالتباطؤ تدريجياً بالنسبة للجانب الأميركي، في حين يبقى الطرف الإيراني مستعداً ومصمماً على الحفاظ على المستوى نفسه من التصعيد والمواجهة الطويلة، وهو ما يفسر بأن التسوية التفاوضية لحرب إيران لا تزال "بعيدة المنال" حتى الآن.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث