أصدر الرئيس محمود عباس نهاية الأسبوع الماضي مرسوماً يقضي بإجراء الانتخابات التشريعية أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر، مع الإعلان عن إجراء الاستحقاق الرئاسي مطلع العام القادم، وكما العادة ومع التأكيد دوماً على عدم رفض أي عملية انتخابية ودعمها، إلا أن المرسوم الأخير بدا مثقلاً بالثغرات وعلامات الاستفهام، سواء فيما يتعلق بتخفيض نسبة الحسم إلى أدنى رقم ممكن للسماح بنجاح فصائل صغيرة داعمة للرئيس وخطه السياسي، أو اشتراط إقرار المرشحين بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وهو أمر محمود طبعاً لكن دون اشتراط الموافقة على برنامجها السياسي والتزاماتها والشرعية الدولية، كونه غير مسبوق، وقبل ذلك وبعده ورغم القبول على مضض بتأجيل الانتخابات الرئاسية إلا أن ثمة ضبابية وغياب للضمانات فيما يتعلق بالقدس، وهو السبب الذى برر به عباس إلغاء انتخابات 2021 بظل التوافق الوطني حولها. وبكل الأحوال، ثمة شكوك محيطة بالعملية كلها التي تأتي استجابة لضغوط خارجية وتهدف إلى شرعنة وتبييض الواقع السياسي والحزبي الراهن، وتسهيل انتقال السلطة داخل نفس الفريق دون تنافس جدي حر ونزيه ومتكافىء، والأهم ربما حقيقة أن الانتخابات تجري بغياب توافق وطني عام حولها وحكومة مستقلة تشرف عليها، خصوصاً مع تغيير تركيبة لجنة الانتخابات المركزية التي فقدت استقلاليتها وباتت تابعة للرئيس والفريق السياسي الأمني الاقتصادي المتنفذ المحيط به.
ضغوط خارجية
إذن أصدر الرئيس محمود عباس الأسبوع الماضي مرسوماً لإجراء الانتخابات التشريعية في القدس والضفة الغربية وغزة وفق القانون الانتخابي المعدل الذي تضمن زيادة عدد أعضاء المجلس التشريعي من 132 إلى 200، وخفض سن الترشح إلى 23 سنة، وهي أمور إجرائية لا خلاف جدي عليها عكس تخفيض نسبة الحسم إلى الحد الأدنى الممكن، لتصبح واحد بالمائة وإقرار المرشحين بمنظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني والموافقة على برنامجها السياسي والتزاماتها الخارجية والشرعية الدولية وقراراتها.
بداية وحسب مصادر مطلعة فالعملية الانتخابية برمتها جاءت بناء على ضغوط ومطالب خارجية عربية ودولية، من أجل إصلاح وتجديد السلطة لدمجها في الجهود والمساعي الدبلوماسية بما في ذلك تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في غزة، وصولاً إلى الأفق والمسار السياسي نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير.
رغم ذلك، واضح أن العملية تجري بمنطق أحادي لإعادة إنتاج السلطة دون إحداث تغيير حقيقي في بنيتها ونهجها.
بتفصيل أكثر، تدير الانتخابات، بما فيها التشريعية "والرئاسية" القادمة، منظومة سلطوية وصلت إلى نهاية طريقها بظل فشل ذريع في خياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ويفترض أن ترحل، لتسهيل انتقال القيادة إلى جيل شاب جديد يواصل طريق النضال حتى تحقيق الآمال الوطنية المشروعة كما فعل الخالد أحمد الشقيرى نهاية ستينيات القرن الماضي.
في هذا الصدد تقول السلطة دوماً إن الاستحقاق التشريعي والرئاسي القادم يمثل امتداداً للعملية التي انطلقت مع الانتخابات البلدية في نيسان/ أبريل، ثم المؤتمر الثامن لحركة فتح -منتصف أيار/ مايو- وهذا صحيح ويكشف جوهر القصة كلها مع علامات استفهام شابت الانتخابات البلدية التي غابت عنها السياسة بشكل شبه تام، أما المؤتمر الثامن لحركة فتح، فلا تزال الحركة تعيش ارتداداته السلبية مع خلافات داخل اللجنة المركزية وتذمر واسع بالقواعد الحركية خصوصاً في غزة والشتات كما شرحنا هنا سابقاً.
دعم الرئيس
والآن وفيما يتعلق بالموسوم الرئاسي القاضي بإجراء الانتخابات في القدس والضفة الغربية وغزة، فقد لحظ إجرائها وفق القانون الانتخابي المعدل قبل أسابيع -من قبل محمود عباس نفسه- المتضمن زيادة أعضاء النواب -من 132 الى 200- وخفض سن الترشح الى 23 سنة وهي أمور لا خلاف حولها إلا أن تخفيض نسبة الحسم للقوائم الانتخابية إلى واحد بالمائة، وهي جد متدنية، فلا يهدف إلى عدالة التمثيل وإنما إلى الانتقاص منها عبر السماح بنجاح فصائل ومجموعات صغيرة وهامشية – بمجتمع غير منقسم إثنياً وطائفياً- فقط لدعم الرئيس وخياراته السياسية.
وفيما يخص بند منظمة التحرير، فلا خلاف أصلاً على كونها "كإطار أعلى ومرجعية" الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ووطنه المعنوي، أما الاعتراف ببرنامجها السياسي والتزاماتها "الاتفاقيات الموقعة" فهي أمور متغيرة وبإمكان أي قيادة جديدة إلغائها أو تعديلها، وهذا البند كما سابقه يهدف إلى الانتقاص من عدالة التمثيل ومنع المعارضين من مجرد الترشح ناهيك عن الوصول إلى التشريعي.
تحدث المرسوم الرئاسي عن إجراء الانتخابات التشريعية بالقدس والضفة الغربية وغزة وحسب مصادر مطلعة فلا ضمانات بإجرائها بالمدينة المقدسة، وهي الحجة التي تذرع بها عباس لإلغاء الحزمة الانتخابية التوافقية-2021- مع التذكير بضرورة عدم إعطاء الاحتلال الفيتو على قراراتنا ومصالحنا الوطنية، وفرض الانتخابات بالعاصمة رغماً عنه مع تحويلها إلى عرس وطني ويوم فلسطيني بامتياز.
حسب المصادر المطلعة أيضاً فلا ضمانات وتطمينات بضغوط على الاحتلال لتسهيل إجراء الانتخابات بالضفة الغربية مع إقامته قرابة ألف حاجز وعائق مرور منذ حرب غزة –تشرين أول/ أكتوبر 2023- كما لا ترتيبات لكيفية إجرائها بقطاع غزة، بظل النكبة والواقع المأساوي هناك، وإشارات إلى اقتصارها على دير البلح ومخيمات المنطقة الوسطى التي لم يجتاحها الاحتلال كما جرى بالانتخابات البلدية السابقة، وهذا ما يعني حرمان الغالبية العظمى من الغزيين-2 مليون- من ممارسة حقهم الوطني الانتخابي الأصيل.
إلى ذلك ورغم إصرار القيادة على بند منظمة التحرير بالقانون الانتخابي إلا أنها تجاهلت، نتيجة ضغوط خارجية وقيود اتفاق أوسلو، بند انتخابات المجلس الوطني وكيفية إعادة بناء المنظمة كي تقوم بدورها كمرجعية عليا للشعب الفلسطيني في أماكن وجوده المختلفة.
في الأخير وبغياب التوافق الوطني ثمة مخاوف جدية من تكريس الانتخابات التشريعية وحتى الرئاسية "بحال إجرائها" الواقع الراهن ليس فقط لجهة بقاء المنظومة السلطوية "البتراء" المفتقدة إلى الدعم الشعبي الواسع إنما إطالة وربما تأبيد الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وغزة وبالتالي تسهيل مشاريع الاحتلال في الاستيطان والتهويد والضم وتصفية القضية الفلسطينية وإزاحتها عن جدول الأعمال الإقليمي والدولي.




