في مشهد يعكس تحولاً جذرياً عن عقود من القرارات الفردية التي كانت تخرج من غرف المخابرات، يكشف مصدر سوري مطلع لـِ "المدن" عن كواليس "مضطربة" داخل أروقة مجلس الشعب الجديد، حيث تسود خلافات حادة حول توزيع المناصب السيادية، وهو ما أدى ربما إلى تأجيل الجلسة الافتتاحية، رغم انتهاء الزيارة الرئاسية الفرنسية التي اعتقد البعض أنها السبب وراء هذا التأخير.
خلافات صحية
بات واضحاً أن عدم انعقاد مجلس الشعب لم يكن بسبب وجود الرئيس الفرنسي في سوريا، بل يعود ولو بشكل غير مباشر الى كواليس ما يجري اليوم داخل المجلس إلى خلافات حول كيفية توزيع المناصب، وهو أمر قد يُعتبر صحيّاً، بعد أن عاش السوريون عقوداً طويلة كانت فيها الأسماء تصل جاهزة من أروقة مخابرات نظام البعث، بحيث يكون كل شيء مرتباً ومعداً مسبقاً قبل دخول الأعضاء إلى القاعة.
فقد كشف مصدر مطلع لـِ "المدن" أن الجلسة الأولى تأجلت لإفساح المجال أمام عملة معالجة حثيثة لكثير من الأمور العالقة، وكشف المصدر ذاته أن التنافس على اسم رئيس المجلس بدأ محموماً، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت حصة الرئيس (السبعون نائباً) ستُرشح اسماً بعينه لرئاسة المجلس.
وأضاف المصدر أن التقليد السائد منذ عقود كان يقضي بأن يكون نائب رئيس المجلس مسيحياً، مثل جورج موصلي، أو رئيساً للمجلس مثل حمودة صباغ، لكن المشروع المطروح اليوم يتمثل في اختيار شخصية مسيحية كبيرة ومعروفة لمنصب نائب الرئيس، وذلك بعد تناقص حصة المسيحيين إلى 3% فقط من إجمالي أعضاء مجلس الشعب الجدد.
ومن التسريبات التي كشفها المصدر المطلع أيضاً، أن المرشح الثاني لنائب الرئيس ربما يكون امرأة، غير أن هذا الطرح لم يجد صدىً، بسبب غياب امرأة قوية منتخبة ومعروفة على المستوى العام، وليست مقتصرة على شهرتها في محيطها المحلي فقط.
المرشح المسيحي.. وواتساب
كما كشف المصدر عن وجود "غرفة واتساب" تضم جميع أعضاء مجلس الشعب البالغ عددهم 207، إضافة إلى أعضاء اللجنة العليا للانتخابات التي لا تزال تمارس عملها حتى يتمكن الأعضاء الجدد من أداء القسم الدستوري. وقد طُلب من الأعضاء في هذه الغرفة ذاتها الترشح لمنصب رئيس المجلس، وبدأ التصويت بالفعل على بعض الأسماء التي تقدمت بنفسها، لكن حسب المصدر المطلع، فقد تصرف بعض الأعضاء بدراية سياسية، ولم يكشفوا أوراقهم بعد، في انتظار معرفة أسماء المرشحين النهائية وحجم التحالفات المناطقية أو الطائفية، لذلك لا يوجد حتى اللحظة في هذه الغرفة أي اسم مسيحي مرشح.
وأشار المصدر إلى أن غياب أي اسم مسيحي في مكتب المجلس سيكون له تأثير سلبي على المستوى الدولي، لكنه يعتقد أنه في اليوم الأخير للترشح سيقدم الدكتور نوار نجمة كمرشح مسيحي لمنصب نائب الرئيس، كونه - بحسب وصف المصدر المطلع - الأكثر خبرة سياسية، ووجهاً إعلامياً معروفاً.
وبرز خلاف آخر في هذه الغرفة، هذه المرة بطابع مناطقي، إذ ترغب حلب التي تملك 46 عضواً، أن يكون رئيس المجلس من بينهم، مما سبب توتراً واضحاً في "غرفة الواتساب"، ليطالب أعضاء من الحسكة ودير الزور والرقة، كونها تملك العدد نفسه تقريبا من المقاعد، بترشيح عضوهم عبد الحميد عواد لرئاسة المجلس، وهو الأمر الذي أوجد انقساماً مناطقياً واضحاً.
وتجلى الصراع بوضوح داخل حلب ذاتها بين العضو عزام خانجي والدكتور محمد علي محمد ياسين، حيث كسر الأخير هيمنة خانجي على الأصوات، ليحصل على عشرين صوتاً من أصل 46 صوتاً حلبياً، مما دفع خانجي إلى حشد تأييد الإخوان المسلمين في حلب لصالحه.
خانجي يقدم نفسه
كما كشف المصدر المطلع أن خانجي قدّم نفسه أمام المطارنة في حلب بأنه ليس إخوانياً، وهو ما جعل الأجواء هناك مشوبة بعدم الثقة وأثار أجواء سلبية بين المطارنة أنفسهم، في حين كان من الأجدر - كما قال المصدر - أن يعرّف عن نفسه بأنه إخواني، لكنه أكثر انفتاحاً من السلفيين في حلب.
واختتم المصدر حديثه لـِ "المدن" بالإشارة إلى وجود طرح لترشيح سيدة كردية لمنصب نائب رئيس المجلس، لكن حتى اللحظة، فإن أسماء مثل سميرة أيمن الوتار أو نور الجندلي ليست معروفة على المستوى الوطني، الأمر الذي سيجعل التصويت محصوراً في نطاقها المحلي، وهذا بالطبع لا يمثل بشكل موضوعي طبيعة التمثيل المطلوبة في مجلس الشعب.
هكذا، بين غرف "الواتساب" المشتعلة والصراعات المناطقية والطائفية، يرسم السوريون ملامح برلمانهم الجديد تحت وطأة محاولات كسر تقاليد الحكم القديم. وتبقى الأسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت هذه الخلافات - رغم حدّتها - مجرد ممارسة سياسية صحية ستنتج توازناً جديداً يعبر عن إرادة الشعب، أم أنها ستُعيد إنتاج الانقسامات ذاتها التي أضعفت المؤسسة التشريعية لعقود.




