الهدنة انتهت.. والحرب عادت

ترامب (Getty)
يحتفي ترامب بنفسه وبقدراته التي يراها خارقة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كل المماحكات التي سبقت، وواكبت، ولاحقت، مفاوضات الاتفاق على مذكرة التفاهم الأميركية- الإيرانية، ما كان لها أن تخدع أحداً بشأن مستقبلها، وعوائد، وعواقب الالتزام بما جاء فيها، فكل الطرق بمكر السياسة، أو بمنطق الحرب، كانت تقود إلى انتهاء هدنة الستين يوماً، قبل موعد انقضائها.

لم يرغب أي من الأطراف في إنهاء النزاع، ولم يكن في مقدور أي منهم مواصلته، أو تسديد فواتير استمراره بشكل منفرد.

كل الأطراف من أول دونالد ترامب وحتى مجتبى خامنئي كان يحتاج إلى بعض الوقت، قبل استئناف الصراع مجدداً، إلا بنيامين نتنياهو، فهو وحده كان وما زال يرفض مذكرة التفاهم، وقد تعهد لجمهوره وحلفائه، بأن يتبنى صيغة (نعم .. ولكن)،  وهي صيغة لا تقتل الذئب ولا تفني الغنم، فضلاً عن كونها صيغة ترضية مجربة لواشنطن، اختبرتها عبر عشرات السنين، حكومات إسرائيلية متعاقبة، من يسار حزب العمل وحتى أقصى يمين الليكود، ولم تفشل في مرة واحدة، ليس بفضل براعة حكومات إسرائيلية متعاقبة، ولكن بفضل انصياع أميركي مثير للدهشة في كل مرة.

 

الهدف شراء الوقت!

كان شراء الوقت، هو الهدف رقم واحد الذي قاد أطراف الحرب إلى الموافقة على مذكرة التفاهم، بعد جهود وساطة باكستانية-قطرية مضنية، وبعد جولات مكوكية، شارك فيها كل رموز مستوى القرار الباكستاني من أول وزير الخارجية ورئيس الحكومة ورئيس الدولة وحتى قائد الجيش. وكذلك دفعت قطر بصفوة الخبرات والقدرات لديها مزودين بأهم ما لدى الدوحة من أدوات التأثير والتغيير

الوقت الذي تتطلع الأطراف المباشرة (إيران والولايات المتحدة) إلى شرائه، يختلف باختلاف من يطلبه، فالرئيس ترامب يريد تطويع إيران أو إخضاعها لمطالبه، عند أقصى درجة وبأقل ثمن. بينما تريد طهران هدنة طويلة تسمح للمرشد الجديد مجتبى خامنئي ورجاله، بمعالجة ثغرات بعضها عميق وبعضها كبير، أنتجتها ضربات أميركا في حرب الاثنى عشر يوماً.  عملية الترميم التي تحتاج إليها إيران بشدة، ليست ترفاً يمكن تأجيله، لكنها ضرورة حياة للنظام، قد تعينه على الاستمرار، وكسب المزيد من الوقت وربما استعادة بعض الحلفاء وتحييد بعض الخصوم.

 

سلام مستدام

عرب الإقليم يتطلعون إلى سلام مستدام، أو هدنة طويلة ممتدة، قد تساعد في ترميم العلاقات مع طهران، لكنهم يخشون من تسويات قد تذهب إليها واشنطن منفردة، كما اعتاد ترامب أن يفعل، لا تضع مصالحهم ومخاوفهم في عين الاعتبار.

ضغوط طهران العسكرية على دول الخليج العربية، لا تدع أمام العرب منطقة وسطى للتعايش مع الجار الإيراني، ما لم يتم تغيير الحكم في إيران، أو إضعاف قدرته على التهديد، بنزع سلاحه أو بمحاصرته اقتصادياً.

إعلان الرئيس الأميركي أثناء انعقاد قمة الناتو في اسطنبول أن الهدنة قد انتهت، يعني أن الحرب قد عادت، أما الأهداف الاستراتيجية الإيرانية التي استهدفتها القوات الأميركية فتشير بحسب طبيعتها (جسور استراتيجية ومستودعات أسلحة وذخيرة) إلى أننا ربما نشهد مقدمة طويلة لحملة قصف أطول قد تنخرط فيها إسرائيل، التي يتطلع رئيس حكومتها إلى إقناع ترامب بشن حرب واسعة لا تتوقف قبل إسقاط النظام في طهران.

 عنصر الوقت يضغط على كل الأطراف، فالرئيس الأميركي الذي أنهى الهدنة، يريد إنهاء الحرب قبل وقت كاف من موعد الانتخابات النصفية الأميركية في الرابع من نشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، ونتنياهو يريد تحقيق انتصار خاطف على إيران قبل موعد الانتخابات الإسرائيلية في السادس والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.

 

ترامب يحتفي بنفسه

يحتفي ترامب بنفسه وبقدراته التي يراها خارقة، وهو قادر طوال الوقت على مفاجئة الجميع سواء كانوا بين أنصاره أو بين خصومه، أما أحد أهم سمات القرار عند ترامب فهي (توقيتاته) التي يمكنك إن فهمت طريقته أن تتوقع بعدها مواعيده، فالرجل لا يحترم الايديولوجيات لكنه يقدر جداً كفاءة الأدوات التي تعمل لتحقيق أهدافه هو، بطريقته هو، ووفق خياراته هو، وهو يقول عن نفسه، بحسب البروفسور چيفري سوننفيلد مؤلف كتاب "وصايا ترامب العشر" :أنا مركز الكون!!".

من هذه النظرة المركزية للكون عند دونالد ترامب، كما يقول سوننفيلد، يعتمد ترامب على مجموعة صغيرة من الحيل التي اختبرها من قبل في العقارات وفي الإعلام وفي السياسة حتى أصبحت تلك الحيل المجربة جزءاً لا يتجزأ من تركيبة ترامب، ومن عملية صنع القرار عنده، وهكذا فإن قراءة المشهد الحالي على جبهة الحرب ضد إيران، بعيون ترامب ووفق تقديراته، قد تقودك إلى استنتاج أن العمليات العسكرية التي استؤنفت ضد إيران، ربما يتسع نطاقها ويطول مداها، وأن أهداف ترامب من الحرب هذه المرة ربما تشهد تطوراً باتجاه التصعيد، وهو ما نراه الآن في نوعية الاستهداف داخل إيران، ومداه، والأسلحة المستخدمة فيه

مزاج ترامب في هذا الطور من أطوار الحرب، قد يغري إسرائيل بتوجيه عمليات حربية أو استخباراتية داخل إيران، برضا تام من دونالد ترامب الذي يفضّل المشاهدالاستعراضية باعتبارها مصادر إضافية للقوة قد تعينه على تحقيق نصر بغير حرب

وطبقاً للبروفسور جيڤري سوننفيلد مؤلف وصايا ترامب العشر، فإن أبرز ملامح عصر ترامب هو أن الانتصار فيه لم يعد للأكثر خبرة،ولا للأكثر تهذيباً،بل للأكثر قدرة على احتكار الانتباه، وإدارة الصراع، وصناعة الرواية، والبقاء في قلب المشهد بأي ثمن، فلا فارق عند ترامب بين أن تمتدحه الصحف أو تهاجمه، فالمهم عنده أن تتصدر صوره وأخباره وسائل الإعلام كلها بالإيجاب أو بالسلب، فالمهم عند الرجل أن يكون مادة رئيسة للتناول الإعلامي، مهما كان محتوى هذا التناول.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث