"التايمز": أطباء بريطانيون يروون أهوال العمل في غزة

المدن - عرب وعالمالجمعة 2026/07/10
غزة (Getty)
شهادات من الخطوط الأمامية للحرب في غزة تكشف آثاراً نفسية مستمرة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كشفت صحيفة "التايمز" البريطانية أن أطباء وجراحين من هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS)، شاركوا في تقديم الرعاية الطبية داخل قطاع غزة خلال الحرب، عادوا إلى المملكة المتحدة وهم يعانون آثاراً نفسية عميقة لا تزال تلاحقهم، بعدما شهدوا مستويات غير مسبوقة من الإصابات والوفيات والدمار داخل المستشفيات الميدانية.

وقالت الصحيفة، في تقرير موسع، إن نحو 1500 طبيب وعامل صحي بريطاني يشاركون سنوياً في مهام إنسانية عبر منظمات إغاثية، مستغلين إجازاتهم للعمل في مناطق النزاعات والكوارث، من بينها أوكرانيا والسودان وسوريا، ومؤخراً قطاع غزة، حيث يقدمون العلاج والتدريب الطبي في ظروف استثنائية.

ونقلت الصحيفة شهادات أربعة أطباء عملوا في غزة خلال الأعوام الثلاثة الماضية، أكدوا أن أكثر ما يثقل كاهلهم بعد العودة ليس الإرهاق الجسدي، وإنما الذكريات التي ترافقهم يومياً، وصعوبة العودة إلى ممارسة حياتهم الطبيعية والعمل داخل المستشفيات البريطانية.

 

الأطفال الذين نجوا من الجراحة ماتوا جوعاً

وقال البروفيسور نيك ماينارد، استشاري جراحة الجهاز الهضمي في مستشفيات جامعة أكسفورد، إنه يزور قطاع غزة منذ عام 2010 لتدريب الأطباء الفلسطينيين بالتعاون مع مؤسسة "المعونة الطبية للفلسطينيين"، وعاد إلى القطاع ثلاث مرات منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كانت آخرها في حزيران/ يونيو 2025 للعمل في مجمع ناصر الطبي في خان يونس.

وأوضح ماينارد أنه لا يستطيع إجراء أي عملية جراحية في بريطانيا من دون أن تعود إلى ذاكرته الطفلة الفلسطينية "حبيبة"، البالغة من العمر 11 عاماً، التي أجرى لها عملية معقدة لإصلاح المريء بعد إصابتها بشظايا انفجار، مؤكداً أن الجراحة نجحت، إلا أنها توفيت لاحقاً بسبب الجوع لعدم توفر الغذاء المناسب داخل المستشفى.

وأضاف أن خبر وفاتها باغته بعد عودته إلى بريطانيا، وأنه انهار بالبكاء أثناء إجرائه عملية جراحية في أكسفورد عندما استعاد صورتها فجأة داخل غرفة العمليات.

وأشار إلى أنه خلال عمله في مستشفيات غزة كان يضطر إلى تجاوز جثث الأطفال والجرحى للوصول إلى المصابين، وأنه أجرى عمليات جراحية لفتاتين مراهقتين قبل أن يشاهدهما تموتان بعد أيام نتيجة سوء التغذية، مؤكداً أن الطواقم الطبية كانت تبكي ليلاً وهي تتبادل روايات ما شهدته داخل المستشفيات.

وأضاف أن عودته إلى منزله كانت من أصعب مراحل التجربة، إذ لم يتمكن من الحديث مع زوجته أو أبنائه، وأصبح منطوياً وصامتاً، كما اضطر إلى مغادرة إحدى المناسبات العائلية لأنه شعر بأنه سينهار بالبكاء. وأوضح أنه خضع لاحقاً لجلسات علاج نفسي بعدما تدهورت حالته النفسية والجسدية.

كما روى أنه خلال زيارته الأخيرة إلى غزة شاهد رضيعة تبلغ سبعة أشهر تدعى زينب تموت بسبب عدم توفر الحليب الصناعي، وعالج نساء حوامل أصبن بإطلاق نار من طائرات مسيّرة، إضافة إلى أطفال أصيبوا قرب نقاط توزيع المساعدات، فيما توفي طفل يبلغ من العمر 12 عاماً على طاولة العمليات رغم محاولات إنقاذه.

وأكد أنه سيحال قريباً إلى التقاعد من هيئة الخدمات الصحية الوطنية، لكنه ما يزال يشعر بالذنب والحزن لأنه غير قادر على العودة إلى غزة لمواصلة عمله الإنساني.

 

طبيب: الاكتئاب والغضب رافقاني بعد العودة

ونقلت "التايمز" عن الدكتور جيمس سميث، طبيب الطوارئ في مستشفى هومرتون ومحاضر السياسات الإنسانية في جامعة كوليدج لندن، أنه كان ضمن أول فريق طبي بريطاني دخل قطاع غزة في كانون الأول/ ديسمبر 2023، قبل أن يعود مرة أخرى للعمل في مستشفى العودة ومستشفى شهداء الأقصى ومراكز علاج الإصابات خلال عام 2024.

وقال إن الفرق الطبية في بريطانيا تخصص عشرات الأطباء لعلاج مريض واحد، بينما كان في غزة يعالج مع زملائه عشرة مصابين في الوقت نفسه، معظمهم أطفال مصابون بجروح بالغة.

وأضاف أنه ما زال يتذكر طفلة أصيبت بحروق شديدة غطت معظم جسدها، وكانت تحمل علبة طعام بلاستيكية ذابت داخل جلدها، في وقت لم يكن يتوافر أي مسكن للألم لتخفيف معاناتها، كما أدى غياب المضادات الحيوية إلى وفاة كثير من المرضى الذين نجحت الفرق الطبية في إنقاذهم من إصاباتهم الأولية.

وأوضح أنه يعاني منذ عودته من الاكتئاب والعصبية والغضب، وأن نظرته إلى الحياة والعمل تغيرت بالكامل بعد ما شاهده في غزة، مضيفاً أنه يجد صعوبة حتى اليوم في استحضار وجوه المرضى الذين عالجهم هناك، رغم أنه يتذكر جميع الأطفال الذين فقدهم خلال عمله في المستشفيات البريطانية.

 

جراحة: لم يسبق أن رأينا هذا الحجم من الإصابات

وقالت استشارية جراحة التجميل فيكتوريا روز، التي تعمل في مستشفيات غاي وسانت توماس وكينغز كوليدج، إنها تدرب جراحي التجميل الفلسطينيين منذ عام 2018، وعادت إلى غزة ثلاث مرات منذ عام 2023، كان آخرها في أيار/ مايو 2025 للعمل في مجمع ناصر الطبي.

وأوضحت أن جراحة التجميل في الحروب تشمل إعادة بناء الأطراف والعضلات والأوعية الدموية، وعلاج الحروق وإصلاح الجمجمة وجدار البطن، مؤكدة أن العالم يعاني أساساً نقصاً في عدد الجراحين القادرين على تنفيذ هذا النوع من العمليات.

وأضافت أنها كانت تجري يومياً عمليات جراحية لما بين عشرة وخمسة عشر طفلاً دون السادسة عشرة فقد كثير منهم أطرافهم أو تعرضوا لتشوهات خطيرة، مشيرة إلى أن معظمهم كانوا يصلون إلى المستشفى من دون ذويهم.

وقالت إن الإصابات التي شاهدتها في غزة غير مسبوقة، وإنها دخلت خلال آخر زيارة إلى المنطقة الحمراء حيث كان مجمع ناصر الطبي المستشفى الرئيسي الوحيد المتبقي، وكان يضم عشرات الأطفال على أجهزة التنفس الاصطناعي وسط دمار شامل.

وأضافت أن التجربة أثرت بشدة على حياتها الشخصية، مؤكدة أنها كانت تقضي وقتها بعد العودة في محاولة جمع المعدات الطبية وإرسالها إلى غزة، وأنها تدرك أنها قد تنهار نفسياً في مرحلة ما بسبب ما عاشته هناك.

 

طبيبة: ما زلت أستيقظ فجراً لأعرف من مات

ونقلت الصحيفة أيضاً شهادة الدكتورة مويرا لينغ، المتخصصة في الرعاية التلطيفية العالمية، التي عملت في غزة حتى أيار/ مايو 2024، مؤكدة أنها ما تزال، بعد مرور عامين، تستيقظ يومياً عند الرابعة فجراً لتتفقد هاتفها ومعرفة من توفي من زملائها ومرضاها داخل القطاع.

وقالت إنها لا تزال تسمع في ذهنها أصوات الطائرات المسيّرة، وإن أكثر ما يؤلمها هو مشاهد مرضى السرطان والمصابين بالحروق والانفجارات الذين كانوا يعانون آلاماً شديدة في ظل غياب حتى أبسط مسكنات الألم مثل المورفين.

وأضافت أن أطفالاً كثيرين كانوا يسألونها إن كانوا سيموتون في تلك الليلة، لأن الموت بالنسبة إليهم أصبح أهون من استمرار الألم، مؤكدة أن أكثر ما لازمها بعد مغادرة غزة كان الشعور بالحزن والخجل والعجز.

وخلصت "التايمز" إلى أن القاسم المشترك بين شهادات الأطباء الأربعة هو أن آثار العمل في غزة لم تنته بمغادرتهم القطاع، بل استمرت معهم داخل غرف العمليات في بريطانيا، وفي منازلهم وحياتهم العائلية، حيث تحدثوا عن الاكتئاب والكوابيس والبكاء والشعور المستمر بالذنب والعجز، مؤكدين أن ما شهدوه في غزة غيّر نظرتهم إلى الطب والحياة بصورة دائمة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث