للمرة الأولى وبشكل شبه علني جرى، وفق القناة 13، تسريب جانب من مداولات أمنية للكابينت السياسي الأمني في إسرائيل اعتبر فيه رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، تركيا عدواً. ولم يكتف نتنياهو بذلك، بل خرج علناً في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" ليقول: "أعتقد أن تركيا لديها طموحات عدوانية. إنها ليست قوة للسلام والاستقرار". ووفقاً لنتنياهو، فإن تركيا يحكمها رجل يدعو علناً إلى تدمير إسرائيل، واحتل نصف قبرص، ويهدد اليونان. وأضاف أن تركيا تموّل حماس ولم تساعد الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران. وقد جاءت هذه الإعلانات في حمى محاولة صد ميل إدارة ترامب لبيع تركيا طائرات "إف 35" أو محركاتها لبناء طائرة شبحية تركية جديدة. كما جاءت بعد أن أقرت حكومة نتنياهو تطوير عدائها لتركيا عبر الاعتراف بـ"الإبادة الأرمنية"، ما نقل الصراع ليس فقط مع تركيا وإنما أيضاً مع دول تركمانية كأذربيجان إلى مرحلة جديدة.
ومع ذك فإن الخلاف التركي الإسرائيلي لا يقف عند حدود القضايا الآنفة ولا حتى عند مواقف سياسية حادة لا تجاه قضية فلسطين ولا حتى بسبب التحالف الإسرائيلي اليوناني وإنما تتخطاه إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. فالأمر يتصل بمكانة الدولتين في هذه المنطقة الممتدة ليس من الشمال إلى الجنوب، وإنما أيضاً في العمق شرقاً نحو الهند. وليس غريباً أن يتعاظم القلق الإسرائيلي من الدور التركي في وقت تتراجع فيه مكانة إسرائيل في العالم بسبب الحرب على المحيط وتتعاظم فيه مكانة تركيا بسبب هذه الحرب وحرب أوكرانيا. وربما أن شدة حملة إسرائيل على تركيا تتزايد مع تزايد حاجة أوروبا وأميركا، عبر حلف الناتو، لتركيا بسبب قوة جيشها وعظمة صناعاتها العسكرية وقوتها الاقتصادية.
"إف 35"
من المقرر أن يلتقي نتنياهو قريباً مع الرئيس الأميركي بعد انتهاء زيارة الأخير لأنقرة وإشادته بتركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان. وبدأ نتنياهو حملته الإعلامية على الرئيس ترامب معلناً أن بيع طائرات "إف 35" لتركيا سيخل بتوازن القوى في الشرق الأوسط وأنه إذا حصلت تركيا على طائرات "إف 35" فستكون هناك أعمال عدوانية. ويستخدم نتنياهو في حملته هذه اللوبي اليوناني إلى جانب اللوبي الصهيوني لدفع الكونغرس لتقييد اندفاعة الرئيس ترامب. وعلى الأقل يطمح من وراء ذلك إلى الحصول على تعويض أميركي كبير إذا فشل في منع صفقة الطائرات. ويدفعه إلى ذلك قرب انتهاء سريان الاتفاقية العشرية التي تمنح إسرائيل 3.8 مليار دولار سنوياً كمعونة عسكرية. ومعروف أنه جرت مفاوضات لإلغاء المعونة العسكرية السنوية ولكن تطورات الوضع في الخليج، دفعت، وفق تقارير أميركية، إلى محاولة نقل القواعد الأميركية من الخليج إلى إسرائيل. وبديهي أن مطالب إسرائيل لتسهيل هذا الانتقال ستكون كبيرة وخصوصاً في مجال ربط الصناعات العسكرية الإسرائيلية بالاحتياجات الأميركية.
وتوحي إسرائيل بأن بيع أميركا طائرات "إف 35" لتركيا يغير قواعد اللعبة وقد يشعل التوتر في الشرق الأوسط. ويشيرون في هذا السياق إلى عدم الرضى عن الدور التركي في سوريا وخصوصاً عن محاولة تحديث وإعادة بناء الجيش السوري. ولذلك ثمة أهمية كبيرة لما قاله قائد سلاح الجو الإسرائيلي الأسبق الجنرال إيتان بن إلياهو لإذاعة 103fm بأن طائرات "إف-35" تمنح تركيا قدرات متقدمة، إلا أن التهديد الأكبر يكمن في تعزيز مكانة أنقرة داخل حلف الناتو والتحالفات الإقليمية التي تبنيها بدعم أميركي. ونقل المراسل السياسي لـ"يديعوت"، إيتمار آيخنر عن مصدر أمني إسرائيلي قوله أن المقاتلات الشبحية لتركيا أمر سيء لكنها ليست كارثة. وأضاف: "أنتم تعرفون من سيلاحقهم أردوغان. إنهم يصعّدون الأمور، ولا يوجد فراغ في الشرق الأوسط. لقد سقطت إيران، وستبرز قوة جديدة، وتركيا تريد أن تكون تلك القوة".
في كل حال يبدو أن علاقة أردوغان بترامب ومكانة تركيا الصاعدة دفعت أردوغان للقول: "إنّ مسألة طائرات إف-35 ليست جديدة، فقد ناقشناها مع الولايات المتحدة سابقاً. وعدونا بخمس طائرات مقاتلة، ونتوقع أن يُثمر هذا الوعد نتائج إيجابية في هذه القمة". وهذا التصريح أطلق صافرات الإنذار في إسرائيل تحذيراً ليس فقط من احتمال خسارة التفوق الجوي وإنما أيضاً من خسارة الهيبة والمكانة الإقليمية.
لا تريد منافسين
رغم التركيز في السنوات الأخيرة على إيران وحزب الله وحماس، فإن الخبير في الشأن التركي في مركز موشي ديان في تل أبيب، الدكتور حاي إيتان كوهين يانروجاك، يرى أن إسرائيل تواجه تحدياً استراتيجياً جديداً لم يُعالج بشكل كافٍ حتى الآن. ويرى أن ضعف إيران النسبي في المنطقة يُتيح لتركيا توسيع نفوذها وقيادة حملة سياسية وأيديولوجية ضد إسرائيل. ويضيف "إن التصريحات الحادة للرئيس رجب طيب أردوغان وكبار مسؤولي إدارته مسموعة منذ فترة طويلة، ولم تبدأ إسرائيل بالاهتمام بها إلا مؤخراً". وفي نظره تواجه إسرائيل صعوبة في التعامل مع تركيا لأنها خصم مختلف عما عرفته في الماضي. "هذه ليست دولة مصنفة رسمياً كعدو، وبالتالي فإن الأدوات التي اعتادت إسرائيل استخدامها ضد الدول العربية أو إيران غير مناسبة هنا. يجب علينا صياغة استراتيجية مُخصصة، لأن هذا تحدٍ لم تتمكن دولة إسرائيل من التعامل معه حتى الآن".
وفي كل حال يرى يانروجاك أن التوتر بين إسرائيل وتركيا لم يعد ينبع فقط من المصالح السياسية. "في الماضي، كان من الممكن تفسير اختلاف الآراء من خلال المصالح المتباينة، لكننا نرى اليوم ما هو أعمق. عندما يُصوّر أردوغان الصراع ضد الصهيونية كجزء من النضال من أجل مستقبل تركيا، يصبح الأمر صراعاً ذا بُعد أيديولوجي. لذلك، يجب أن يكون الرد الإسرائيلي أوسع نطاقاً ولا يقتصر على التصريحات." وفي الختام، يحذر من أن المعركة ضد تركيا لا تقتصر على الساحة السياسية أو الأمنية فحسب، "بل هي أيضاً حرب على الوعي. فمن يحدد اللغة والإطار اللذين يتحدث بهما العالم عن إسرائيل، يؤثر أيضاً على كيفية إدراك العالم للواقع." يجب على إسرائيل أن تدرك أن هذا الصراع مستمر يومياً، وأن تبدأ بأخذ زمام المبادرة بدلاً من مجرد رد الفعل.
ومشكلة إسرائيل مع تركيا أنها في الواقع دولة لها رجل ثقيلة في الغرب وأخرى في الشرق, وهي في نظر أوروبا المتخوفة حالياً من روسيا ومن تراجع الدعم الأميركي للناتو الدولة التي تملك، وفق الأمين العام لحلف الناتو مارك روته "قاعدة صناعية دفاعية ضخمة"، تضم آلاف الشركات العاملة في جميع أنحاء الحلف وفي الولايات المتحدة. وإسرائيل قلقة من تركيا لمكانتها في الناتو وفي المحيط الإقليمي، وفي الوقت نفسه يقف على رأسها أردوغان الذي ترى فيه عدواً. وهي عاجزة عن تغيير موقف ترامب وأميركا القاضي بأن تركيا عضو مركزي في حلف الناتو وذات جيش كبير وقيمة استراتيجية عالية. ولذلك تستطيع تركيا نيل دعم سياسي وعسكري يتيح لها امتلاك قدرات لا يستهان بها.
الخطر التركي
في تركيا نظام يربط بين الإسلام والمصلحة القومية العليا ويتمنى استعادة الموروث العثماني وإسرائيل توفر بعربدتها في المحيط العربي حوافز لذلك. ورغم أن تركيا كانت الدولة المسلمة الأولى التي اعترفت بإسرائيل فور إنشائها فإنها تجد نفسها سريعاً تحتل مركز الصدارة في العداء الإسرائيلي. وكان وزير الخارجية التركية هاكان فيدان قد أعلن "حكومة نتنياهو، بل وعناصر من المعارضة أيضاً، تسعى لإعلان تركيا عدواً جديداً"، ووصف ذلك بأنه "استراتيجية دولة" جديدة. وفي هذا السياق جاء الإعلان عن الاعتراف بالإبادة الأرمنية في الوقت ذاته الذي تتعاظم فيه الاستفزازات للمشاعر الإسلامية في تركيا وغيرها عبر ما يجري في المسجدين الأقصى في القدس والإبراهيمي في الخليل. ولا يمكن تجاهل أثر القانون الذي يجري سنه والذي يمنع صوت الآذان في المساجد.
وهناك حتى في إسرائيل من يلاحظون أن سلوك نتنياهو وحكومته خصوصاً في المسجد الأقصى يقوم على استفزاز المسلمين عموماً والأتراك ضمنهم. ويتساءل بعضهم هل أن الاعتراف بالإبادة الأرمنية مقدمة لاستفزاز أردوغان للبدء بتعبئة الجيش التركي للحرب. وهل أن إسرائيل تؤجج بوعي الخطر التركي لتحقيق رؤية دولة اسبرطة ونظرية الحرب الأبدية؟ ومعروف أن أردوغان سبق وأعلن أنه يرى بين مهامه تحرير الأقصى كما أن العديد من الساسة الأتراك تحدثوا عن تحرير القدس. وبلغ الأمر مؤخرا بوزير الخارجية التركي أن يصرح بأن إسرائيل عبء يصعب على العالم احتماله.




