الصدام المؤجَّل: تركيا وإسرائيل والإف-35

ملاك عبد اللهالخميس 2026/07/09
Image-1763372166
تركيا تلقت وعداً بالحصول على خمس مقاتلات "إف-35" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

انعقدت قمة حلف الناتو في أنقرة يومي السابع والثامن من تموز/يوليو، للمرّة الثانية في تاريخ تركيا بعد إسطنبول 2004، وخرجت منها أنقرة بما هو أثمن من بيانٍ ختاميّ. قال الرئيس رجب طيب أردوغان إن بلاده تلقّت وعداً بالحصول على خمس مقاتلات "إف-35" كدفعةٍ أولى، وإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مستعدّ لإعادة تركيا إلى البرنامج الذي طُردت منه عام 2019. طائرةٌ واحدة كانت عشية القمة سؤالاً معلقاً، وصارت بعدها إجابة أولية: واشنطن مالت ولو خطوة نحو أنقرة.

لكن الميل لم يمر بصمت. فقبل ساعات من القمة، طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من ترامب مباشرةً الامتناع عن بيع تركيا أنظمة تحدّث سلاحها الجوي، وشكا إليه تصاعد خطاب أردوغان. وكان وزير الخارجية التركية هاكان فيدان قد أعلن، في الثالث من تموز/يوليو، أن إسرائيل باتت "عبئاً لم يعد بمقدور الإنسانية أن تحتمله"، داعياً إلى عقوباتٍ دولية عليها، فرد نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر بأن ذلك "تحريض نموذجي على الإبادة".

 طائرة واحدة إذاً، وحليفان لواشنطن على طرفي نقيض. العلاقة بين تركيا وإسرائيل، التي كانت يوماً حلفاً استراتيجياً، صارت أخطر خطوط الصدع في الشرق الأوسط الجديد. وقد لخصه أردوغان نفسه بجملة لافتة: "أمن تركيا لا يبدأ من هاطاي، بل من حلب ودمشق وبيروت".

 

من الحلف إلى القطيعة

لم تكن العلاقة هكذا دائماً. فتركيا كانت عام 1949 أول دولة ذات غالبية مسلمة تعترف بإسرائيل. وفي تسعينيات القرن الماضي، بلغ التحالف بينهما ذروته: اتفاقيات تعاون عسكري عام 1996، ومناورات مشتركة، وتنسيق استخباراتي، حتى بدت أنقرة وتل أبيب ركنَي محور موال لواشنطن في وجه العرب وإيران. كان ذلك زمن تركيا العلمانية الكمالية، قبل أن يصعد حزب العدالة والتنمية ويقلب البوصلة.

مع أردوغان، انعطفت الأمور. لحظة دافوس 2009 حين نهض غاضباً في وجه شمعون بيريز بعبارة "دقيقة واحدة"، ثم مجزرة سفينة مرمرة عام 2010، دشنتا زمن القطيعة. تلتها محاولات مصالحة متعثرة (2016، ثمّ 2022 مع زيارة الرئيس هرتسوغ وإعادة السفراء)، سرعان ما انهارت بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين تبنّى أردوغان خطاباً أكثر حدة ضد إسرائيل، ووصف حماس بأنها حركة تحرير، ثم علقت أنقرة التبادل التجاري مع إسرائيل في أيار/مايو 2024. وها هي العلاقة تبلغ اليوم طوراً أعقد، بعد التنافس على الأرض في سوريا

ثمة قانون خفي يفسر هذا الانعطاف، ذلك أن التحالف التركي الإسرائيلي لم يقم يوماً على مودة، بل على عدو مشترك. في الحرب الباردة كان الاتحاد السوفياتي هو الغراء. في التسعينيات كانت سوريا الأسد وإيران والعراق. ولما خفت الخطر المشترك، خفت معه سبب التحالف. الحرب الأخيرة على إيران، حين كسرت العدو الذي وحد خصومه، أزالت آخر ما تبقى من غراء. لقد وجد الحليفان القديمان نفسيهما للمرة الأولى منذ عقود بلا عدو ثالث يشغلهما وجهاً لوجه على تركة المنطقة. غاب التهديد الجامع فانكشفت الطموحات المتنافسة

 

سوريا: خط الصدع الذي يصنع كل شيء

جوهر الصراع اليوم اسمه سوريا. تصوران متناقضان تبلورا بعد سقوط الأسد. تركيا ترى في سقوطه فرصةً لبناء دولة سورية مركزية قوية موحدة، تدعم حكومة الشرع وتؤمن لأنقرة عمقاً استراتيجياً وحدوداً مستقرة. أما إسرائيل، فترى في الحكم الجديد تهديداً، وتريد سوريا ضعيفةً مفككة. بعض المصادر تشير إلى أن أنقرة رفضت اقتراحاً إسرائيلياً بتقاسم النفوذ (إسرائيل في الجنوب وتركيا في الشمال) متمسكة بوحدة الدولة السورية.

بين التصورين، أقيمت آلية لتجنب الاصطدام بوساطة أذربيجانية، نجحت حتى الآن في منع سوء التقدير. جهود مفيدة لكنها تبدو غير كافية. الخطوط الحمر التركية واضحة: احتلال إسرائيلي واسع لجنوب سوريا، أو فعل يهدد بقاء حكومة الشرع، أو عرقلة دمج "قسد" في الدولة. وحين يتحدث شريك أردوغان دولت بهجلي عن "معادلة أمنٍ تمتد من مضيق هرمز إلى شرق المتوسط"، فإن الخطاب ينتقل من المواجهة السياسية إلى التلويح الضمني بالقوة. الأرض السورية صارت رقعة الشطرنج التي يُلعب عليها مستقبل الإقليم.

 

دمشق وبيروت

بينما كان قادة الحلف يجتمعون في أنقرة، كانت دمشق تهتز. في السابع من تموز/يوليو نفسه، وأثناء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أول زعيم أوروبي يزور سوريا بعد سقوط الأسد، انفجرت عبوتان قرب فندق "فورسيزنز" ووزارة السياحة في قلب العاصمة، فجرحتا ثمانية عشر شخصاً. ومن زاوية الصراع التركي الإسرائيلي، ستكتسب التفجيرات معناها. فمشروع سوريا القوية المستقرة، الذي تسنده أنقرة وتراهن عليه فرنسا والخليج، هو النقيض المباشر لرؤية تل أبيب لسوريا ضعيفة مفككة. وأي زعزعةٍ للأمن في دمشق  أياً كان منفذها  تصب موضوعياً في خانة من يريد إبقاء سوريا عاجزة عن النهوض، وتُقوض رهان الدولة المركزية الذي تقوده تركيا. صار استقرار سوريا جبهةً في الحرب الباردة بين أنقرة وتل أبيب، لا شأناً داخلياً سورياً فحسب.

الوجه الآخر للصورة كان في بيروت كذلك. ففي الثاني من تموز/يوليو، زار وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني لبنان معلناً تأسيس مرحلةٍ جديدة قائمة على احترام السيادة، وموقعاً اتفاقاً لإنشاء اللجنة العليا السورية اللبنانية المشتركة، ومؤكداً ألا نية للتدخل العسكري. يحضر لبنان هنا في قلب المعادلة لا على هامشها. فبينما تُبقي إسرائيل ضغطها العسكري على الجنوب في ظل هدنةٍ هشة، تجد بيروت نفسها بين قوتين صاعدتين: سوريا جديدة مدعومة من أنقرة تمد إليها جسور الدولة، وإسرائيل تريدها ساحةً منزوعة السلاح والنفوذ. لبنان، الحلقة الأضعف، صار مرآة مصغرة للصراع الأكبر.

 

واشنطن بين حليفيها

عودة إلى القمة. تركيا حليف في الناتو منذ عام 1952، وثاني أكبر جيوش الحلف، لكن شراءها منظومة "إس-400" الروسية عام 2019 كلفها الطرد من "إف-35" وعقوبات "كاتسا" عام 2020. خفّف بايدن التوتر ببيع "إف-16"، ثم ذهب ترامب أبعد من ذلك: صفقة محرّكات "إف-110" لمقاتلة "قآن"، ووعد في أنقرة بخمس مقاتلات "إف-35" وإعادةٍ تدريجية إلى البرنامج. يدافع المبعوث توم باراك عن هذا التوجه تحت شعار "السلام عبر القوة". لكن الثمن سياسي، ومعارضوه في واشنطن نفسها. جماعة من نواب الكونغرس من الحزبين تحذر من أن تسليح تركيا بـ "إف-35" مع احتفاظها بالـ "إس-400" يهدد أمن التكنولوجيا الأميركية وتفوق إسرائيل النوعي. وقد توسل نتنياهو الأمر شخصياً إلى ترامب، بلا جدوى ظاهرة حتى الآن. هكذا أجابت القمة ولو جزئياً عن سؤال ظل معلقاً: حين لا تستطيع واشنطن إرضاء حليفيها معاً، إلى أيهما تميل؟ الجواب الأولي من أنقرة: نحو الحليف الأكبر جغرافياً واستراتيجياً في الحلف، ولو على مضضٍ من تل أبيب. وهذا، إن ثبت، تحول يتجاوز صفقة سلاح إلى إعادة ترتيب أولويات.

يزيد من أهمية هذا التحول احتمال عودة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة، مع تصاعد الحديث عن أمن مضيق هرمز وحماية طرق الطاقة وإمكان انخراط دول أطلسية في أي ترتيبات بحرية إذا تدهور الوضع. في مثل هذا السيناريو ستستعيد تركيا وزناً استراتيجياً مضاعفاً داخل الناتو، ليس فقط بوصفها القوة العسكرية الثانية في الحلف، بل لأنها الدولة الوحيدة القادرة على الربط بين مسارح البحر الأسود وشرق المتوسط والشرق الأوسط. ومن هذه الزاوية، تبدو إعادة فتح ملف "إف-35" لأنقرة جزءاً من إعادة تموضع أميركية أوسع استعداداً لبيئة إقليمية أكثر اضطراباً، حيث تصبح الحاجة إلى تركيا أكبر من أي وقت مضى، حتى وإن أثار ذلك اعتراض إسرائيل وتحفظات داخل الكونغرس.

 

تركيا والسعودية والخليج

لا تكتمل الصورة من دون الضلع الثالث: العلاقة التركية السعودية. فبين البلدين إرث خصومةٍ ثقيل. تباين حول الإسلام السياسي والإخوان، ووقوف تركيا مع قطر في حصار 2017، ثم الشرخ الأكبر بعد مقتل جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول عام 2018. لكن الرياح تبدلت منذ 2022–2023. مصالحة، وودائع واستثمارات خليجية ضُخت في الاقتصاد التركي المنهك، ولقاءات بين أردوغان ومحمد بن سلمان طوت صفحة القطيعة. واليوم يلتقي البلدان عند قلق مشترك من فائض القوة الإسرائيلي، وعند مصلحة في إعادة إعمار سوريا وتثبيت استقرارها، وهو الرهان نفسه الذي جاء ماكرون ليشارك فيه. بل إن تركيا تدفع من موقع مضيفة القمة نحو تعميق "مبادرة إسطنبول للتعاون" التي تربط الحلف بشركائه الخليجيين. غير أن التقارب يبقى حذراً، فالرياض وأنقرة تتنافسان أيضاً على زعامة العالم السني وعلى النفوذ في سوريا الجديدة. تقارب مصالح لا تحالف قلوب، لكنه يعيد رسم الاصطفافات على نحوٍ يقلق إسرائيل أكثر مما يطمئنها.

 

ما تحت الخطابة: المصالح الاقتصادية

تنبض مصالح باردة خلف الخطاب الأيديولوجي الصاخب. يحتاج الاقتصاد التركي الذي أنهكته أزمة الليرة والتضخم إلى الاستثمار الخليجي والغربي أكثر من حاجته إلى المعارك. والتبادل التجاري مع إسرائيل، الذي كان يقارب تسعة مليارات دولار قبل تعليقه عام 2024، خسارة يتحملها الطرفان بصمت. أما المعركة الأعمق فصناعية عسكرية: "قآن" ومحركاتها الأميركية، والعودة إلى "إف-35". وفي شرق المتوسط يحتدم صراع الطاقة. مركز يجمع الولايات المتحدة واليونان وقبرص وإسرائيل يُقصي تركيا عن ثروة الغاز، فيغذي شعورها بالتطويق البحري. يُضاف إلى ذلك اليوم غنيمةٌ جديدة: إعادة إعمار سوريا. الكعكة التي تُقدَّر بمئات المليارات صارت ساحة تنافسٍ ونفوذ. شركات تركية تطمح إلى حصّة الأسد بحكم الجوار والدعم السياسي، ورساميل خليجية، وأوروبا التي دخلت من بوابة ماكرون. من يُعمّر سوريا يرسم نفوذه فيها لعقود، ولهذا فإن زعزعة استقرارها ليست عبثاً. ثمة حرب على الحصص قبل أن تُوزَّع. آخر التصريحات، من وعد الإف-35 إلى مذكرات ماكرون، كلّها تشير تحت غلاف الأيديولوجيا إلى صراعٍ على الأسواق وخطوط الطاقة وعقود التسليح وموائد الإعمار.. لكن هل يقود هذا كلّه إلى حرب؟

 تركيا مُرتَكزة في المنظومة الغربية عضواً في الناتو، ولا تتبنّى موقفاً عسكرياً معادياً صريحاً لإسرائيل. معارضتها بقيت في حدود الخطاب. وآلية تجنّب الاصطدام في سوريا على هشاشتها تظل جداراً واقياً. كما أن عضوية أنقرة في الحلف، وحاجتها إلى السلاح والاستثمار الغربي، بل حصولها على وعد الإف-35 نفسه، تكبح اندفاعها. لكن غياب الحرب لا يعني غياب الصراع. التنافس التركي الإسرائيلي صار قيداً بنيوياً يشكل كل ملفات المنطقة: سوريا، ولبنان، وشرق المتوسّط، والتنافس على واشنطن، وموائد الإعمار. والتحدي الأكبر أن آليات التهدئة تعالج الأعراض لا الجذور، فما دام التصوران لسوريا متناقضَين إلى حدّ التنافي، سيبقى الصدام مؤجَّلاً لا مُلغى.

 

الإف-35 نطقت.. فماذا قالت؟

عشية القمة، كانت الإف-35 سؤالاً. بعدها، صارت جواباً أولياً. حين خُيرت واشنطن مالت خطوةً نحو أنقرة، ومنحت أردوغان في عاصمته وعداً بالطائرة التي تخشاها تل أبيب، رغم توسل نتنياهو وتحذير الكونغرس. ليست هذه نهاية المطاف، فالصفقة ستقاوم في واشنطن، وقد تتعثر، لكنها إشارة إلى أن الحليف الأصغر جغرافياً، أي إسرائيل، لم يعد يملك فيتو مطلقاً على قرارات حاميه.

في زمن الحرب على إيران، بات الصراع أوضح وأعقد بين قوتين إقليميتين صاعدتين، كلتاهما حليفة لأميركا، وكلتاهما تريد أن ترث أي فراغ يخلفه انكفاء إيراني من دمشق إلى بيروت إلى شرق المتوسّط. تفجيرات دمشق تحت أقدام ماكرون، ووعد الطائرات في أنقرة، وزيارة الشيباني إلى بيروت، ثلاثُ صورٍ لمشهدٍ واحد: إعادة تشكيل الإقليم على وقع التنافس التركي الإسرائيلي. إلى أي مدى تمضي واشنطن في ميلها نحو أنقرة قبل أن تنفجر شرارةٌ لا تريدها؟ هنا كل المعضلة!

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث