دخان دمشق في يوم "ماكرون": من المستفيد من كسر صورة الحكم؟

لؤي مريودالثلاثاء 2026/07/07
ماكرون والشرع (Getty)
دمشق استقظت على دوي انفجارات تزامناً مع زيارة ماكرون (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تزامناً مع الزيارة التاريخية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومحادثاته مع الرئيس أحمد الشرع استيقظت دمشق اليوم على دوي انفجارات متزامنة أعادت إلى الأذهان مشاهد ظنّ السوريون أنها طُويت مع سقوط النظام السابق في أواخر عام 2024. العبوات الناسفة التي انفجرت في محيط فندق "الفورسيزنز" بقلب العاصمة، لم تكن مجرد خرق أمني عابر، بل أنها تحمل أبعادًا سياسية، خصوصًا أنها جاءت بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق، وهو ما يجعلها تتجاوز كونها حادثًا أمنيًا معزولًا.

وبغض النظر عن الجهة المسؤولة عن هذه الهجمات، فإنها تؤكد أن الانتقال السياسي لا يعني انتهاء التحديات، وأن بناء الاستقرار يحتاج إلى مؤسسات قوية، وتحقيقات شفافة، وسياسات قادرة على معالجة أسباب الصراع وليس فقط التعامل مع نتائجه.

الهدف الحقيقي الكامن وراء هذه التفجيرات المتلاحقة، هو ضرب صورة الحكم القادر والسلطة المركزية الناشئة التي تحاول فرض الاستقرار وصياغة شرعية دولية جديدة. إن كسر هذه الصورة لا يخدم سوى تحالف هجين وغير معلن، يمتد من تل أبيب التي لم تخف هدفها من اليوم الأول إلى دهاة المشاريع الانقسامية في شرق سوريا وجنوبها، وصولاً إلى أطراف إقليمية كإيران وحزب الله، يعاونهم في ذلك "فلول" الداخل الذين يؤمنون الدعم اللوجستي على الأرض.

 

الرسائل المبطنة خلف عبوات دمشق

 وفي الوقت الذي تحاول السلطة الجديدة في دمشق تقديم نفسها كضامن وحيد للأمن والاستقرار، وبناء دولة مركزية قوية قادرة على ضبط السلاح المنفلت ومكافحة الإرهاب. وجاءت زيارة ماكرون، برفقة وفد اقتصادي رفيع المستوى لتوقيع مذكرات تفاهم استراتيجية، بمثابة صك الاعتراف الدولي بنجاح هذا "الحكم الجديد" في فرض هيبته أتت العبوات الناسفة اليوم جاءت لتدق ناقوس الخطر، حاملةً رسائل متعددة الأبعاد:

الأولى (للخارج) إقناع المجتمع الدولي والشركات الاستثمارية بأن البيئة السورية ما زالت طاردة للاستثمار، وأن السلطة المركزية عاجزة عن حماية ضيوفها الدبلوماسيين في المربع الأمني الأكثر تحصيناً.

والثانية (للداخل) في إشاعة حالة من الإحباط والذعر بين المواطنين، وإظهار قوى الأمن بمظهر العاجز، مما يمهد الطريق لإعادة إنتاج الفوضى وتبرير الطروحات الانفصالية كبديل عن "الدولة الفاشلة".

 

من المستفيد من تفجير العاصمة؟

لمعرفة الفاعل الحقيقي علينا أن نسأل: من المستفيد؟ هنا نرى حلف يلتقي عند قاسم مشترك واحد، وهو: ألا تقوم لسوريا الموحدة قائمة.

1. إسرائيل ومخطط "سهم باشان"

لم تخفِ إسرائيل يوماً رغبتها في رؤية سوريا مقسمة وضعيفة. وعقب التحولات الكبرى، شنت إسرائيل عمليات عسكرية برية وجوية مكثفة أطلقت عليها اسم عملية "سهم باشان"، مستعيدةً مصطلحات تاريخية بهدف تكريس واقع جيوسياسي جديد في الجنوب. استقرار دمشق يعني إغلاق الحدود الجنوبية في وجه الأطماع الإسرائيلية؛ لذا فإن تفجير دمشق يمنح تل أبيب الذريعة للاستمرار في قضم الأراضي السورية بحجة غياب شريك أمني مستقر.

2. دعاة المشاريع الانقسامية من الشرق والجنوب الى الفلول

تُطرح فرضية أن "قسد" أو أطرافًا قريبة من مشروعها السياسي قد تكون من بين الجهات التي لديها دوافع للضغط على السلطة الجديدة وهز صورتها امام مكرون والمجتمع الدولي، خصوصًا انها شعرت بأن الدعم الدولي الذي كانت تعتمد عليه أوشك على الافول. تبقى هذه الفرضية ضمن إطار التحليل السياسي، ولا يمكن اعتبارها دليلًا على مسؤولية مباشرة ما لم تدعمها نتائج تحقيقات وأدلة واضحة، أيضا أصحاب فكرة جبل باشان الذين يرغبون في فك الارتباط بدمشق في الجنوب (جبل باشان/العرب) بحجة غياب الدعم والأمن. تفجيرات دمشق اليوم تغذي هذه السردية الخطيرة؛ فهي تعطي دعاة الانفصال ذريعة للقول: "إذا كانت العاصمة عاجزة عن حماية فندق رئيس فرنسا، فكيف ستحمينا؟"، وهو ما يعزز فكرة الكانتونات المعزولة التي تخدم الأجندة الإسرائيلية بشكل مباشر.

3. إيران وحزب الله ثأر النفوذ المفقود

خسرت إيران وحزب الله بقعة استراتيجية لا تُعوض بسقوط النظام القديم، وانكسر الجسر البري الذي يربط طهران ببيروت. بالنسبة لهذا المحور، فإن نجاح سوريا الجديدة في الانفتاح على المحيط العربي وبناء علاقات متوازنة مع الغرب يعني الطرد النهائي لنفوذهم. وتفجيرات اليوم تحمل بصمات خلاياهم النائمة الساعية لإثبات أن سوريا بدونهم ستبقى ساحة مستباحة للفوضى.

 

الاختراق اللوجستي: "منتسبي الأجهزة الأمنية للنظام السابق" في كل مكان 

مع التأكيد بان اتهام أي فرد أو فئة بشكل عام يحتاج إلى أدلة محددة، لأن المسؤولية القانونية يجب أن ترتبط بالأفعال والجرائم المثبتة، وليس بالانتماء أو الخلفية السابقة فقط. لكن طبيعة هذه العمليات الإرهابية المتزامنة والمعقدة تشير الى انها لا يمكن أن تُهندس بـ "التحكم عن بُعد" فحسب؛ بل إنها تتطلب بنية لوجستية صلبة وشبكة رصد نشطة على الأرض. زراعة عبوة ناسفة في المربع الأمني الأكثر تحصيناً بالعاصمة يحتاج إلى عيون تراقب، وأيادٍ تنقل، وسيارات تتحرك بحرية تامة دون إثارة شبهة. 

ولهذا تبرز فرضية علاقة خلايا مرتبطة بشبكات النظام السابق أو جهات أخرى من عناصر لديها خبرة أمنية سابقة غاضبة. ويرى أصحاب هذا الرأي أن بعض العناصر التي كانت مرتبطة بالأجهزة الأمنية القديمة قد تحاول استغلال مرحلة الانتقال السياسي لإعادة تنظيم نفسها أو التأثير في مسار الأحداث.

هؤلاء الفلول لم يغادروا البلاد؛ بل استفادوا من مناخ العفو وذابوا في تفاصيل الحياة اليومية للعاصمة. انخرط الكثير منهم في مهن حركية وحيوية تتيح لهم مسح الشوارع على مدار الساعة، وتمنحهم هذه المهن غطاءً استراتيجياً شرعيا من خلال حرية الحركة المطلقة والتنقل الدائم بين الأحياء والمربعات الأمنية الحساسة بحجة نقل الركاب مما يعطيهم امكانية الدراية الكاملة بكافة مداخل ومخارج الأزقة الدمشقية وحدود الحواجز الأمنية. وبالتالي تستطيع اختيار الوقت المناسب لنقل العبوات البدائية والمعدات اللوجستية دون لفت الانتباه.

 وشاهدنا الكثير من الفيديوهات في الفترة الأخيرة لأناس يعملون في قطاع خدمات النقل العام، وهم يعبرون عن تمجيدهم للاسدية وتبين لاحقا ان لهم خلفية في العمل في الأجهزة الأمنية للنظام السابق.

معضلة "اذهبوا فأنتم الطلقاء" وحتمية العدالة الانتقالية السريعة

عندما دخلت القوى المعارضة إلى دمشق في كانون الأول 2024، تبنت القيادة الجديدة خطاباً تصالحياً ومسامحاً، "اذهبوا فأنتم الطلقاء". كان الهدف حقن الدماء السورية، وتجنب المجازر الانتقامية، وتقديم صورة حضارية ومطمئنة للعالم.

لكن في عالم السياسة، يطرح هذا التفجير سؤالاً مشروعاً وحارقاً: هل تحول هذا التسامح إلى ثغرة أمنية قاتلة؟

هذا الواقع اللوجستي الخطير يثبت أن الخطأ لم يكن في الشعار نفسه، بل في التراخي الأمني اللاحق الذي فُسّر على أنه ضعف. من هنا، يبرز مفهوم العدالة الانتقالية ليس كترف حقوقي أو ندوات أكاديمية مؤجلة، بل كـ ضرورة أمنية ملحة وقصوى يجب تنفيذها بشكل سريع وخاطف. إن العدالة البطيئة والمترددة تمنح المجرمين وقتاً ثميناً لإعادة تنظيم صفوفهم؛ ولذلك يجب اتخاذ إجراءات فورية:

أولها الغربلة الأمنية والإدارية الصارمة بحيث يتم إخضاع كافة العاملين في القطاعات الخدمية والحركية (وخاصة قطاع النقل الخاص والعام.. عمال التوصيل الدليفري..) لتدقيق أمني جنائي مكثف. لا يمكن السماح لعنصر مخابرات سابق أو "شبيح" متورط بالدماء بأن يتجول بحرية خلف مقود تاكسي في شوارع العاصمة دون رقابة مشددة.

 ثانيها وهو الأهم تسريع المحاكمات العادلة يجب أن تكون المحاكمات علنية وسريعة لقطع دابر أي شعور بالحصانة لدى الفلول. إن بطء التقاضي يغري هؤلاء بالاستمرار في العبث بالأمن، لاعتقادهم أن الدولة الجديدة مترددة.

 كما انه من المهم جدا تفكيك الامتيازات الاقتصادية الصغيرة من خلال ملاحقة الأموال والشبكات التي يديرها رجالات النظام السابق في أسواق العاصمة، والتي تُستخدم اليوم لتمويل شراء المتفجرات وتجنيد المخرّبين.

 

 بين البلقنة وسوريا الواحدة.. ما على السوريين الوطنيين فعله؟

أمام هذا المنعطف التاريخي الخطير، يجد السوريون أنفسهم أمام مسؤولية مصيرية لمنع بلقنة البلاد وتفكيكها:

الالتفاف حول مفهوم "الدولة المركزية العادلة" وإدراك أن بديل الدولة المركزية القوية ليس الحرية، بل الكانتونات المتناحرة والمستباحة من الخارج، وأيضا يجب دعم مؤسسات الدولة -وخاصة الجيش والقضاء والأمن- في تنفيذ حملات تطهير واسعة ضد الخلايا النائمة. يجب أن تنتهي مرحلة " أنتم الطلقاء" بالنسبة لكل من يحمل السلاح خارج إطار الدولة أو يزرع العبوات لقتل الأبرياء وتخريب الاستقرار.

وعلى جميع المؤمنين ب سوريا الواحدة تعرية ومواجهة السرديات الانفصالية من خلال تصدي النخب وبحزم لكل المصطلحات المسمومة التي تروج للتقسيم؛ سواء كانت دعوات "الحكم الذاتي" في الشرق، أو محاولات مشروع "دولة جبل باشان" في الجنوب.

 

انها معركة الوجود السوري

إن التفجيرات التي شهدتها دمشق اليوم أثناء زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون هي جرس إنذار أخير للسوريين. إنها تثبت أن المعركة لم تنتهِ بسقوط الطاغية في 2024، بل بدأت معركة أخطر وأعقد معركة الحفاظ على وحدة الخارطة السورية.

إن الإسراع في وتيرة العدالة الانتقالية هو الحصن المنيع الذي سيحمي قرار "اذهبوا فأنتم الطلقاء" من أن يتحول إلى انتحار جماعي. فالعدالة الناجزة والسريعة هي وحده الكفيلة بإفهام الجميع: أن يد الدولة الممدودة بالسلام والتسامح، هي نفسها اليد التي تطبيق القانون بحزم ضمن الأطر القانونية وهي القادرة على قطع دابر الفوضى وحماية سيادة الوطن وبسط الأمن في ربوعه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث