في خطوة تأتي كترجمة للتحركات العسكرية السورية الخارجية في تركيا، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسومين رئاسيين يقضيان بإحداث جامعتين متخصصتين في العلوم الدفاعية والأمنية، في وقت تسعى فيه قيادة البلاد للتخلص من الإرث الهيكلي للمنظومتين العسكرية والأمنية من حقبة نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
نقل التجربة التركية
وكشف مصدر كبير في وزارة الدفاع السورية لـ"المدن" أن صدور المرسومين جاء عقب الزيارة الرسمية الأخيرة التي أجراها وزير الدفاع مرهف أبو قصرة إلى تركيا، رفقة كبار الضباط، وبينهم مستشاره للأكاديمية الوطنية للهندسة العسكرية، اللواء سليم إدريس.
وقال المصدر إن القيادة العسكرية السورية تتطلع إلى نقل التجربة التركية الأكاديمية المتطورة في بناء الجيش وإدارته إلى داخل البلاد، وطي النظرة القديمة التي رسخها نظام الأسد لعقود عن هذه المؤسسة، لافتاً إلى أن دمشق تسعى عبر الجامعتين الجديدتين إلى إيجاد موطئ قدم لسوريا الجديدة في خارطة بناء الجيوش الحديثة حول العالم.
وأوضح أن الهدف الجوهري من وراء هاتين الجامعتين هو مجاراة التطور المتسارع في مفهوم الحروب الحديثة، "إذ لم يعد مفهوم الجيش مقتصراً على تخريج ضباط حربيين تقليديين كما كان سائداً في السابق، بل باتت خبرات الجيوش المعاصرة تتمحور حول الحرب الإلكترونية، وتقنيات التشويش، والدفاع السيبراني، وإدارة الطائرات المسيرة واختصاصات متطورة أخرى"، على حد قوله.
وقضى المرسوم الأول بإحداث جامعة علمية تعليمية وتدريبية متخصصة في العلوم العسكرية تسمى "الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية"، مقرها دمشق وتتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، كما أجاز إحداث كليات ومعاهد ومراكز تابعة لها في دمشق والمحافظات.
وتتكون الجامعة من الأكاديمية العسكرية العليا التي تضم: كلية الدفاع الوطني، كلية الحرب العليا، كلية القيادة والأركان، الكلية الحربية الجوية، الكلية الحربية البحرية، الكلية الحربية البرية، كلية العلوم الإنسانية والإدارية، المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، والمعاهد التقانية العسكرية، بحسب نص المرسوم الذي نشرته وكالة "سانا".
أما المرسوم الثاني، فقضى بإحداث هيئة عامة علمية ذات طابع إداري متخصصة في العلوم الأمنية تسمى "الجامعة السورية للعلوم الأمنية"، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ومقرها الرئيسي في مدينة دمشق، كما أجاز المرسوم إحداث كليات ومعاهد ومراكز تابعة لها في دمشق والمحافظات.
وتتكون الجامعة الثانية، بحسب المرسوم، من المؤسسات التعليمية والبحثية والتدريبية الآتية: المعهد العالي للعلوم الأمنية، كلية العلوم الأمنية، كلية الأمن السيبراني، مركز الدراسات والبحوث الأمنية، المعهد التقاني للعلوم الأمنية، والمعهد التقاني للأمن السيبراني.
رؤية وطنية
وتعليقاً على المرسومين، قال وزير الدفاع السوري إن إحداث الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية "ثمرة أشهر من العمل، والبحث، ومراجعة نماذج التعليم العسكري العربية والإقليمية، وصولاً إلى رؤية وطنية تعيد تنظيم مسار التعليم العسكري وتمنحه أفقاً أوسع".
وأوضح أبو قصرة في منشور على منصة "إكس"، أن الجامعة الجديدة تجمع تحت إطار واحد الأكاديمية العسكرية العليا، والكليات الحربية الجوية والبحرية والبرية والمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا والمعاهد التقانية العسكرية، ما سيحقق تكاملاً أكبر بين التأهيل العسكري والاختصاص العلمي والتدريب العملي.
وأكد أن الوزارة ستعمل من خلال الجامعة على تطوير البرامج والمناهج وأساليب البحث والتدريب، وإعداد الضباط وضباط الصف في الاختصاصات التي تحتاجها وزارة الدفاع، وبناء مسار علمي وعسكري أكثر قدرة على خدمة البلاد.
ووفق المصدر، فإن المرسومين ليسا مجرد تنظيم إداري عابر، إنما الهدف منهما نقل العقيدة العسكرية والأمنية السورية الجديدة إلى فضاء المأسسة والأكاديمية، للوصول إلى بناء جيش ومنظومة أمنية احترافية.
حوراني: تفكيك هيكلية نظام الأسد
وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية رشيد حوراني لـ"المدن"، إن القيادة السورية عملت منذ سقوط نظام الأسد على إعادة بناء المؤسستين الأمنية والعسكرية، آخذةً في الاعتبار ركيزتين أساسيتين هما إزالة الصورة النمطية التي كرسها النظام عن المؤسسات الأمنية والعسكرية، وإعادة بناء هذه المؤسسات وفق النظم والمهام المتعارف عليها في دول العالم الحديث، حيث الأمن لا يعني القمع والتعذيب، إنما الدراسات العلمية لحركة المجتمع، فضلاً عن دراسة التحولات الجيوسياسية وتأثيراتها على الدولة السورية.
ويوضح حوراني أنه وفقاً لهاتين الركيزتين، فإن ما كان في عهد النظام لم يكن يتعلق بالأمن، بل كان أشبه بعمل الجلاد. ويضيف: "من هنا بدأت الإدارة السورية بالهيكلية التي تناسب الدولة الجديدة وتطلعاتها الداخلية والخارجية إقليمياً ودولياً، وأنجزت في سبيل ذلك خطوات بارزة، أبرزها هيكلة الأجهزة الأمنية وحصرها بالقطاع العسكري والعملياتي فقط، ومنعها من التدخل في الحياة المدنية".
ويشير الباحث السوري إلى أن هذه المسيرة بدأت بالقرار رقم 5 لعام 2025 القاضي بتشكيل مجلس الأمن القومي المنوط به دراسة الوضع الأمني والسياسي للدولة، وبالتالي الانتقال من مفهوم الأمن القائم على الابتزاز والانتهازية خلال حقبة النظام السابق، معتمداً التعاون والتنسيق بديلاً عنها.
ويؤكد حوراني أن مرسومي الشرع يعكسان الرغبة في الاعتماد على كوادر علمية متخصصة لوضع وتنفيذ الخطط الأمنية الخاصة بالدولة.




