لا يعيش العراق اليوم مجرد أزمة مالية عابرة، ولا حتى مجرد اختلال نفطي مرتبط بالحرب الأخيرة في الخليج أو بإغلاق مضيق هرمز، بل يعيش لحظة انكشاف تاريخية لنموذج دولة تشكل تدريجياً منذ عقود، ثم أُعيد إنتاجه بصورة أكثر تشظياً وتعقيداً وتعددًا في مراكز القوة والهويات بعد عام 2003. فالمشكلة العراقية لم تعد تتعلق فقط بتراجع الإيرادات أو تعثر التصدير أو تقلص الاحتياطي النقدي، بل بطبيعة النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي شُيّد حول النفط نفسه، وتحول مع الوقت إلى بنية شاملة لإدارة السلطة والثروة والمجتمع معاً دون تحكمه تماما وفعليا بأدوات العنف الشرعية.
تتقاطع اليوم الأزمات الاقتصادية الهيكلية مع التحديات الأمنية المزمنة، وتتداخل حسابات الأحزاب المتنفذة مع مطالب الشارع الساعي إلى إصلاح حقيقي طال انتظاره. فبعد انتهاء الجدل السياسي العقيم وتأثير شبكات المصالح داخل مؤسسات الدولة لاختيار رئيس للوزراء، تمخضت المشاورات والتوافقات الصعبة بين القوى السياسية النافذة- وفي مقدمتها قوى الإطار التنسيقي- عن تولية السيد علي فالح الزيدي باعتباره شخصية أقل ارتباطاً بالصراعات الحزبية التقليدية وأكثر قرباً من الملفات الإدارية والاقتصادية.
إلا أن التجربة الحكومية الجديدة التي رفعت شعار الإصلاح، تجد نفسها اليوم في مواجهة "دولة عميقة" ومنظومة نفوذ متجذرة تشكلت وتراكمت على مدار أكثر من عقدين من الزمن. وتخوض بغداد حالياً مواجهة حاسمة لكسر قواعد اللعبة التقليدية، تتبلور في مسارات متوازية: مواجهة شبكات الفساد المالي، وفرض سلطة السلاح الواحد، وإعادة هيكلة الاقتصاد السياسي.
أولاً: حكومة جديدة أمام أزمة قديمة وتفكيك خلفية رئيس الوزراء
مضت أسابيع قليلة فقط على تشكيل حكومة السيد علي فالح الزيدي، وهي حتى الآن حكومة غير مكتملة، تفتقر إلى عدد من أهم وزرائها، وإلى رؤية اقتصادية ومجتمعية واضحة المعالم في لحظة شديدة الحساسية. ومن هنا فإن النقاش لا يتعلق بمحاكمة متسرعة لرجل جديد نسبياً على العمل السياسي التنفيذي، بل بمحاولة فهم طبيعة الاقتصاد السياسي العراقي الذي وجد الزيدي نفسه على رأسه.
-
مفارقة النشأة والخطاب
يسلط هذا المشهد الضوء على مفارقة بنيوية واضحة؛ فرئيس مجلس الوزراء الجديد جاء إلى السلطة من فضاء المال والأعمال الذي تشكّل بعد 2003 بفضل الدولة الريعية نفسها؛ أي من عالم تتراكم فيه الثروة غالباً عبر العقود الحكومية، وشبكات النفوذ. فالزيدي الذي يدعو اليوم إلى "الخروج من الاقتصاد الاشتراكي" والتحول نحو "اقتصاد السوق"، هو نفسه أحد أبرز نتاجات النظام الريعي والزبائني الذي يتشكّل فيه المال عبر نفوذ الدولة لا عبر السوق التنافسية.
-
المخيال الشعبي وثروة العقود
ترتبط صورة الرجل السياسية في المخيال الشعبي العراقي بعالم "السلة الغذائية"، وعقود "القصعة العسكرية"، وبمصرف الجنوب. اسمه لم يتكرس عبر الصناعة أو الإنتاج أو المنافسة الاقتصادية الكلاسيكية، بل داخل اقتصاد ريعي تتحكم فيه الدولة وشبكاتها السياسية أكثر مما تتحكم به السوق بمعناها الحديث.
بكلمة أخرى، فإن اسم السيد علي فالح الزيدي، وثروته، وموقعه داخل المشهد العراقي، تكرست جميعها على الضد تقريباً من الوصفة التي قدمها هو نفسه عن “الحالة الطبيعية” للاقتصاد وعلاقته بالدولة. فالرجل نفسه هو إحدى نتاجات الدولة الريعية التي ينتقدها، وابن الاقتصاد الذي تتشكل فيه الثروة عبر العقود والإنفاق الحكومي، لا عبر السوق التنافسية الكلاسيكية أو التراكم الصناعي والإنتاجي المعروف في التجارب الرأسمالية التقليدية. ولهذا يبدو أحياناً وكأن الرجل يصف أزمة هو نفسه جزء من بنيتها التاريخية والاقتصادية، لا مجرد مراقب لها من الخارج.
-
حدود المناورة وإدارة الطوارئ
وصل الزيدي إلى رئاسة الحكومة بقدرات سياسية وبرلمانية ومؤسساتية محدودة نسبياً، وفي لحظة تتجاوز فيها الأزمة العراقية حدود المناورة التقليدية أو الخطاب السياسي العام. ولهذا كان متوقعاً أن تبدأ حكومته بخطوة شديدة الرمزية والأهمية: إجراء تدقيق مالي وإداري واسع لحالة الدولة الفعلية (مراجعة حجم الالتزامات الحقيقية، وقدرة الدولة على دفع الرواتب، ووضع الاحتياطي النقدي، وهشاشة النظام المصرفي، ومستقبل قطاع الطاقة، ومستوى الانكشاف الاقتصادي أمام أي صدمة إقليمية جديدة).
لكن ما ظهر حتى الآن بقي أقرب إلى إدارة يومية واستعجالية للأزمة، مع استمرار هيمنة الطاقم القديم على مفاصل أساسية في إدارة الدولة، وفي مقدمتها وزارة النفط التي تبقى المصدر الوحيد لتمويل النظام برمته. وهذا ما أبقى المقاربة الحكومية، حتى اللحظة، أقرب إلى إدارة مالية قصيرة الأمد للأزمة، أكثر من كونها بداية لرؤية اقتصادية ومجتمعية استراتيجية تعيد التفكير بطبيعة الدولة الريعية نفسها وحدود قدرتها على الاستمرار، وهو ما يتضح عند النظر إلى منهاجها الحكومي.
ثانياً: ليست أزمة "اشتراكية" بل أزمة دولة ريعية وتبديد المفاهيم
ضمن هذا السياق جاءت تصريحات السيد الزيدي حول "الخروج من الاقتصاد الاشتراكي" والدخول في "اقتصاد السوق". المشكلة هنا لا تكمن فقط في العبارة نفسها، بل فيما تكشفه من التباس في فهم طبيعة الاقتصاد العراقي.
-
طبيعة الأزمة الحقيقية
فالعراق لا يعيش أزمة ناجمة عن فائض اشتراكية أو عن هيمنة دولة تنموية قوية تخنق السوق والمبادرة الفردية، بل يعيش العكس تقريباً: دولة ريعية، زبائنية، كليبتوقراطية، تداخلت فيها السياسة بالأعمال، والحزب والفصيل المسلح بالعقود والكومشنات، والنفوذ بالسوق، وشبكات القرابة بالقرار السياسي إلى درجة بات معها الاقتصاد نفسه امتداداً للعلاقات السياسية والقرابية لا فضاءً مستقلاً عنها.
-
وظيفة الدولة السيادية والتمييز المفاهيمي
هناك فرق جوهري بين "الدولتية" بوصفها حضوراً قوياً للدولة في الاقتصاد والتنمية والبنية التحتية والخدمات العامة، وبين الاشتراكية بوصفها منظومة أيديولوجية واقتصادية متكاملة انهارت تقريباً حيثما وجدت (باستثناء الصين التي تمثل نموذجاً خاصاً منذ دينغ سياو بنغ عام 1979 عبر نظام سياسي واحد باقتصادين).
- فالدولة الفرنسية، على سبيل المثال، ما تزال لاعباً مركزياً في النقل والطاقة والتعليم والبحث العلمي والتخطيط والصحة، وهي ربة عمل لأكثر من 5 ملايين موظف.
- كما لعبت الدولة في اليابان وكوريا الجنوبية أدواراً محورية في بناء الصناعة والتكنولوجيا، ولم يجعل ذلك من هذه الاقتصادات “اشتراكية”.
إن الرأسمالية الحديثة نفسها لم تُبنَ على غياب الدولة، بل على وجود دول قوية قادرة على تنظيم السوق، وحماية الصناعة، وتمويل البنى التحتية، وحماية المستثمر والاستثمار طويل الأمد، وحماية الفرد والحريات العامة. حتى أكثر الاقتصادات ليبرالية لا تتعامل مع الدولة بوصفها مجرد عبء مالي يجب التخلص منه عند أول أزمة.
ولهذا تبدو بعض الطروحات المتداولة اليوم عند نفر من الطبقة السياسية في العراق (بمن فيهم رؤساء ميليشيات ملاحقة دولياً) شديدة التبسيط، خصوصاً حين يجري التعامل مع المؤسسات الاقتصادية العامة الخاسرة وكأن الحل الطبيعي هو تصفيتها أو بيعها بأبخس الأثمان فقط لأنها تعاني العجز. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بمنطق الربح والخسارة التجارية المباشرة، لأن هناك قطاعات تقوم بوظائف سيادية واجتماعية وتاريخية خارج منطق السوق: كالتعليم، والصحة، والطاقة، والنقل، والبحث العلمي، والأمن الغذائي، المياه، وحماية الحدود.
ثالثاً: النفط بوصفه بديلاً عن الاقتصاد وتحول الدولة إلى كليبتوقراطية
في الأدبيات الكلاسيكية للاقتصاد السياسي، تشير الدولة الريعية إلى الدولة التي تأتي مواردها الأساسية من ريع خارجي - غالباً من النفط والغاز- أكثر مما تأتي من النشاط الإنتاجي الداخلي أو من الضرائب. وهذا يغيّر بصورة عميقة العلاقة بين الدولة والمجتمع؛ فالدولة لا تحتاج إلى قاعدة إنتاجية قوية لتمويل نفسها، بل تعيد توزيع ثروة تأتي من خارج الدورة الاقتصادية الوطنية.
-
اقتصاد الانتظار ولعنة الإدارة
في مثل هذا النظام، يصبح المواطن أقل ارتباطاً بالإنتاج وأكثر ارتباطاً بالحصول على نصيب من إعادة التوزيع: وظيفة عامة، راتب تقاعدي، إعانة، عقد، امتياز إداري، أو وصول غير مباشر إلى الريع. وهنا يتحول الاقتصاد تدريجياً من اقتصاد إنتاج إلى اقتصاد انتظار، فيما تتحول الدولة نفسها إلى جهاز ضخم لإدارة التوزيع أكثر من كونها أداة لبناء الثروة.
لكن النفط لا يتحول تلقائياً إلى "لعنة"، وتبرز هنا أهمية أعمال الباحث الفرنسي مارك – أنطوان بيروز دي مونكلو، الذي بيّن أن الخطر لا يكمن في النفط بحد ذاته، بل في طبيعة الدولة والمؤسسات التي تدير هذا الريع، وفي قدرة النخب السياسية على تحويل الثروة الناضبة إلى قاعدة إنتاج وتنمية طويلة الأمد. ولهذا يمكن فهم الفارق بين حالات انهارت فيها الدولة الريعية تحت وطأة الفساد والعنف وضعف المؤسسات (كما في فنزويلا أو نيجيريا أو ليبيا)، وبين حالات أخرى نجحت في تحويل جزء من الريع إلى استثمارات استراتيجية وصناديق سيادية (كما في النرويج وبعض دول الخليج).
العراق اتجه بصورة متزايدة نحو المسار الأول؛ فبدلاً من استخدام النفط لبناء قاعدة صناعية وزراعية وتكنولوجية حديثة، تحول تدريجياً إلى بديل عن الاقتصاد نفسه. النفط صار يمول الرواتب، والاستيراد، والعقود، والمحاصصة السياسية، وحتى إعادة إنتاج النخب الحاكمة، إلى درجة بات معها الريع يغذي النظام السياسي نفسه ويضمن استمراره.
-
الكليبتوقراطية (سلطة النهب)
تتجاوز الحالة العراقية النموذج الريعي التقليدي؛ فالعراق يعاني من تحول الدولة نفسها إلى فضاء واسع لتقاسم الثروة العامة وإعادة توزيعها داخل شبكات السلطة والنفوذ. الكليبتوقراطية لا تعني فقط الفساد الإداري، بل تصف نظاماً يصبح فيه الوصول إلى الدولة الطريق الأساسي للتراكم الاقتصادي، حيث تتحول السياسة إلى وسيلة للوصول إلى الموارد والثروة والامتيازات.
أصبحت هذه المنظومة بنيوية؛ فجزء كبير من الاقتصاد يدور حول العقود والصفقات الحكومية، والمنافذ الحدودية، والمصارف، وشبكات الاستيراد، والقدرة على الاقتراب من الأحزاب والفصائل ومراكز القرار، واللجان الاقتصادية، ولجان التفاوض والمصادقة على العقود. والمقصد هنا أن الطبقة التي تتحدث اليوم عن “اقتصاد السوق” هي نفسها الطبقة التي تشكلت ثرواتها الأساسية من الدولة وعقودها، لا من المنافسة الحرة أو التراكم الصناعي الحقيقي.
رابعاً: تبديد الوفرة النفطية في حقبة حكومة السوداني
لقد استفادت حكومة محمد شياع السوداني من واحدة من أعلى الفترات النفطية ربحاً منذ سنوات طويلة، بعد ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً إثر الحرب الأوكرانية. وكان العراق يمتلك فرصة تاريخية نادرة لإعادة التفكير بأسس اقتصاده الريعي. وكان يمكن لتلك الوفرة وما ورثته من ميزانية إضافية (الأمن الغذائي) واحتياطي مريح من العملة الصعبة ومن الذهب والفضة أن تتحول إلى نقطة انعطاف تشمل:
- إنشاء صندوق سيادي.
- بناء منافذ وأنابيب تصدير بديلة للنفط.
- تطوير البنى التحتية.
- الاستثمار في الصناعة والزراعة والطاقة.
- إصلاح النظام المصرفي.
لكن ما حدث كان العكس تماماً؛ فالوفرة لم تُستخدم لإعادة بناء الاقتصاد، بل لإعادة إنتاج النظام الريعي نفسه بصورة أكثر توسعاً وشراهة. جرى توسيع الإنفاق الجاري بشكل هائل، وتضخم الجهاز الإداري أكثر (إذ أضاف السوداني لجيش الموظفين والمتعاقدين قرابة المليون)، وتحولت الوفرة النفطية إلى أداة لتوسيع شبكات الولاء السياسي والاجتماعي عبر التوظيف والعقود والإنفاق الريعي.
وهنا تظهر إحدى أخطر مفارقات الدولة الريعية: كلما ارتفعت الإيرادات النفطية، تقلصت الحاجة السياسية إلى الإصلاح الحقيقي، فالريع يسمح للدولة بشراء الوقت باستمرار لامتصاص الغضب الاجتماعي دون إصلاح مؤسساتها. ولهذا خرج العراق من سنوات الوفرة أكثر هشاشة؛ فما تزال الصناعة ضعيفة، والزراعة متراجعة، والقطاع الخاص هشاً، فيما يبتلع الاستيراد الجزء الأكبر من السوق المحلية، وفشل العراق في بناء منافذ تصدير بديلة كافية، أو خزانات استراتيجية، أو أسطول بحري لنقل النفط.
خامساً: المشهد السياسي و"صولة الفجر".. تكسير عظام كبار الفاسدين
منذ توليه المنصب، جعل رئيس الوزراء علي فالح الزيدي من مكافحة الفساد عنواناً رئيسياً لمشروعه الحكومي، منطلقاً من رؤية مفادها أن أي إصلاح اقتصادي أو إداري سيبقى عاجزاً ما لم تُقوض منظومات المصالح المتشابكة.
وفي فجر يوم الأحد، 28 حزيران/ يونيو 2026، انتقلت الحكومة إلى مرحلة التنفيذ الفعلي الصارم عبر حملة أمنية واسعة عُرفت في الأوساط السياسية بـ "صولة الفجر". ونفذت الحملة أجهزة نخبوية في الدولة متمثلة في الفرقة الخاصة بإسناد من جهاز مكافحة الإرهاب والاستخبارات العسكرية، وبإشراف قضائي مباشر من قاضي أول محكمة تحقيق الكرخ الثانية المختصة بقضايا النزاهة القاضي ضياء جعفر، والمدير العام لدائرة التحقيقات في هيئة النزاهة رائد فاضل. وشهدت العمليات دهم ومداهمات غير مسبوقة داخل المنطقة الخضراء وخارجها في مناطق اليرموك، والقادسية، والشعب، والزيونة.
-
الإطاحة بالشخصيات والأموال المستردة
أسفرت هذه الحملة المتواصلة عن الإطاحة بمسؤولين ونواب ورؤساء كتل سياسية ورجال أعمال بارزين بعد استكمال الإجراءات القانونية الخاصة برفع الحصانة عن 13 نائباً حالياً جرى اعتقال بعضهم. وشملت قوائم الاعتقالات وأوامر القبض شخصيات من الوزن الثقيل، من بينهم:
- رئيس تحالف عزم مثنى السامرائي.
- النواب الحاليون والسابقون: زياد الجنابي، بهاء النوري، محمد الكربولي، عالية نصيف، محمد جميل المياحي، حسن الخفاجي، عبد الرحمن اللويزي، مضر الكروي، هند العباسي، محمد فرمان الجبوري، بشرى القيسي، ومحمد الصيهود.
- مستشار رئيس الوزراء السابق إبراهيم الصميدعي.
- القبض على مدير عام صحة صلاح الدين رائد الجبوري.
وجاءت هذه الإجراءات الحازمة بناءً على مذكرات قضائية مدعومة بالاعترافات التي أدلى بها وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي أثناء استجوابه عقب اعتقاله في محافظة صلاح الدين؛ التي اعتبرها المراقبون "المفتاح" الذي كشف عن شبكات فساد واسعة كانت تستنزف ثروات العراق ومقدراته (مثل ملف مصفى بيجي وملف المنافذ الحدودية الجنوبية). وتكللت التحقيقات بمصادرة وضبط مبالغ مالية ضخمة وأصول بحوزة المتهمين شملت أكثر من 98 مليار دينار عراقي و11 مليون دولار نقدية، فضلاً عن حجز عشرات العقارات، والمركبات الفارهة، والذهب، والمصوغات.
-
خارطة المواقف السياسية والشعبية من الحملة
أحدثت "صولة الفجر" زلزالاً في الخارطة السياسية العراقية، وتراوحت المواقف على النحو التالي:
- التيار الصدري (تأييد مطلق ودفع للمزيد): برز زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر كأحد أقوى الداعمين للحملة؛ حيث وجه رسالة مباشرة عبر مقربين منه إلى رئيس الوزراء علي الزيدي، أعلن فيها دعمه الكامل والمطلق للإجراءات القضائية والأمنية، مشدداً على ضرورة استمرار الحملة وعدم التراجع عنها، والإطاحة بجميع المتورطين دون خطوط حمراء.
- الإطار التنسيقي والقوى الشيعية الحاكمة (ترحيب معلن وتوجس مكتوم): أعلنت كتل رئيسية كـَ "ائتلاف دولة القانون" بقيادة نوري المالكي، ورئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وائتلاف "الإعمار والتنمية/ التطوير" دعمهم الرسمي للحملة للمطالبة باسترداد الأموال المنهوبة وتحويلها إلى إصلاح بنيوي مستدام ينهي المحاصصة. ومع ذلك، فإن هناك توجساً مكتوماً في كواليس الإطار، خاصة وأن الاعتقالات طالت خطوطاً ثانية ومستشارين محسوبين على حقبة الحكومة السابقة.
- القوى السُّنّية (صدمة ومطالبة بالعدالة): تلقت القوى السنية الحملة بصدمة بالغة بعد اعتقال قيادات رفيعة كرئيس تحالف عزم ومجموعة من النواب؛ ورغم دعمهم المبدئي لسيادة القانون، فإنهم يضغطون لضمان ألا تقتصر الحملة على أطراف معينة أو تُستغل لتعديل موازين القوى السياسية داخل المكون السُّنّي نفسه.
- القوى الكردية (تنسيق مؤسساتي حذر): أبدت سلطات إقليم كردستان تعاوناً قضائياً وأمنياً تجسد في تسليم هيئة النزاهة الاتحادية لعدد من المطلوبين بقضايا الفساد جرى القبض عليهم في أربيل (ومنهم النائب زياد الجنابي)، مع مراقبة الإقليم للحملة بحذر لضمان عدم امتداد شرارتها بشكل يمس التوازنات المالية والنفطية المعقدة بين بغداد وأربيل.
- لجنة النزاهة والبرلمان: قدمت لجنة النزاهة النيابية غطاءً تشريعياً وقانونياً كاملاً لتوسيع الحملة، ودعت لإبعاد التحقيقات عن الضغوط السياسية، منوهة بالتنسيق لرفع الحصانة عن المتهمين لتسهيل عمل القضاء.
- الشارع العراقي والحراك المدني: حظيت الحملة بزخم وتأييد شعبي عارم؛ حيث نزل ناشطون في تظاهرات تأييد بساحة التحرير وسط بغداد، معتبرين الإجراءات اختباراً حقيقياً لهيبة الدولة، ومطالبين بألا تنتهي التسويات خلف الكواليس بل أن تمتد لتطال "حيتان الفساد والخط الأول".




