إيران تكسر حظر أجواء صنعاء: ما هي خيارات الرياض والشرعية؟

Image-1783278525.Jpg
إيران تكسر الحظر الجوي على صنعاء ووفد حوثي في طهران (المسيرة)
حجم الخط
مشاركة عبر

كانت الساعة الخامسة فجراً (الجمعة) عندما خرقت طائرة إيرانية الحظر الجوي الذي تفرضه السعودية على اليمن، وحلقت في سماء صنعاء الخاضعة لسيطرة جماعة أنصارالله (جماعة الحوثي)، وهي تقل أكثر من 200 يمني من أتباعها. 

ووفق مصادر خاصة تحدثت لـ"المدن"، قوبل الخرق الإيراني بتحليق مقاتلتين سعوديتين "من طراز F- 16" فوق مطار صنعاء، إلا أنهما تراجعتا إثر تعرضهما لنيران صواريخ أرض- جو أطلقها الحوثيون من مواقعهم في صعدة وعمران وصنعاء.

وأضافت المصادر أنه عقب هبوط الطائرة الإيرانية بسلام وإفراغ ركابها، غادرت عائدة إلى طهران وعلى متنها وفد حوثي كبير للمشاركة في تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي. 

وإثر الواقعة، هددت الجماعة باستهداف المطارات والمصالح الحيوية السعودية في البر والبحر، في حين توعد تحالف دعم الشرعية بالرد "بكل حزم وبقوة غير مسبوقة" على أي محاولات لتهديد أمن المملكة أو انتهاك سيادة اليمن.

 

تباين في تقدير الموقف

وفي سياق متصل، كشف مصدر يشغل منصب سياسي لمجلس القيادة الرئاسي في الحكومة اليمنية، لـ"المدن" عن وجود تباين في تقدير الموقف والتعامل العملي مع التصعيد الأخير لجماعة الحوثي بين الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، وقيادة المملكة العربية السعودية، إذ رفضت الرياض مقترحاً يمنياً للمضي في حسم عسكري فوري، مفضلة سلوك الخيارات الدبلوماسية عبر توجيه احتجاج رسمي إلى طهران قبل اتخاذ أي خطوة تصعيدية في الوقت الحالي.

وأوضح المصدر في تصريحات خاصة لـ "المدن"، أن مجلس القيادة الرئاسي اليمني طلب رسمياً من القيادة السعودية المشرفة على الملف اليمني الضوء الأخضر للمضي في خيار الحسم العسكري مع جماعة الحوثي، مؤكداً جاهزية وقدرة القوات الحكومية على تغيير خريطة السيطرة الميدانية لصالحها، إلا أن الرياض كبحت هذا التوجه مؤقتاً لتجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة تتداخل مع الصراع الإقليمي المعقد.

وقال المصدر الذي طلب عدم نشر هويته لأنه غير مخول بالتصريح، إن الحكومة اليمنية طرحت أيضاً على الجانب السعودي ضرورة إعلان أن السيادة على الأجواء اليمنية هي "خط أحمر" ولا يمكن التهاون فيه، أو الانجرار خلف سياسة الابتزاز الحوثي، وأضاف: "كما طلبت الحكومة اليمنية من الرياض العمل على التصدي المباشر لأي خروقات جوية إيرانية أخرى بعد واقعة هبوط الطائرة الإيرانية قسراً في مطار صنعاء".

بيد أن الرد السعودي جاء ميالاً للتهدئة واحتواء الموقف سياسياً، إذ أبلغت الرياض الجانب اليمني بأنها بصدد "توجيه اعتراض رسمي إلى طهران عبر قنوات التواصل الدبلوماسية القائمة بين البلدين، أو عبر قنوات إقليمية، وذلك كخطوة أولية لتقييم الموقف قبل الإقدام على أي تحركات عملية أو إجراءات تصعيدية على الأرض".

ويأتي تحفظ الرياض وفق المصدر، مدفوعاً بالتداخل المعقد للملف اليمني مع التوترات الإقليمية الأوسع التي تشهدها المنطقة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما يرافقها من تصعيد أمني حساس في البحر الأحمر ومحيطه المائي.

ورغم الكبح السعودي الحالي للمواجهة الشاملة، شدد المصدر نفسه لـ"المدن" على أن خيار الحسم العسكري لا يزال قائماً ومطروحاً على الطاولة، مؤكداً أن "المعركة مع الحوثيين متوقعة ولا بد منها ويجري الترتيب والاستعداد لها بالفعل".

وأضاف المصدر أن "القوات اليمنية التابعة للحكومة الشرعية ستخوض هذه المعركة بشكل حتمي وبإشراف سعودي مباشر"، وذلك لتعديل الكفة ميدانياً، مستدركاً أن المعركة "غير محددة الموعد وتنتظر التوقيت والظرف السياسي الملائم".

 

"إنجاز استراتيجي"

من جهتها وصفت جماعة الحوثي كسر الحظر الجوي المفروض على مطار صنعاء بأنه "إنجاز استراتيجي لا رجعة فيه".

وفي تصريحات حصرية أدلى بها عضو المكتب السياسي في الجماعة محمد البخيتي لـ"المدن"، فإن ما جرى فجر الجمعة من خرق للأجواء ليس مجرد رحلة طيران عابرة، بل هو إثبات بأن الأجواء اليمنية خاضعة للسيادة الوطنية وليست ملكاً لأحد، مثمناً الدعم الإيراني في كسر الحظر الذي وصفه بـ"العدوان"، معتبراً أن الخط الجوي المشترك مع طهران حق طبيعي سيستمر مهما كانت الأثمان.

وأوضح البخيتي أن كسر الحصار الجوي المفروض على العاصمة صنعاء يمثل مرحلة جديدة فرضت فيها الجماعة إرادتها السياسية والعسكرية. 

ووجه رسالة تحذيرية مباشرة إلى الرياض قائلاً: "تهديداتكم لن ترهبنا، واستمرار حظركم الجوي سيقابله استهداف مطاراتكم ومصالحكم الحيوية براً وبحراً كما قلنا سابقاً".

وشدد على أن الجماعة تمتلك القدرة العسكرية والترسانة الصاروخية اللازمة للوصول إلى عمق الأراضي السعودية وتوجيه قصف موجع، مشيراً إلى أن أي محاولة مستقبلية من قِبل سلاح الجو السعودي أو التحالف لاعتراض الطائرات اليمنية أو طائرات الحلفاء ستجابه برد عسكري حاسم.

وفي ما يتعلق بالعلاقات الإقليمية، أشاد البخيتي بالدور الذي تلعبه طهران في إسناد الجماعة، واصفاً الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنها "شريك استراتيجي وسند حقيقي" وقف إلى جانب الشعب اليمني في مواجهة ما أسماه "العدوان السعودي الأميركي".

وأضاف أن فتح خط جوي مباشر وبشكل منتظم بين صنعاء وطهران يعد حقاً سيادياً ومشروعاً، مؤكداً أن الجماعة ستعمل على ضمان استمرارية وتدفق هذه الرحلات الجوية خلال الفترة المقبلة، باعتبار أن الصراع الحالي يخاض كـ"معركة وجود لا معركة مواقف".

كما صعّدت جماعة الحوثي من لهجتها العسكرية والسياسية تجاه المملكة العربية السعودية، حيث جددت وزارة خارجيتها اليوم الأحد في بيان، التهديد باستهداف منشآت شركة أرامكو النفطية، وميناء ينبع، والمشاريع الحيوية المرتبطة برؤية 2030، إلى جانب أسواق المال والبورصة السعودية، محذرة من آثار كارثية ستلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي واستقرار المنطقة في حال حدوث أي تصعيد عسكري.
وأكدت الجماعة مضيها في تشغيل مطار صنعاء الدولي كحق سيادي ومن دون إذن من أحد، معتبرة محاولات الرياض لتقييد حركة الطيران المدني وإعادة العالقين بمثابة استمرار للحصار.
وفي الشق السياسي، نفت الجماعة ادعاءات رفضها لخارطة الطريق المُبرمة برعاية سلطنة عُمان، متهمة الجانب السعودي بالتنصل والمماطلة في التوقيع عليها استغلالاً للتطورات الإقليمية في البحر الأحمر ومعركة "طوفان الأقصى"، كما وجّهت اتهامات للرياض بالعمل كأداة لخدمة المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، داعيةً القيادة السعودية إلى استيعاب دروس عقد من الحرب وسلوك خيار السلام لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة.

 

انهيار التهدئة الضمنية وتكريس سلطة الأمر الواقع

وفي قراءة لهذه التطورات، قال المحلل السياسي والخبير في الملف اليمني عبد الستار الشميري، لـ"المدن"، إن هذا الخرق للأجواء يضع الرياض وباقي الأطراف اليمينة المحلية أمام مفترق طرق خطير، فإما القبول بالتحول الاستراتيجي الجديد وما يتبعه من تدفق للدعم العسكري الإيراني، أو المخاطرة بالعودة إلى مربع المواجهات العسكرية المباشرة التي توقفت ضمنياً منذ نحو أربع سنوات نتيجة إنهاك جميع الأطراف.

وأوضح الشميري أن الأعوام الأربعة الماضية شهدت نوعاً من التطبيع في المواقف السياسية بين مختلف الأطراف، شمل تطبيعاً للجغرافيا وللمواجهات العسكرية في إطار هدنة ضمنية استندت إلى تفاهمات وحوارات غير معلنة، وقضت بأن يسيطر كل طرف الحكومة المعترف بها دولياً والسعودية من جهة، وجماعة الحوثي من جهة مقابلة، على المناطق التي تقع تحت يده.

إلا أن هذا المتغير الأخير، بحسب الشميري، جاء ليثبت جماعة الحوثي كسلطة أمر واقع قادرة على المبادرة، حيث سبقت هذه الخطوة عدة مؤشرات تمثلت في إعلان الجماعة التعبئة قبل نحو شهر، وتوجيه تهديدات واستفزازات متكررة للمملكة العربية السعودية، وصولاً إلى الخطوة الأهم وهي إعادة فتح مطار صنعاء بالقوة وكسر الحظر والحصار الذي تفرضه السعودية على الأجواء والمنافذ  البحرية.

 

الجسر الجوي مع طهران واختبار السيادة

وتكمن خطورة التحرك الحوثي الأخير وفق الشميري، في أن الجماعة بهذه الخطوة الأخيرة تمكنت من فتح منفذ جوي مباشر مع طهران، بما يضمن لها تدفق الدعم العسكري والتقني الإيراني من دون عوائق.

ويضع هذا الإجراء المملكة العربية السعودية في اختبار حقيقي لقياس مدى قدرتها على تقبل الجماعة وتصرفاتها الأخيرة وتوسعها الملحوظ، فضلاً عن اختبار مدى قبول الرياض بأن تصبح أجواء صنعاء مفتوحة تماماً أمام النفوذ الإيراني.

ورأى الشميري، أن الأهمية القصوى للمشهد تتركز الآن في طبيعة الرد، فإذا اقتصر التواصل الجوي بين طهران وصنعاء على هذه الرحلة اليتيمة فقط، وبادرت الحكومة المعترف بها دولياً، والمملكة العربية السعودية إلى إعلان أن خرق السيادة الجوية أمر لا يمكن التساهل معه، ولا يمكن السماح بتكراره، وتوعدتا بإسقاط أي طائرة تكسر الحظر الجوي المفروض على صنعاء، فإن الأمور ستتجه حتماً نحو تصعيد عسكري وتوترات حادة.

وأضاف: "أما إذا تجاهلت الحكومة الشرعية والجانب السعودي التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلت بكسر الجماعة للسيادة الجوية وسحب السيطرة عليها من يد التحالف، فإن ذلك يعني تحقيق تحول استراتيجي كامل لصالح الحوثيين في الصراع اليمني".

وحذر الشميري من أن القبول بهذا الواقع الجديد قد يتبعه قيام جماعة الحوثي بالتوسع في الخارطة العسكرية الميدانية على الأرض، والتحرك عسكرياً للسيطرة على منابع النفط الحيوية في البلاد.

واختتم الشميري تصريحاته بالتأكيد على أن مجمل المشهد اليمني بات مرهوناً بحجم الرد وبالموقف العسكري الذي ستعلنه السعودية والحكومة الشرعية في الأيام المقبلة، وإلى أن يتضح ذلك، يظل الوضع العام في البلاد يكتنفه قدر كبير من الغموض وغير مفهوم بشكل دقيق.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث