دخل الإيرانيون والأميركيون عملية تفاوضية شائكة ومعقدة. فبينما تحاول إيران قطف ثمار صمودها في الحرب عبر تحويل مضيق هرمز إلى سلاح جديد بديل عن برنامجها النووي، الذي ابتزت به المنطقة والعالم على مدار عشرين عاماً، يراهن ترامب على المفاوضات وسيلة لترويض إيران وإنهاء برنامجها النووي، الذي أعطبته الضربات الأميركية والإسرائيلية.
وقد حقق الإيرانيون نجاحاً هاماً في تأجيل مناقشة برنامجهم النووي، إلى ما بعد الوقف الكامل للأعمال القتالية، إلا أن واشنطن ربطت الرفع الشامل للعقوبات بالتقدم المحقق في هذا الميدان.
أما بالنسبة لما تبقى من برنامج إيران للصواريخ الباليستية، فقد يكون مرتبطاً بأحد ألاعيب التفاوض؛ فلقد وافقت واشنطن على عدم إيراده في مذكرة التفاهم، ليتضح فيما بعد أن طهران قبلت بمقترح الوسيط الباكستاني مناقشة ملف صواريخها مع نظيراتها من العواصم الإقليمية. وعندما كان من المفترض أن يبدأ الحوار حول الصواريخ الباليستية بين إيران، من جهة، وبين مجموعة القوى الإقليمية التي تضم (السعودية، تركيا، مصر وباكستان)، من جهة أخرى، بالتزامن مع انعقاد المفاوضات الأميركية-الإيرانية في منتجع بورغنتشوك السويسري، طيّر الإيرانيون الاجتماع. ودفعاً للحرج عقد وزراء خارجية تلك المجموعة اجتماعهم في القاهرة، وخرج نائب رئيس الوزراء الباكستاني وزير الخارجية محمد إسحاق دار، ليصبّ جم غضبه على خداع المسؤولين الإيرانيين لبلاده، كاشفاً لأول مرة عن وجود بند سري في مذكرة التفاهم ينص على التفاوض حول صواريخ إيران البالستية مع القوى الإقليمية. يفسر هذا البند تصريح ترامب الموارب، حول حق إيران بامتلاك الصواريخ الباليستية طالما امتلكتها القوى الإقليمية الأخرى.
إلا أن ما كشفه الوزير الباكستاني، لم يكن ليمر مرور الكرام في طهران، والتي هدد مسؤولو الحرس الثوري فيها بالإقلاع عن الوساطة الباكستانية، ملوحين لإسلام آباد بورقة الوساطة القطرية، في مسعى للتلاعب بالمفاوضات، بشكل لم يسبقهم إليه أحد في الدبلوماسية المعاصرة. فلأول مرة، يلوح طرف مفاوض لوسيط بوسيط آخر، ويعمل على ضرب الوسطاء بعضهم ببعض!
بتعطيلهم المسار الإقليمي لمذكرة التفاهم، لم يزدرِ المسؤولون الإيرانيون، الذين يعتبرون أنفسهم من دهاقنة التفاوض، الوساطة الباكستانية، فحسب، بل سعوا للالتفاف على الباكستانيين، كما سبق والتفوا على الأتراك في شباط/ فبراير الماضي قبيل الحرب على بلادهم عبر الوسيط العماني في حينه، وغايتهم التوصل إلى تفاهمات مع إدارة ترامب، يمكنهم فرضها على العواصم الإقليمية، وهو ما أدمنوا فعله منذ أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001. في الحقيقة لم يحرص الإيرانيون على ماء وجه الباكستانيين أمام الدول الإقليمية التي سهّلت جهودهم للتوصل إلى مذكرة التفاهم.
وعلى الرغم من أن الرئيس الإيراني مسعود بزشيكان سعى إلى احتواء غضب إسلام آباد خلال استقباله رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، إلا أن مساعيه لم تصب نجاحاً، لأن ثقة الباكستانيين به أو بالمفاوضين الإيرانيين الأخرين كرئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف أو وزير الخارجية عباس عراقجي، قد تراجعت إلى أدنى مستوى. ولذلك، أراد شريف عقد لقاء مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، ليحصل منه على كلمة نهائية تلزم المسؤولين الإيرانيين بكامل عناصر الوساطة الباكستانية التي كان هو نفسه من طالب بها، وينهي ألعوبة أخرى من ألاعيب المفاوضين الإيرانيين القائمة على التذرع بتعدد مراكز القوى في بلادهم واختلاف توجهاتها ما بين المعتدلين والمتشددين.
أما واشنطن، التي لم تكن تهتم إلا بإعادة فتح مضيق هرمز، وتهدئة أسواق النفط العالمية، فلم تمانع أن تسجل في مذكرة التفاهم ما يريح المفاوض الإيراني اللحوح، وبالتالي، وافقت على ترحيل مطالب طهران في السيطرة على مضيق هرمز وفرض أتاوة على السفن المارة فيه، إلى "حوار" مع سلطنة عُمان لتحديد "الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية" في مضيق هرمز، و"بالتشاور" مع دول الخليج والعراق لكن ضمن إطار "القانون الدولي المعمول به" و"الحقوق السيادية للدول الساحلية المطلة على المضيق".
ومن الواضح أن العبارات الفضفاضة الواردة في هذا البند، ستخضع إلى مفاوضات شاقة ومتشعبة لصياغتها بدقة. فمن هي الدول الساحلية المطلة على المضيق؟ وما المقصود بحقوقها السيادية؟ وأخيراً، ما هو "القانون الدولي المعمول به"، الذي سيتم تطبيقه على المضيق؟ وبإعادة فتح مضيق هرمز، سواء عبر الممر الإيراني أم العُماني، وتدفق النفط من الخليج وانخفاض أسعاره وتحرير السفن العالقة في المضيق من أسر الحرس الثوري الإيراني، في الوقت الذي يبقى فيه السيف مسلطاً على حلفاء طهران في العراق ولبنان، سيجد المفاوضون الإيرانيون أنفسهم مجردين من أي روافع للضغط بينما ضعفت أوراقهم، التي هم بأمس الحاجة إليها، كي يستبدلوا عبارات أكثر انسجاماً مع مصالحهم، بتلك العبارات الفضفاضة، أثناء صياغة الاتفاق النهائي. وعلى ما يبدو، لم تكن إدارة ترامب حسنة النية عند صياغتها لتلك العبارات، إذ في الوقت الذي كانت تتفاوض فيه مع الإيرانيين بشأن مذكرة التفاهم، كانت ترتب من وراء الكواليس مع مسقط، إنشاء ممر بحري منفصل في مضيق هرمز، تحت رعاية الأمم المتحدة. ولم يكد حبر مذكرة التفاهم يجف، حتى كان وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو يجول على عدد من العواصم الخليجية، حاضاً نظرائه الخليجيين على عدم التجاوب مع "الأوهام الإيرانية".
بدروه، تحمّل لبنان نصيبه من ألاعيب التفاوض وتحايل المفاوضين؛ وافق الأميركيون على مطلب نظرائهم الإيرانيين إدراجه في البند الأول من مذكرة التفاهم، والذي نصّ على إنهاء "العمليات العسكرية" بشكل "فوري ودائم"، من دون أن يصل إلى حد فرض وقف لإطلاق النار. أما إنهاء الحرب في لبنان فقد ربطها الأميركيون بالتوصل إلى اتفاق نهائي حول العديد من القضايا المعقدة كالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأميركية وحرية الملاحة في مضيق هرمز، يتم التفاوض عليه خلال مدة 60 يوماً قابلة للتمديد، من دون تحديد سقف واضح. عنى ذلك أن جنود الاحتلال الإسرائيلي سيحتفظون بمواقعهم، على الأقل، حتى توقيع الاتفاق النهائي بين الجانبين الإيراني والأميركي. وقد أضاف الأميركيون فقرة لتأمين حياة أولئك الجنود خلال مهلة الستين يوماً، نصت على تعهد متبادل من إيران والولايات المتحدة وحلفائهما بـِ "عدم الشروع في أي حرب أو عملية عسكرية ضد بعضهما البعض.. وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته". ومن المشكوك به أن يكون الإيرانيون، الذين أسكرتهم مهاراتهم التفاوضية وانتشوا من انتصاراتهم العسكرية، قد غفلوا عن معاني أن "يضمنوا" مع الولايات المتحدة "سيادة لبنان ووحدة أراضيه"، خاصة أن اندحار نفوذ بلادهم عن سوريا، لن يمكنهم من الاستفادة من هذه الفقرة التي "قاتلوا" لأجلها. وعلى الأرجح، أن المفاوضين الإيرانيين لم يدُر في خلدهم أثناء التفاوض على مذكرة التفاهم، سوى إقناع واشنطن بالموافقة على إحياء نفوذهم في بلاد الأرز، ولو كان من خلال الموافقة على تقاسمه مداورةً مع تل أبيب ومنح إسرائيل هدنة طويلة الأمد، من أجل التفرغ لمعاركهم في العواصم الأربع (بغداد، دمشق، بيروت وصنعاء).
وحتى الإيماءة الفارغة التي حصل عليها المفاوض الإيراني، خلال مفاوضات منتجع بورغنشتوك السويسري، والمتمثلة في موافقة واشنطن على إنشاء "خلية تنسيق لفض الاشتباك"، تجمع إيران والولايات المتحدة ولبنان، تحت إشراف الوسيطين الباكستاني والقطري، فلن تتجاوز مهام تلك الخلية "ضمان الالتزام بوقف العمليات العسكرية في لبنان". لقد انتزعت هذه الخلية من طهران، عملياً، ورقة التهديد العسكري بضرب إسرائيل إذا ما انتهكت مذكرة التفاهم، مقابل أن تصبح مراقب مهمته تسجيل الخروقات الإسرائيلية لوقف الأعمال القتالية.
واللافت للنظر أن المفاوضين الإيرانيين، امتنعوا عن تقديم الدعم للوفد اللبناني في واشنطن، بل هم اختاروا عن وعي وسابق إصرار وتصميم منافسته ومسابقته مظهرين ازدراء لا يغتفر للسلطات اللبنانية، وقد توهموا أن بمقدورهم جعل لبنان ورقة في ترسانتهم التفاوضية، تسمح لهم باستعادة دورهم الإقليمي المفقود. وعوض أن تؤدي هذه الاستراتيجية إلى تحقيق ما ينشده الإيرانيون، فقد خدمت الأميركيين والإسرائيليين ومكنتهم من ممارسة لعبتهم المفضلة في ضرب المسارات بعضها ببعض، من أجل تحصيل المزيد من التنازلات، ليس فقط من بيروت، بل أيضاً من طهران. قاد الضلال وسوء الحسابات، المفاوضون الإيرانيون، إلى انتكاسة لم تكن لتخطر في بالهم، إذ توصل الوفدين اللبناني والإسرائيلي إلى إعلان نوايا مشترك موجه بصورة مباشرة ضد المحاولات الإيرانية لاستلحاق لبنان، ولتفريغ "البنود اللبنانية" في مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية من أي مضمون. ولم تكن الوساطة الأميركية بين الجانبين، إلا لتزيد من مرارة الانتكاسة وذهول المفاوض الإيراني المشهود له ببراعة حائك السجاد.
أخطأ الأميركيون عندما شنوا حربهم على إيران من دون تخطيط كافٍ، أما الإيرانيون فقد وقعوا في خطأ السعي لعقد صفقة كبرى مع واشنطن لا تتناسب أبداً مع نتائج الحرب، ولا يضمنها ما تبقى لدى بلادهم من قوة، ولا تسندها موازين قوى فعلية سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي، مراهنين على "دهاء" مفاوضيهم وقدراتهم الفذة. لكن بينما يمكن لواشنطن أن تتعافى من خطئها، الذي لطالما ارتكبت ما هو أسوأ منه، فإن من الصعب على المسؤولين الإيرانيين التداوي من داء توطّن فيما بينهم، إلا وهو إدمان التفاوض، ولو كان المفاوض الذي يواجهونه، قد درس أساليبهم، وغدا أقدر على مداعبة أوهامهم دون أن يمكنهم من نيل مبتغاهم.




