نيويورك تايمز: مقتل خامنئي شقّ التيار المحافظ في إيران

المدن - عرب وعالمالسبت 2026/07/04
إيران (Getty)
غياب مجتبى خامنئي يفاقم الانقسامات داخل النظام الإيراني (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كشفت صحيفة "نيويورك تايمز"، في تقرير استند إلى مقابلات مع مسؤولين إيرانيين كبار وعناصر في الحرس الثوري ومشاركين في تنظيم مراسم التشييع، عن تصاعد الانقسامات داخل المؤسسة الحاكمة في إيران بعد مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، في وقت تحولت فيه مراسم التشييع إلى ساحة لإظهار وحدة النظام، لكنها عكست في الوقت ذاته صراعاً محتدماً على مستقبل السلطة واتجاه العلاقات مع الولايات المتحدة.

وقالت الصحيفة إن مراسم التشييع التي بدأت أمس الجمعة، واستمرت أسبوعاً، صُممت لتكون رسالة تؤكد تماسك النظام الإيراني بعد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث شارك كبار المسؤولين الذين غابوا عن الظهور المشترك منذ اندلاع الحرب، ومن بينهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية، إلى جانب كبار قادة الحرس الثوري.

 

غياب مجتبى خامنئي يثير التساؤلات

وعلى الرغم من أن مراسم التشييع سعت إلى تقديمها بوصفها وداعاً للمرشد السابق وإعلاناً للولاء لخلفه، فإن الغائب الأبرز كان المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ تعيينه في آذار/مارس الماضي.

وأضافت الصحيفة أن غيابه أثار تساؤلات داخل الأوساط السياسية الإيرانية بشأن من يدير البلاد فعلياً، لا سيما أنه لم يظهر أيضاً في مراسم تأبين زوجته التي قُتلت مع ابنه المراهق وعدد من أفراد العائلة في اليوم الأول للحرب إثر قصف أميركي وإسرائيلي استهدف مجمع العائلة.

ونقلت "نيويورك تايمز" عن عنصرين في الحرس الثوري وشخص مشارك في تنظيم الجنازة، أن مجتبى خامنئي أبلغ المسؤولين برغبته في حضور مراسم الدفن المقررة في التاسع من تموز/يوليو بمدينة مشهد، والصلاة على جثمان والده، إلا أن الأجهزة الأمنية رفضت حتى الآن ذلك بسبب مخاوف من احتمال محاولة إسرائيل اغتياله أو تعقب مكان اختبائه.

وأضافت المصادر أن المرشد الجديد اكتفى، منذ توليه المنصب، ببيان مكتوب قال فيه إنه شاهد جثمان والده، من دون أي ظهور علني أو تسجيل صوتي، رغم مطالب أنصار التيار المتشدد الذين رددوا في تجمعات ليلية أنهم لن يتراجعوا عن مواقفهم إلا إذا ظهر بنفسه أو سجل رسالة صوتية.

 

خلافات حادة بشأن التفاوض مع واشنطن

وبحسب الصحيفة، سبقت مراسم التشييع أسابيع من الخلافات الحادة بين كبار المسؤولين الإيرانيين حول المفاوضات مع الولايات المتحدة، حيث تبادل سياسيون ومسؤولون اتهامات بالخيانة والتآمر والانقلاب والتلاعب بالمرشد الجديد.

وأشارت إلى أن المنظّر المحافظ المتشدد حسن رحيم بور أزغدي أعلن خلال تجمع في طهران رفضه أي حديث عن السلام مع الولايات المتحدة، قائلاً إن الرد يجب أن يكون بالانتقام، لا بالتفاوض. وأضافت أن محاولة مجتبى خامنئي احتواء الخلاف عبر إصدار بيان مكتوب لم تؤدِّ إلى تهدئة الأوضاع، بل زادت من حدة الجدل داخل المعسكر المحافظ.

ورأت "نيويورك تايمز" أن الانقسامات الحالية تختلف عن الصراعات التقليدية بين المحافظين والإصلاحيين، إذ تدور هذه المرة داخل التيار المحافظ نفسه، بعد غياب الشخصية التي كانت تحتكر القرار النهائي في الدولة.

وأوضحت الصحيفة أن المعسكر الأول، الذي يصف نفسه بالبراغماتي، يضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وعدداً من كبار قادة الحرس الثوري، إضافة إلى رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، ويرى أن بقاء النظام يتطلب إنهاء المواجهة مع الولايات المتحدة وإنعاش الاقتصاد.

في المقابل، يرفض التيار المحافظ المتشدد أي تنازل لواشنطن، سواء في الملف النووي أو غيره، ويعتقد أن إيران قادرة على مواصلة الحرب وتحقيق مكاسب عبر استمرار المواجهة.

ونقلت الصحيفة عن أربعة مسؤولين إيرانيين كبار وعنصرين في الحرس الثوري، إن الصراع الحقيقي يدور خلف الكواليس حول كسب ولاء المرشد الجديد والسيطرة على مستقبل النظام، مشيرة إلى أن الجناح البراغماتي تمكن حتى الآن من فرض توجهاته، عبر قبول وقف إطلاق النار، وإجراء مفاوضات مباشرة مع نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، والتوصل إلى اتفاق مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

 

هجوم على فريق التفاوض

وأفادت "نيويورك تايمز" بأن التلفزيون الرسمي الإيراني لعب خلال الأشهر الماضية دوراً في تصعيد الهجوم على فريق التفاوض، في حين شهدت التجمعات الليلية في طهران دعوات لمحاكمة المفاوضين وحتى إعدامهم.

وأضافت أن وزير الخارجية عباس عراقجي تعرض لهتافات معادية خلال زيارته أحد المزارات الشيعية في العراق أثناء مشاركته في ترتيبات الجنازة، حيث ردد بعض الحجاج الإيرانيين شعارات ضد من وصفوهم بـ"أنصار الاسترضاء". كما نقلت الصحيفة عن المحلل المحافظ المتشدد فؤاد إيزدي وصفه الحكومة وفريق قاليباف عبر التلفزيون الرسمي، بأنهم "سذج ولا يملكون عقولاً" وأنهم "واهمون".

وقالت الصحيفة إن المسؤولين الإيرانيين يعتبرون أن رفض المتشددين للمفاوضات لا يرتبط فقط بالبرنامج النووي، بل يعود إلى إدراكهم أن المحادثات الحالية تتجاوز اتفاق عام 2015، وقد تفتح الباب أمام تسوية شاملة مع الولايات المتحدة بعد 47 عاماً من العداء.

ونقلت عن المحلل المقرب من الحكومة مهدي رحمتي، قوله إن الهدف هو "صفقة كبرى" تزيل خطر الحرب وتتيح لإيران تحقيق ازدهار اقتصادي، مؤكداً أن المواطنين يريدون ببساطة أن يعيشوا حياة طبيعية.

وأضافت أن الرئيس بزشكيان أكد في تصريحات أخيرة أن المرشد الجديد وافق على خيار التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع الولايات المتحدة، وأنه لن يخضع لرغبات أقلية تعارض هذا المسار.

 

صعوبة إعلان نجاح المفاوضات

ورغم ذلك، أوضحت "نيويورك تايمز" أن الحكومة الإيرانية لا تزال تواجه صعوبة في إعلان نجاح نهائي للمفاوضات، بسبب تعثر بعض الجولات، وتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالعودة إلى الحرب، إضافة إلى استمرار هجمات متبادلة بين الجانبين، وهو ما يمنح المتشددين فرصة للتشكيك في جدوى الحوار مع واشنطن.

وأشارت الصحيفة إلى أن بعض نواب التيار المحافظ ذهبوا إلى حد الحديث عن "انقلاب" داخل مؤسسات الدولة، إذ تساءل النائب محمود نبويان عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عما إذا كان انقلاب يجري داخل النظام، بينما اتهم النائب كامران غضنفري الحكومة بمحاولة تعطيل البرلمان ومنع النواب من التصدي لما وصفه بـ"الانقلاب شبه الكامل" ضد المرشد.

ووفق الصحيفة، عزز الحرس الثوري نفوذه بشكل كبير منذ اندلاع الحرب، وأصبح يدير جانباً واسعاً من شؤون البلاد، في مؤشر على انتقال عملية صنع القرار من سلطة فردية مطلقة في عهد علي خامنئي إلى آلية أكثر جماعية في عهد نجله.

وفي هذا السياق، لفتت إلى أن نائب الرئيس للشؤون التنفيذية محمد جعفر قائم بناه صرح أخيراً، بأن رأي المرشد الجديد لا يمثل الكلمة النهائية، بل ينبغي مناقشته إلى جانب آراء بقية المؤسسات، معتبراً أن وجود البرلمان والمجلس الأعلى للأمن القومي يفقد معناه إذا كان المطلوب فقط تنفيذ رأي المرشد، وهي تصريحات قالت الصحيفة إنها كانت مستحيلة في عهد علي خامنئي.

 

أزمة اقتصادية دفعت نحو الاتفاق

وكشفت "نيويورك تايمز" أن المرشد الجديد تردد في البداية في الموافقة على اتفاق وقف إطلاق النار، قبل أن يزوره الرئيس بزشكيان ويبلغه بأن الوضع الاقتصادي أصبح بالغ الخطورة، وأن الحصار البحري الأميركي يشلّ البلاد، وأنه سيستقيل إذا رفض الاتفاق.

ونقلت الصحيفة عن أربعة مسؤولين مطلعين، أن محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي بعث أيضاً رسالة إلى المرشد حذر فيها من أزمة مالية حادة، وأن البلاد قد تنفد من الإمدادات الغذائية والطبية الأساسية بحلول نهاية آب/أغسطس إذا استمر الحصار البحري، موضحاً أن إيران لم تعد قادرة على بيع النفط أو إيجاد طرق تجارية بديلة بالحجم المطلوب.

وبحسب التقرير، لعبت هذه الرسائل دوراً حاسماً في موافقة المرشد الجديد على الاتفاق، بعدما أعلن في بيان مقتضب أنه يعارضه "من حيث المبدأ"، لكنه سمح للحكومة بالمضي فيه إذا حصل على موافقة المجلس الأعلى للأمن القومي، وهو ما تحقق بتصويت 12 عضواً مقابل عضو واحد، وفق ما أعلنه الرئيس بزشكيان.

 

تعيينات مرتقبة 

واختتمت "نيويورك تايمز" تقريرها بالإشارة إلى أن مجتبى خامنئي سيواجه بعد انتهاء مراسم التشييع سلسلة قرارات مفصلية، تشمل تعيين رئيس جديد للسلطة القضائية، ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، وقائد قوات الباسيج، ومدير مكتبه، معتبرة أن هذه التعيينات ستكون مؤشراً واضحاً على الجناح الذي سيختار دعمه داخل النظام.

ونقلت الصحيفة عن أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة جونز هوبكنز ولي نصر، قوله إن إيران تشهد "صراعاً حقيقياً ومحتدماً على مستقبل البلاد"، مضيفاً أن انتصار التيار البراغماتي سيدفع المتشددين إلى هامش المشهد السياسي، وهو ما يفسر شراسة المواجهة الدائرة حالياً داخل مؤسسات الحكم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث