"خامنئي" الزعيم الذي شكّل حكمه هوية النظام الإيراني

المدن - عرب وعالمالسبت 2026/07/04
علي خامنئي
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

قُتل المرشد الأعلى لإيران آية الله علي خامنئي، الذي حكم بلاده بقبضة حديدية كقائد أعلى لها لما يقرب من أربعة عقود، وخاض معارك وضغوطاً ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما كان يدفع ببرنامج نووي مثير للجدل في الداخل، وهو تطور يضع بلده والمنطقة في مصير مجهول.

وأكدت العديد من وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية وفاة خامنئي صباح الأحد، بعد ساعات من إعلان مسؤولين عسكريين أميركيين وإسرائيليين مقتله في ضرباتهم المشتركة التي استهدفت نظامه فجر الـ28 من شباط/فبراير الماضي. 

وذكرت شبكة "سي إن إن" في تقرير موسع أن خامنئي الذي يعد أحد أقوى رجال الشرق الأوسط وشكل حكمه الهوية الوطنية للنظام الإيراني، هيمن على إيران خلال عهد اتسم بالمقاومة، وكان صامداً في وجه عقود من الضغوط الغربية والإسرائيلية الرامية إلى إخضاع الجمهورية الإسلامية لإرادتها.

وتحت قيادته، وسّعت إيران نفوذها إلى ما وراء حدودها، مكتسبةً سمعةً كقوة إقليمية هائلة لا يُستهان بها، لكن وفاته تأتي في وقت يمكن القول فيه إن إيران في أضعف حالاتها منذ توليه السلطة عام 1989. 

إذ تركت عقود من العقوبات الغربية البلاد معزولة ومنهكة اقتصادياً قبل أن توجه الضربات الأميركية والإسرائيلية ضربة قاسية لحكمه.

 

"محور المقاومة"

 يزعم أنصار خامنئي أنه تم دفعه إلى المواجهة بسبب انتهاجه سياسة خارجية تحدت الولايات المتحدة وإسرائيل، وأنّ اغتياله كان الثمن النهائي الذي دفعه مقابل هذا الموقف الصلب. 

وفي ظل قيادته، طورت إيران برنامجاً نووياً مثيراً للجدل أصبح بمثابة خط الصدع الحاسم بين الجمهورية الإسلامية والغرب، والذي استخدمه كورقة مساومة لكسب النفوذ على الخصوم، مديراً شؤون أمة يبلغ تعداد سكانها 90 مليون نسمة وتتمتع بحضارة عريقة عمرها 2500 عام، ومحافظاً على قبضته الحديدية طوال فترة حكمه. 

ورغم محاصرتها بالأعداء، تمكن لفترة طويلة من صدّهم، فبعد أن أصبح أعلى سلطة سياسية ودينية في البلاد عقب وفاة المرشد الأعلى السابق آية الله روح الله الخميني، في أعقاب الحرب الإيرانية العراقية، تجنبت إيران الهجمات المباشرة الكبيرة من خصومها لأكثر من ثلاثة عقود، حتى مع سقوط خصوم إقليميين آخرين لواشنطن وتل أبيب تباعاً.

وقد رسّخ النظام وجوده بتشكيل "محور المقاومة"، وهي شبكة من الجماعات المسلحة الحليفة المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة، مما مكّن طهران من بسط نفوذها على حدود أعدائها مباشرةً. 

لكن كل ذلك، إلى جانب هالة الخوف والترهيب التي حرص خامنئي على ترسيخها، بدأ بالتلاشي فوراً في سنواته الأخيرة، إذ حطمت سلسلة الأحداث العسكرية العنيفة التي أعقبت هجمات حركة حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، صورة إيران كقوة إقليمية منيعة، وبدأ المحور بالانهيار نسبياً بعد وقت قصير من تلك الهجمات، حيث شنت إسرائيل حرباً مدمرة على حماس في قطاع غزة، ثم وجهت أنظارها نحو حزب الله في لبنان، الذي يعدّ أهم وكلاء طهران، وفي وقت لاحق، توغلت القوات الإسرائيلية داخلاً في الأراضي السورية عقب سقوط الرئيس السوري بشار الأسد.

وعقب هذه السلسلة من العمليات العسكرية الميدانية، تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ"إتمام المهمة"، وبلغت هذه الخطوة ذروتها بضربة جريئة وغير مسبوقة على إيران نفسها في حزيران/ يونيو 2025، ظاهرياً لتفكيك برنامجها النووي وقدرتها على الدفاع عن نفسها. 

وقد استدعت الضربات الإسرائيلية تدخل الولايات المتحدة في نهاية المطاف، والتي ضربت ثلاثة مواقع نووية إيرانية حيوية في الأيام الأخيرة من الحرب، حيث أعلن الرئيس دونالد ترامب حينها أن هذه المنشآت قد "دُمّرت" تماماً. 

وبعد ستة أشهر من حرب الأيام الاثني عشر، فقدت إيران معظم أوراقها التفاوضية مع إسرائيل والغرب، ومع قلة الخيارات المتبقية، عادت الحكومة الإيرانية على مضض إلى إجراء المحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها رفضت التنازل عن مطلبها بمواصلة تخصيب اليورانيوم، وهو الوقود المخصص لمحطات الطاقة النووية ويمكن استخدامه أيضاً لصنع قنبلة. 

ورغم إبداء المسؤولين الإيرانيين والوسيط العُماني تفاؤلاً كبيراً بشأن التوصل إلى اتفاق دبلوماسي بعد الجولة الأخيرة من المحادثات، حيث صرح وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي بأنّ الاتفاق بات "في المتناول"، إلا أنه بحلول 28 شباط، باغتت القوات الأميركية والإسرائيلية طهران بشنّ هذا الهجوم المفاجئ. 

وسيبقى خامنئي في نظر مؤيديه الزعيم الثابت الشجاع الذي تجاوز السياسة وألهم الولاء، أما في نظر منتقديه الإيرانيين والأجانب، فكان طاغية مخيفاً مصمماً على سحق معارضيه مع الحفاظ على عزلة بلاده، ليرحل ثاني زعيم للجمهورية الإسلامية، والأطول خدمةً بلا منازع، بعد أن شكّل حكمه الهوية الوطنية للنظام وبات من المرجح أن يُحدث موته تحولاً جذرياً فيه، بحسب تقرير "سي إن إن".

 

حارس الثورة 

وُلد خامنئي عام 1939 في مدينة مشهد، التي تعد أقدس مدن إيران، وأصبح رجل دين شيعياً في سن مبكرة، وكان ناشطاً بارزاً قبل الثورة الإسلامية عام 1979، حيث ساهم في تنظيم الاحتجاجات الشعبية ضد شاه إيران محمد رضا بهلوي، وقضى فترة في السجن بسبب نشاطه السياسي. 

كما كان هدفاً مباشراً لمعارضي النظام الإسلامي الجديد، ونجا من محاولة اغتيال عنيفة في عام 1981 تركت ذراعه اليمنى بلا فائدة. 

وبعد فترة وجيزة من نجاته، تم انتخابه رئيساً للجمهورية على أساس برنامج سياسي معادٍ بشدة للغرب وأيديولوجيته الليبرالية، خصوصاً للولايات المتحدة، مهدداً بخوض معركة شرسة في حالة نشوب حرب، حيث صرح قائلاً: "لسنا بأي حال من الأحوال مستعدين لبدء حرب شاملة مع الولايات المتحدة، ولكن إذا حدث ذلك، فسنقوم حتماً بدفاع قوي للغاية".

وكان خامنئي أحد المقربين من الخميني، الذي قاد النضال للإطاحة بالشاه وأسس الجمهورية الإسلامية، وعندما توفي الخميني عام 1989، أصبح خامنئي خليفته في منصب المرشد الأعلى.

وعلى الرغم من افتقاره في البداية إلى المكانة الدينية العالية التي كان يتمتع بها سلفه، أثبت أنه يتمتع بدهاء سياسي هائل، وبمرور الوقت، عزّز سيطرته المطلقة على القوات المسلحة الإيرانية، وأجهزة المخابرات، والقضاء، ووسائل الإعلام الحكومية لضمان عدم اتخاذ أي قرار هام أو إستراتيجي في البلاد دون موافقته الشخصية الصريحة.

 

مسار البرنامج النووي 

تقدم خامنئي المطرد في البرنامج النووي الإيراني هو الشرارة الإستراتيجية التي أدت في النهاية إلى هذه الهجمات العسكرية التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، ورغم إعلانه مراراً وتكراراً أنّ البرنامج مخصص لأغراض سلمية بحتة، وإصداره فتوى دينية تعلن أنّ الأسلحة النووية محرمة في الإسلام، إلا أنه دعم بثبات تطوير الطاقة النووية كمسألة سيادة وطنية ونفوذ استراتيجي. 

وبحلول الوقت الذي خلف فيه السياسي الوسطي حسن روحاني الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد في عام 2013، كان الصراع النووي مع الغرب قد تحول إلى أكبر تحدٍّ يواجه السياسة الخارجية الإيرانية. 

وبموافقة وتوجيه من المرشد، تفاوضت إدارة روحاني على الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، مع القوى العالمية، بما فيها الولايات المتحدة، بهدف تحرير الاقتصاد الإيراني من العقوبات الخانقة مقابل فرض قيود على البرنامج، ولا سيما تخصيب اليورانيوم.

لكن خامنئي ظل متشككاً للغاية، وساهم تردده في تبني الاتفاق بشكل كامل في هشاشته البنيوية، وعندما انسحب الرئيس ترامب من الاتفاق من جانب واحد عام 2018، استمرت إيران لفترة في الالتزام به، ولكن بعد عام، أعلنت طهران أنها لن تكون ملزمة بتعهداتها إذا أخلّت الأطراف الأخرى بالالتزامات. 

وانتهز الفرصة لتسريع التخصيب وانغمس أكثر في عقيدة "اقتصاد المقاومة"، مؤكداً على الاكتفاء الذاتي والمواجهة بدلاً من التسوية السياسية. 

ورغم أنّ انتخاب الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان عام 2024، على أساس برنامج يهدف إلى إعادة الانخراط مع العالم وحل الأزمة النووية، قد بثّ الأمل في إنعاش الاقتصاد، واستؤنفت المحادثات مع الولايات المتحدة بعد عام، إلا أنّ آمال الانفراجة تبددت جراء الهجوم الإسرائيلي على إيران في خوض تلك المحادثات، إذ سعت تل أبيب لاستغلال مكاسبها العسكرية المحققة بعد هجمات 7 أكتوبر. 

وبعد ثمانية أشهر، بدأت إيران والولايات المتحدة جولة أخرى من المحادثات غير المباشرة بوساطة عُمانية؛ ورغم تواصل إدارة ترامب الدبلوماسي مع طهران، إلا أنها أطلقت بالتزامن أكبر حشد عسكري أميركي في الشرق الأوسط منذ أكثر من عقدين، مرسلةً إشارات متضاربة على لسان ترامب الذي قال إنّ المحادثات تسير على ما يرام، بينما دعا في الوقت نفسه وبشكل علني إلى تغيير النظام في إيران.

 

أذرع الحرس الثوري 

بينما نفت إيران دائماً أي تورط مباشر أو معرفة مسبقة بهجمات 7 أكتوبر التي شنتها حماس، إلا أنّ الهجوم والأحداث الإقليمية الهائلة التي أثارها كان لها آثار كبرى على ركن أساسي من إرث خامنئي: الاعتماد على الحرس الثوري الإسلامي والجماعات الوكيلة لبسط النفوذ خارج الحدود، ففي عهده، امتد نفوذ طهران إلى العراق عقب الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين في عام 2003، وأصبحت لاعباً رئيسياً في الصراعات الإقليمية بما في ذلك الحرب الأهلية السورية، حيث كانت قوات الحرس الثوري في طليعة العمليات الميدانية. وأصبح الحرس الثوري الإيراني، الذي يتبع مباشرة للمرشد، أقوى مؤسسة عسكرية واقتصادية وسياسية في إيران، ممارساً نفوذاً هائلاً على جماعات مسلحة رئيسية مثل حزب الله اللبناني، وحماس في غزة، والحوثيين في اليمن، والعديد من الفصائل الشيعية في العراق وسوريا.

وفي العقد الثاني من الألفية، ومع تزايد خطر تنظيم "داعش"، ازداد تدخل إيران في الدول العربية المجاورة بحجة حماية المزارات الشيعية ودحر التنظيم، وضاعف خامنئي دعمه المالي والعسكري لوكلائه، وعقب سحق تنظيم داعش على يد تحالف دولي عام 2019، تعزز نفوذ إيران وتحولت سوريا المنهكة إلى قاعدة انطلاق رئيسية للحرس الثوري الإيراني على مشارف إسرائيل. 

 

معارضة الإصلاح 

شهدت إيران خلال حكم خامنئي محاولات متكررة للإصلاح السياسي واجهتها حملات قمع متكررة، إذ سعى المرشد إلى احتواء الحركة الإصلاحية للرئيس محمد خاتمي أواخر التسعينيات، ودعم القمع الوحشي للاحتجاجات شعبية اندلعت وسط مزاعم بتزوير انتخابات عام 2009 لصالح الرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد، مما عزز صورته كزعيم لا يتسامح مع المعارضة ويتردد في التغيير. 

وشكّل انتخاب إبراهيم رئيسي رئيساً في عام 2021 ذروة طموحات خامنئي الأيديولوجية لتأسيس مشهد سياسي تهيمن عليه القوى المحافظة والموالية بالكامل، حيث اعتبر الكثيرون رئيسي الوريث الطبيعي لرؤيته. 

وفي عهده، قمعت قوات الأمن المظاهرات التي اندلعت عقب وفاة الشابة مهسا أميني البالغة من العمر 22 عاماً أثناء احتجازها لدى شرطة الآداب بتهمة انتهاك قوانين الحجاب الإلزامي، وهي الاحتجاجات التي تحولت إلى انتفاضة شعبية عارمة قادتها النساء والشباب، واستخدم خامنئي كامل قوة الدولة لقمعها مما أسفر عن مقتل المئات واعتقال الآلاف دولياً.

ومثّلت الوفاة المفاجئة للرئيس رئيسي إثر حادث تحطم مروحية عام 2024 فرصة أخرى لمعالجة استياء الشعب عبر انتخاب بزشكيان ذي الميول الإصلاحية، لكن أجندته وآماله في الاتفاق النووي انحرفت فجأة بسبب الهجمات الإسرائيلية، وأقرّ الرئيس بمحدودية قدرة حكومته على معالجة المظالم الاقتصادية، وفشله في انتشال البلاد من عزلتها وإحياء الرخاء. 

وفي أواخر كانون الثاني/يناير الماضي، بدأت واشنطن حشداً عسكرياً ضخماً حول إيران بالتزامن مع محادثات مسقط الدبلوماسية التي أظهرت تقدماً ملموساً قبل ساعات من الهجوم، ليكون مقتل خامنئي في 28 شباط بمثابة الحساب الأخير، فقد أمضى عقوداً يحذر من أنّ الانخراط مع الغرب لا طائل منه، وحتى لو انهارت الأسس التي بناها، فقد بُرِّئَت ساحته أخيراً في نظر المتشددين كونه الزعيم الأطول خدمة والذي شكل حكمه الهوية الوطنية للنظام وسيحدث موته تحولاً جذرياً فيه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث