لست ممن يطيقون رؤية عمل درامي أو كوميدي واحد، أكثر من مرة، مهما بلغ من درجات النجاح، لكن في حياتي -رغم ذلك- بعض الأعمال الفنية التي أشاهدها تكراراً دون أدنى شعور بالملل، من بين هذه الأعمال مسرحية سيدتي الجميلة بطولة فؤاد المهندس وشويكار في ذروة نضجهما الفني معاً أواخر ستينيات القرن الماضي.
أروع ما في المسرحية التي نقلها المؤلفان بهجت قمر وسمير خفاجى عن فيلم ماي فير ليدي المأخوذ عن مسرحية بجماليون للكاتب الانجليزي الكبير چورچ برناردشو، هو الكتابة المصرية، أو عملية تمصير النص، وأكثر ما استوقفني في النص، هو كيف استطاعا إختيار اسم (بعض شي) لأحد أبطال العمل الانجليزي وكان إسمه مستر دو ليتل (do little)، لا أعرف من تحت أي سقف لغوي استطاع العبقريان بهجت قمر وسمير خفاجى -أحدهما أو كليهما- استخلاص هذا الإسم (بعضشي) من الإسم الإنجليزي (do little)؟!
اختطفني بعضشي من من زحام الأسئلة وأنا اتابع رحلة مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية، التي استنزفت جهود الوسطاء من باكستان وقطر بصفة خاصة، عدا وساطات واسترحامات أخرى كثيرة، قبل أن يوقع عليها بغتة، الطرفان (الأميركي ترامب والإيراني بزشكيان). لتبدأ رحلة تفعيل نصوص الأربعة عشر بنداً، التي اشتملت عليها مذكرة التفاهم.
احتفى العالم بالولادة القيصرية لمذكرة التفاهم، بينما سعى عرابها دونالد ترامب بدوره لتسويق توقيعها إلكترونياً باعتبارها أعظم مواليد برج ترامب وأكثرها جمالاً وكمالاً.
كانت المذكرة مولوداً مبتسراً، يستحق بجدارة أن يكون (بعضشي) بينما يصر أباء السفاح على تقديمه للعالم المترقب والمنتظر، باعتباره كامل الأوصاف أو بلغة بهجت قمر (كلشي).
كلشي مستحيل
أصعب مهام الدبلوماسية ليست العثور على بعضشي، وإنما إقناع الآخرين لحظة ولادته بأن الحصول على كلشي مستحيل، وأن بعضشي أفضل كثيراً من لاشيء، التي لايقبل بها أحد، ولا يقدر عليها أحد، بعد أن بدا المشهدان الإقليمي والدولي، كأنما الأطراف كلها قد سددت مقدماً فواتير بضاعة لا يعرف فحواها أحد.
كنت أعرف بـِ "قلب الأم" أن هذا المولود المسمى مذكرة تفاهم، إنما يحمل بين سطوره عوامل فنائه، فهو مولود (إبن موت) تجمعت عليه عوامل التفتيت والتفكيك، وها هو ذي يتفجر في أحضان الغافلين الذين أرادوا كل شيء ونسوا أن الدبلوماسية لا تعطي إلا بعضشي.
من وقعوا المذكرة، ظنوا أنها قادرة بذاتها على توليد عوامل التغيير والتطوير في غياب شروط التعايش السلمي مع إيران، فالعلاقة لم تكن، سمناً على عسل في أي وقت بين إيران وجوارها العربي. كانت العلاقة مثقلة طول الوقت بذنوب الجغرافيا، وبحمولات التاريخ، حتى أن الفتح العربي الإسلامي لبلاد فارس، لم يكن كافياً بذاته لا لتغييرها، ولا لتبديلها، وكما يقول بعض أهل الفكر فقد رفض الفرس العروبة وقبلوا الإسلام، بل إن بعض مباحث الفقه تميل الى تفسير تشيع أهل فارس بأنه أحد أبواب التمايز بين عرب الجزيرة، وبين مسلمي فارس.!
عملية تفكيك عوامل الأزمة مع إيران، تبدو بالغة التعقيد، فلا إسرائيل تستطيع التعايش مع المشروع الإيراني، ولا عرب الجوار يطيقون التعايش مع ذات المشروع، بينما يعتقد دونالد ترامب أنه قادر بمفرده على فرض رؤيته الذاتية على أطراف الصراع.
نعم ولكن
لدى بنيامين نتنياهو خطة كاملة، جاهزة لإسقاط مذكرة تفاهم وقعها دونالد ترامب والرئيس الايراني بزشكيان، ولدى عرب الجوار الذين تستهدفهم مسيرات إيران وصواريخها طول الوقت، خطة مماثلة، وللمفارقة، فإن عنوان الخطتين الإسرائيلية والعربية واحد، هو (نعم..ولكن). يوميات الأزمة تشير إلى أن أهم بنود مذكرة التفاهم، وهو وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً، قد سقط، بإشعال مواجهات يومية محدودة وموقوتة بين إيران من جهة وبين الولايات المتحدة وبعض عرب الجوار من جهة أخرى.
تحتاج أميركا إلى الوقت للانتقال من سيناريو (بعضشي) إلى سيناريو (كلشي)، وهذا الوقت يجري استقطاعه من مهلة الستين يوماً التي يجري استنزافها في مواجهات فردية أو محدودة، لا هي بالحرب المفتوحة، ولا هي بالاشتباكات المحدودة. فما يريده ترامب قبل انقضاء مهلة وقف إطلاق النار هو تعزيز فرص حزبه الجمهوري خلال الانتخابات النصفية المقبلة في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر، وما يريده حليفه نتنياهو هو تعزيز فرص كتلته في الفوز بالانتخابات التشريعية في السادس والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.
حالة اللاسلم واللاحرب، تسمح لكلا الرجلين(نتنياهو وترامب) بتحسين فرصهما في النجاة من الملاحقة السياسية لترامب،والملاحقة الجنائية لنتنياهو، ولهذا فقد تتمدد حالة الحرب الراهنة لتضغط على عرب الإقليم حتى يناير المقبل.
أفضل استثمار لعرب الإقليم خلال فترة التربص من هنا حتى مطلع العام الجديد، هو تأهيل العرب للتعاطي مع مستجدات التعايش في إقليم يجتاز طوراً من التحولات الكبرى، وتأهيل إيران للتعايش مع جوار مختلف.
علينا طول الوقت استيعاب قاعدة ذهبية تقول أن مخاصمة الجغرافيا إحدى المحاذير أو المستحيلات. وأن إدارة العلاقة مع الجغرافيا هي واجب الوقت، علينا أن نعرف إذا أردنا امتلاك مقومات التعايش مع الجوار المختلف؟ ماذا ينبغي أن نفعل؟ وماذا ينبغي أن نتجنب؟
علينا أن نستوعب أن السياسة هي فن الممكن، وأن الممكن هو في الغالب الأعم (بعضشي) بينما المستحيل هو (كلشي).دعونا نلاحق الممكن حتى نلحق به قبل أن يطوينا الإلحاح في طلب المستحيل.




