إيران: الموازنة بين عقلانية الدولة وراديكالية الأجنحة

إيران (Getty)
أبرز نتائج الحرب نشوء مستوى من التلاحم الوطني (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

على الرغم من أن الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل توقفت بفضل اتفاق وقف إطلاق النار، فإن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني انتهاء الصراع. فاليوم انتقلت الساحة الرئيسية للمواجهة من الأجواء الإيرانية والجبهات العسكرية إلى ميدان السياسة الداخلية، حيث تتنافس رؤيتان مختلفتان بشأن مستقبل البلاد، ومسار المفاوضات، وكيفية توظيف المكاسب التي أفرزتها الحرب.

ومن أبرز نتائج الحرب نشوء مستوى من التلاحم الوطني لم تشهده إيران منذ سنوات. فقد دفعت الهجمات الخارجية شريحة واسعة من المجتمع، بمن فيهم كثير من منتقدي السياسات الداخلية، إلى الاصطفاف إلى جانب الدولة دفاعاً عن وحدة الأراضي والأمن القومي. أما الانقسامات السياسية التي كانت تخيم على المشهد الداخلي قبل الحرب، فقد تراجعت مؤقتاً، وعاد مفهوم "الوحدة في مواجهة التهديد الخارجي" ليحتل موقعاً بارزاً في الوعي الاجتماعي الإيراني.

وقد تحوّل هذا الرصيد الاجتماعي اليوم إلى أهم أصول الجمهورية الإسلامية في مرحلة ما بعد الحرب. ولذلك، تسعى مؤسسات صنع القرار على مختلف المستويات إلى الحفاظ على هذا التماسك، انطلاقاً من قناعة مفادها أن أي عودة إلى الاستقطابات السياسية الحادة لن تؤدي فقط إلى إضعاف الجبهة الداخلية، بل قد تنعكس أيضاً سلباً على القدرة التفاوضية لإيران في أي مفاوضات مقبلة.

 

من انتصر؟

ومع ذلك، فإن الهدوء النسبي الذي فرضه وقف إطلاق النار لا يعني نشوء إجماع سياسي. بل على العكس، فمنذ الأيام الأولى لتوقف المواجهات بدأت معركة جديدة تدور حول رواية الحرب؛ من انتصر؟ ومن اتخذ القرار الصحيح؟ وما هو المسار الذي ينبغي لإيران أن تسلكه في المرحلة المقبلة؟

وفي هذا السياق، تحاول القيادة السياسية انتهاج استراتيجية يمكن وصفها بأنها "الجمع بين الميدان والدبلوماسية"؛ أي الحفاظ على قوة الردع العسكرية بالتوازي مع توظيف المفاوضات لترسيخ المكاسب الأمنية، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وإبعاد شبح الحرب عن البلاد. ووفق هذه الرؤية، لا تُعد القوة العسكرية بديلاً عن الدبلوماسية، بل تمثل سنداً لها، كما لا يُنظر إلى التفاوض باعتباره علامة تراجع، إنما وسيلة لترسيخ النتائج التي تحققت في الميدان.

إلا أن هذه الاستراتيجية تواجه معارضة قوية من التيارات الراديكالية، التي ترى أن تجربة الحرب أثبتت مجدداً عدم موثوقية الولايات المتحدة، وأن أي رهان على المفاوضات قد يؤدي إلى تكرار التجارب المكلفة السابقة. ومن منظور هذه التيارات، فإن الغرب، بعدما عجز عن تحقيق أهدافه عبر القوة العسكرية، سيحاول بلوغها من خلال طاولة المفاوضات، وهو ما يجعل أي مرونة دبلوماسية مقدمة محتملة لتآكل تدريجي في عناصر القوة الإيرانية.

ولهذا السبب، شرعت وسائل الإعلام والشخصيات المقربة من هذا التيار، منذ الأسابيع الأولى لوقف إطلاق النار، في توجيه انتقادات لمسار المفاوضات، محذرةً مما تعتبره "تقديم تنازلات"، ومستحضرةً تجارب الاتفاقيات السابقة، ومشددةً على ضرورة عدم الثقة بواشنطن، ورافضةً أي اتفاق قد يفضي، من وجهة نظرها، إلى تقييد القدرات الاستراتيجية الإيرانية.

 

استثمار مكاسب الميدان

في المقابل، يرى مؤيدو النهج الحالي أن رفض مبدأ التفاوض يعني تجاهل الحقائق الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها إيران. ويؤكدون أن دولة خرجت لتوها من حرب مكلفة تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي، وخفض مخاطر الاستثمار، واستعادة النشاط التجاري، وكبح التضخم، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين؛ وهي أهداف يصعب بلوغها من دون خفض مستوى التوترات الخارجية.

ومن وجهة نظر هذا الفريق، فإن جوهر العمل السياسي يتمثل في تحويل مكاسب الميدان إلى مكاسب سياسية واقتصادية، لا في إبقاء البلاد في حالة مواجهة دائمة. وهم يرون أن القوة نفسها التي حالت دون انهيار إيران أثناء الحرب، ينبغي أن تكون اليوم دعامة للمفاوضات، لا عائقاً أمامها.

وفي الواقع، فإن الخلاف الأساسي في المشهد الإيراني الراهن لا يتعلق بمبدأ "المقاومة" بحد ذاته، وإنما بكيفية استثمار نتائجها. فهناك تيار يربط الأمن باستمرار المواجهة واتباع أقصى درجات الحذر، بينما يرى تيار آخر أن الأمن المستدام يتحقق من خلال الجمع بين الردع العسكري، والدبلوماسية الفاعلة، وإحياء القدرات الاقتصادية للدولة.

وفي خضم هذا الجدل، قد لا تكون القوى السياسية هي الفاعل الأكثر تأثيراً، بل الرأي العام. فشريحة واسعة من المجتمع الإيراني، التي تُعرف في الأدبيات السياسية باسم "الكتلة الرمادية"، ليست معنية بالصراعات الأيديولوجية، ولا يهمها انتصار هذا التيار أو ذاك. وإنما تتمثل أولوياتها في استعادة الهدوء، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وتقليص احتمالات اندلاع حرب جديدة، وتهيئة الظروف التي تسمح بالتخطيط للمستقبل.

ولهذا السبب، يشدد عدد كبير من النخب المرتبطة بمؤسسات الدولة على ضرورة الحفاظ على التماسك الوطني، انطلاقاً من اعتقادهم بأن أعظم إنجاز أفرزته الحرب لم يكن مقتصراً على تعزيز قوة الردع العسكرية، بل تمثل أيضاً في تنامي رأس المال الاجتماعي وتعزيز التضامن الداخلي؛ وهو رصيد سيكون من الصعب جداً استعادته إذا ما أصبح ضحية للصراعات الحزبية وحسابات المنافسة السياسية.

ومن هذا المنطلق، فإن مستقبل إيران لن يُحسم على طاولات المفاوضات في جنيف أو الدوحة أو إسلام آباد بقدر ما سيتحدد في طهران، من خلال كيفية إدارة الخلافات السياسية الداخلية. فإذا تحولت المنافسة السياسية إلى عملية هدم متبادل تُضعف التماسك الوطني، فإن حتى أنجح الاتفاقات الخارجية لن تكون قادرة على تحقيق استقرار دائم. أما إذا نجحت الدولة في تحقيق توازن بين قوة الميدان، والدبلوماسية، والمتطلبات الاقتصادية للمجتمع، والوحدة الوطنية، فإن حرب عام 2026 قد لا تكون بداية مرحلة من الاستنزاف الداخلي، بل نقطة انطلاق لإعادة تشكيل القوة الوطنية الإيرانية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث