لم يكن تعيين الرئيس السوري أحمد الشرع سبعين عضواً لاستكمال تشكيل مجلس الشعب الانتقالي مجرد خطوة إجرائية لإغلاق ملف المقاعد الشاغرة، بل بدا محاولة سياسية لمعالجة بعض الاختلالات التي رافقت المرحلة الأولى من تشكيل المجلس، ولا سيما ضعف تمثيل النساء والمكونات، وغياب التمثيل الحزبي الواضح، والتساؤلات حول قدرة المجلس على عكس التنوع السوري في مرحلة انتقالية تبحث عن شكلها المؤسسي.
ووفق وكالة "رويترز"، فإن التعيينات شملت 15 امرأة، وهذا ما رفع عدد النساء في المجلس إلى 21، بعد أن أفرزت المرحلة الأولى من اختيار ثلثي الأعضاء ست نساء فقط، كما جاءت التعيينات في مجلس من 210 أعضاء، كان ثلثاه قد اختيرا سابقاً عبر هيئات انتخابية محلية.
مشروعية دستورية... وسؤال الاستقلالية
من الناحية القانونية، لا يرى الحقوقي السوري معتصم كيلاني أن استكمال تشكيل المجلس بهذه الآلية يشكل مخالفة للإعلان الدستوري. ويوضح كيلاني لـِ "المدن"، أن المادة 24 من الإعلان الدستوري المؤقت نصت صراحة على أن يُنتخب ثلثا أعضاء مجلس الشعب عبر هيئات ناخبة تشرف عليها لجنة عليا يشكلها رئيس الجمهورية، بينما يعيّن رئيس الجمهورية الثلث المتبقي بهدف تحقيق التمثيل العادل والكفاءة.
وتنص المادة نفسها، وفق النص المنشور للإعلان الدستوري، على أن اللجنة العليا تشرف على تشكيل الهيئات الناخبة التي تختار ثلثي أعضاء المجلس، فيما يعيّن الرئيس الثلث الأخير "لضمان التمثيل العادل والكفاءة".
لكن كيلاني يلفت إلى أن التوافق مع النص الدستوري لا يمنع مناقشة الآلية في ضوء الفلسفة الدستورية العامة، ولا سيما مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال السلطة التشريعية. فدور السلطة التنفيذية في تعيين جزء من أعضاء المجلس يثير، بطبيعته، تساؤلات حول مدى استقلال المجلس في ممارسة صلاحياته التشريعية والرقابية، خصوصاً إذا اقترن ذلك بتأثير غير مباشر في آلية اختيار بقية الأعضاء.
ويضيف أن هذه الحالة ينبغي أن تُقرأ في سياق المرحلة الانتقالية، إذ لا تنتقل الدول الخارجة من الثورات والحروب والانهيارات المؤسسية عادة إلى نموذج انتخابي مكتمل مباشرة، بل تلجأ إلى ترتيبات انتقالية تهدف إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة تدريجياً، إلى حين توفر الظروف القانونية والإدارية والأمنية لإجراء انتخابات عامة مباشرة.
النساء: معالجة رقمية لا قفزة تمثيلية
وكان تمثيل النساء أحد أبرز أوجه القصور في المرحلة الأولى من تشكيل المجلس. فاختيار ست نساء فقط ضمن الثلثين المنتخبين فتح باب الانتقاد حول قدرة الآلية غير المباشرة على تمثيل النساء، قبل أن يستخدم الشرع صلاحية التعيين لإضافة 15 امرأة. وبذلك ارتفع عدد النساء إلى 21 عضواً من أصل 210 أعضاء؛ أي نحو 10 في المئة من المجلس. هذه النسبة تمثل تحسناً واضحاً مقارنة بالمرحلة الأولى، لكنها لا ترقى إلى مستوى التمثيل الوازن، ولا تكفي لاعتبار الخلل النسوي قد عولج جذرياً.
بمعنىً آخر، نجح الثلث المعين في تصحيح الصورة الأكثر حدة التي ظهرت بعد اختيار الثلثين، لكنه لم ينقل حضور النساء من خانة التعويض إلى خانة الشراكة المتوازنة. فالتمثيل النسائي بقي محدوداً، وإن لم يعد هامشياً بالدرجة التي ظهر عليها في المرحلة الأولى.
ماذا أراد الشرع أن يقول؟
وتبدو قائمة التعيينات محملة بعدة رسائل سياسية. الرسالة الأولى موجهة إلى الداخل، ومفادها أن الرئاسة استخدمت الثلث المعين لمعالجة نواقص التمثيل، لا لمجرد ملء المقاعد. والرسالة الثانية موجهة إلى الخارج، حيث يشكل حضور النساء، والمعتقلين السابقين، وبعض الشخصيات المعارضة، محاولة لتقديم المجلس بوصفه أكثر شمولاً من نتائج المرحلة الأولى.
أما الرسالة الثالثة فتتعلق بطبيعة المجلس نفسه. فاختيار 47 من "الكفاءات" مقابل 23 من "الأعيان"، وفق الإحصاءات المعلنة، يشير إلى رغبة في تقديم المجلس كهيئة تجمع بين الخبرات المهنية والوجاهات الاجتماعية، أكثر من كونه مؤسسة حزبية أو برلماناً قائماً على تنافس سياسي منظم.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية: التعيينات عالجت بعض نواقص التمثيل الاجتماعي، لكنها لم تعالج غياب التمثيل الحزبي. فالمجلس يضم شخصيات سياسية، لكنه لا يعكس حتى الآن حياة حزبية منظمة، ولا يبدو أنه تشكل على قاعدة برامج أو كتل سياسية واضحة.
المعارضة داخل المجلس: شراكة أم احتواء؟
ضمّت القائمة شخصيات سياسية معروفة ارتبطت بمؤسسات المعارضة، أبرزها الرئيس السابق للائتلاف الوطني السوري أنس العبدة، والرئيس السابق لهيئة التفاوض السورية بدر محي الدين جاموس. ويعطي حضور هذين الاسمين إشارة إلى محاولة إدخال جزء من المعارضة السياسية السابقة إلى المؤسسة التشريعية الجديدة.
لكن دلالة هذا الحضور تبقى مفتوحة على قراءتين. فمن جهة، يمكن اعتباره توسيعاً لقاعدة المشاركة السياسية وعدم حصر المجلس بشخصيات قريبة من السلطة الجديدة. ومن جهة أخرى، قد يُقرأ بوصفه استيعاباً فردياً لشخصيات معارضة داخل مؤسسة لم تتشكل على أساس حزبي أو تفاوضي واضح.
وبذلك لا تكمن أهمية حضور هذه الأسماء في عددها، بل في السؤال الذي تطرحه: هل نحن أمام بداية دمج سياسي للمعارضة في مؤسسات المرحلة الانتقالية، أم أمام تمثيل رمزي لا يغير كثيراً في موازين القرار؟
السويداء والمجتمع المحلي
وفي هذا السياق، يحمل تعيين ليث وحيد البلعوس، نجل الشيخ وحيد البلعوس مؤسس حركة "رجال الكرامة"، دلالة خاصة تتجاوز الاسم الفردي. فالسويداء ظلت خلال الفترة الماضية واحدة من أكثر المحافظات حساسية في العلاقة مع السلطة الجديدة، سواء بسبب خصوصيتها الاجتماعية والسياسية، أو بسبب التوترات الأمنية التي أخرت استكمال بعض مسارات التمثيل فيها.
ويبدو حضور البلعوس رسالة لتأكيد استمرار الانفتاح باتجاه المحافظة ومجتمعها المحلي، لكنه لا يكفي وحده للحكم على معالجة كاملة لفجوة التمثيل في السويداء، أو في بقية المناطق التي شهدت توترات أو بقيت خارج العملية الانتخابية المباشرة.
المعتقلون السابقون: رمزية القطيعة
ومن أبرز عناصر التشكيلة، وجود 13 معتقلاً سابقاً في سجون النظام السابق، إضافة إلى خمسة من ذوي الإعاقة الناتجة عن إصابات الحرب. هذا الحضور لا يحمل دلالة اجتماعية فقط، بل يقدّم المجلس بوصفه جزءاً من سردية القطيعة مع مرحلة الأسد.
وتحاول السلطة الجديدة عبر هذه الأسماء، ربط المؤسسة التشريعية بضحايا المرحلة السابقة، وإظهار أن المجلس لا يقوم فقط على الكفاءة أو الوجاهة، بل يضم أيضاً من دفعوا ثمناً مباشراً خلال سنوات القمع والحرب.
لكن رمزية المعتقلين السابقين ستبقى مرتبطة بقدرة المجلس على ترجمة هذه الخلفية في ملفات مثل العدالة الانتقالية، ومراجعة القوانين الأمنية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، لا بمجرد حضورهم العددي داخل القاعة.
ويرى كيلاني أن التمثيل المتوازن وفق المعايير الدستورية المقارنة، لا يُقاس فقط بتنوع الخلفيات المهنية أو الاجتماعية للأعضاء، وإنما يشمل أيضاً التعدد السياسي، والتمثيل الجغرافي، ومشاركة النساء والشباب، وحضور مختلف المكونات الثقافية والاجتماعية في المجتمع.
ويقول إن تركيبة المجلس الحالية تعكس محاولة لتوسيع قاعدة المشاركة خلال المرحلة الانتقالية، إلا أن تقييم مدى تحقق التمثيل المتوازن بصورة كاملة يبقى محل نقاش مشروع، ولا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي مرت بها سوريا خلال السنوات الماضية، وما نتج عنها من نزوح، وانقسام جغرافي، وتفاوت في القدرة على المشاركة السياسية.
ويضيف أن الحكم على تركيبة المجلس لا ينبغي أن يستند فقط إلى هوية أعضائه أو طريقة اختيارهم، وإنما إلى مدى قدرتهم على تمثيل المصلحة العامة، والتعبير عن مختلف القضايا الوطنية، والانفتاح على جميع فئات المجتمع، بما يعزز الثقة بالمؤسسة التشريعية ويمهد لتطوير الحياة السياسية في المستقبل.
ما الذي لم تعالجه القائمة؟
ورغم أن الثلث المعين عالج بعض الاختلالات، إلا أن هناك نواقص ما زالت واضحة. فالنساء لم يتجاوزن حدود الـ 10 في المئة من المجلس. والتمثيل الحزبي بقي ضعيفاً أو غير ظاهر. كما أن تمثيل المكونات القومية والدينية لا يمكن تقييمه بدقة، لأن الجهات الرسمية لم تنشر بيانات تفصيلية عن الخلفيات الاجتماعية أو القومية للأعضاء.
وتشير "رويترز" إلى أن نتائج المرحلة الأولى أظهرت تمثيلاً منخفضاً للنساء والأقليات، إذ انتُخبت ست نساء وعشرة أعضاء من الأقليات الدينية والقومية، بينهم مسيحيون وعلويون وإسماعيليون وأكراد وتركمان، وهذا ما أثار مخاوف بشأن شمولية وتنوع المجلس.
لذلك، يمكن القول إن التعيينات خففت من حدة النقص، لكنها لم تُنهِ الأسئلة المرتبطة بطبيعة التمثيل، خصوصاً أن بعض الثغرات لا تُحل بالتعيين وحده، بل تحتاج إلى حياة سياسية منظمة، وقانون انتخابي مستقر، وأحزاب فاعلة، ومشاركة شعبية مباشرة.
بين النص والممارسة
من الناحية القانونية، منح الإعلان الدستوري مجلس الشعب اختصاصات تشريعية ورقابية، لكن فعالية هذه الاختصاصات ستتوقف، كما يقول كيلاني، على الممارسة العملية ومدى احترام مبدأ الفصل بين السلطات. فاستقلال أي برلمان لا يُقاس بالنصوص وحدها، بل بقدرته على مناقشة القوانين بحرية، ومساءلة السلطة التنفيذية، وممارسة اختصاصاته دون ضغوط أو تدخلات.
ويعتبر كيلاني أن التحدي الحقيقي أمام المجلس يتمثل في تحديث المنظومة التشريعية، ومراجعة القوانين التي لم تعد تتوافق مع متطلبات المرحلة الجديدة، والإسهام في تعزيز سيادة القانون، ودعم مسارات العدالة الانتقالية، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة.
كما يرى أن من أهم الأدوار المنتظرة من المجلس خلال المرحلة الانتقالية تهيئة الأرضية القانونية والمؤسساتية لإجراء انتخابات عامة حرة ومباشرة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، من خلال تطوير التشريعات الناظمة للعملية الانتخابية، وتعزيز استقلال المؤسسات المعنية بإدارة الانتخابات، وترسيخ الضمانات القانونية التي تكفل نزاهة الاقتراع وتكافؤ الفرص.




