يعيش الجيش الإسرائيلي هذه الأيام واحدة من أصعب مراحل حياته بسبب تزامن الحرب الطويلة التي يخوضها على أكثر من جبهة مع انقسامات داخلية حادة من جهة وتضعضع الإسناد الأميركي السياسي والعسكري والشعبي من جهة أخرى. فالجيش وقيادته يتعرضان حتى داخل الحكومة اليمينية لانتقادات شديدة بسبب العجز عن حسم المعركة، خصوصاً في جبهتي غزة ولبنان. والجمهور الإسرائيلي الذي بات يعاني من آثار الحرب الاقتصادية والمعنوية، يجد أن تكاليف الحرب السنوية باتت تمس جيوب رجاله وحليب أطفاله. وعن الجمهور الديني في إسرائيل حدّث ولا حرج: في مؤتمر جماهيري ضد اعتقال الحريديم المتهربين من الخدمة العسكرية، أعلن حاخامات عن إباحة دم رئيس الأركان الجنرال إيال زامير ونعتوه بـِ "الملعون".
الحرب الدائمة
لكن المشكلة ليست فقط الجيش إنما أيضاً الحكومة والمجتمع والاقتصاد الإسرائيلي. فحكومة بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس، نسفت نظرية الحرب الإسرائيلية التي وضعها في حينه أول رئيس حكومة ديفيد بن غوريون وازدهرت وترعرعت في ظلها الدولة العبرية، بنظرية "الحرب الدائمة" الجديدة التي وضعها نتنياهو وكاتس. ووفق المراسل العسكري لـِ "معاريف" آفي أشكنازي: "قرر بن غوريون أن تخوض إسرائيل معاركها على جولات، وأن تزدهر بين هذه الجولات، لكن يبدو أن نتنياهو قرر خلاف ذلك، وسيظل أبناء وأحفاد وأبناء أحفاد مقاتلي عملية سلام الجليل في لبنان إلى الأبد". وفي نظره، أن تعلن الحكومة الإسرائيلية بقيادة نتنياهو أن قواتها ستبقى في لبنان يعني أنه وفقاً لخطط هذا الحكومة، فإن "أبناء أبناء مقاتلي اليوم، وهم في الواقع أحفاد مقاتلي الحزام الأمني الأصليين، سيقاتلون أيضاً في جنوب لبنان. بعبارة أخرى، لا أمل، ولا جولات قتالية أخرى - لا يوجد سوى الحرب، الحرب، والمزيد من الحرب".
وحول ذلك كتبت حتى صحيفة "إسرائيل اليوم" اليمينية، أن جرأة إسرائيل ازدادت بعد ألف يوم من "إنجازاتها العسكرية"، وظنت أنها قادرة على فعل كل شيء. ورأت أن هذه الاستراتيجية جيدة لكنها كارثية لإدارة شؤون الدولة، ونتيجة لذلك، وجدت "إسرائيل" نفسها في حرب لا تنتهي، مع فقد اثنين من مواردها الرئيسية "الردع والشرعية الدولية". كما أن بن كسبيت في "معاريف" عالج المقارنة بين نتنياهو وبن غوريون، فأشار إلى أن نتنياهو رأى أن الفارق بينهما يتمثل في عدم قدرة بن غوريون على قول "لا" للأميركيين، في إشارة إلى انسحاب إسرائيل من سيناء بعد العدوان الثلاثي 1956، إذ لم يفلح في الحفاظ على هذا الاحتلال، واضطر إلى التكيف مع إملاءات القوى العظمى. وخلص إلى أنه "لا يوجد شخص في العالم أجمع، وفي التاريخ كله، يُمثل النقيض التام لبن غوريون، أكثر من بنيامين نتنياهو. الرجل العجوز، الذي أسس دولة هنا على حافة الانهيار". "ونتنياهو، بعد 78 عاماً على إعلان بن غوريون، الدولة يكتب الآن شهادة وفاتها".
تآكل الردع
وفي هذا السياق كتب المعلق العسكري في "يديعوت" يوسي يهوشع، عن تآكل الردع بعد ألف يوم من القتال. فأشار إلى أن إسرائيل حققت انتصارات عسكرية مبهرة لكنها لم تحسم أيا منها لا في غزة ولا في لبنان ولا في إيران. ولاحظ أن الحرب بدأت بأسوأ فشل عسكري وأمني في تاريخ إسرائيل في 7 أكتوبر، وفي أضعف حالاتها الاستراتيجية. وكتب: "كان هذا واقعاً كان من الممكن أن يتحول إلى تهديد وجودي من جميع الجبهات. إيران، وحزب الله، والضفة الغربية، وقطاع غزة - كانت ستتحد في حملة واحدة متزامنة... من المهم التمييز بين مفهومين هنا: النصر والحسم. حققت إسرائيل انتصارات عسكرية باهرة في معظم الساحات. مع ذلك، لا يعني النصر بالضرورة الحسم. فالحسم يعني أن العدو قد فقد قدرته أو رغبته في مواصلة القتال مع مرور الوقت. وهذا لم يحدث بعد. فقد تلقت حماس وحزب الله وإيران ضربات موجعة، لكن لم يتخلَّ أيّ منها عن المعركة. يسعى كلّ منها إلى التعافي والتعلم ومواصلة القتال على نحو مختلف".
ويرى يهوشع أن "عجز إسرائيل عن التصرف بحرية كما كانت تفعل سابقاً في لبنان، وسماح إيران لنفسها بإطلاق صواريخ على إسرائيل، وتقييد الولايات المتحدة لأي رد إسرائيلي محتمل، كلها مؤشرات على تآكل الردع الإسرائيلي، وهو ما يلاحظه العالم أجمع. كما أن تصريحات نائب الرئيس جاي دي فانس وترامب نفسه، إلى جانب تقارب ترامب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تستدعي إعادة النظر في الواقع الاستراتيجي".
عموماً، يجد الجيش الإسرائيلي في لبنان نفسه في مأزق حقيقي: فمن جهة، يواجه ضغوطاً أميركية للانسحاب، ومن جهة أخرى، مطالب داخلية بمواصلة القتال ضد حزب الله. وهو مأزق ذهبت صحيفة وول ستريت جورنال حد اعتباره "المأزق الذي يهدد بتفجير دبلوماسي يُعرّض اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران للخطر". واستطلعت الصحيفة آراء خبراء رأوا أن السلوك الإسرائيلي في جنوب لبنان "فخّ نصبته إسرائيل لنفسها، فهي عالقة في مكان لا تستطيع الانسحاب منه، وفي الوقت نفسه، لا تملك أي خيار آخر". ويظهر الفخ في واقع ما يتعرض له نتنياهو من ضغوط من خصومه وحلفائه داخل إسرائيل على حد سواء، مطالبين باستمرار الحرب ضد حزب الله قبل انتخابات تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، وضغوط ترامب الراغب في إنهاء الحرب قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية. وتظهر استطلاعات الرأي الإسرائيلية أن أغلبية الجمهور، 57%، يؤيدون إنشاء حزام أمني دائم داخل لبنان. وهي الفكرة التي ينادي بها نتنياهو ووزير حربه ليس فقط في لبنان وإنما في كل مناطق الحدود.
ويتعاظم المأزق في ظل الإحساس بتراجع الدعم الأميركي، خصوصاً بعد النجاحات التي حققها معارضو إسرائيل ليس في الحزب الديمقراطي وإنما أيضاً في صفوف الجمهوريين بل وفي صفوف الانجيليين. ويلاحظ الإسرائيليون بامتعاض خفوت الأصوات الانجيلية المؤيدة لهم وتراجع مكانة اللوبي الصهيوني وتعرضه للحملات داخل الإدارة وخارجها. ويدرك الجيش، أكثر من سواه، أهمية العلاقة الاستراتيجية مع أميركا، ويحاول تدارك التراجع بعرض إنشاء قواعد عسكرية أميركية في إسرائيل بدلاً من تلك التي تعرضت للدمار في الدول الخليجية.
الوضع الداخلي المتأزم
مع اقتراب الموعد النهائي للانتخابات العامة الإسرائيلية، تتأزم العلاقات ليس فقط داخل الائتلاف الحاكم وإنما أيضا داخل الليكود. وسرت أنباء عن احتمال انسحاب نتنياهو من الليكود وتشكيل حزب جديد إذا لم ينجح في ترتيب قائمة حزبه لانتخابات الكنيست على هواه. وهناك أحاديث كثيرة عن احتمال انشقاق جزء من قيادات الليكود الحاليين المختلفين مع نتنياهو وتشكيل حزب جديد. على أن المشكلة ليست فقط في انعدام التوافق الواضح بين كتل الائتلاف الحالي وفي داخل كل منها، وإنما أيضا في حقيقة ما يجري في المجتمع الإسرائيلي عموماً.
وبعد الصدامات في الشوارع بين معارضي تجنيد الحريديم وقوات الشرطة، حذّر الرئيس الإسرائيلي اسحاق هرتسوغ في مؤتمر هرتسليا الثاني والعشرين، من تجديد "العقد الإسرائيلي" في ضوء الانتخابات المقبلة، محذراً من سيناريو التفكك الاجتماعي قائلاً: "بدلاً من أن نكون مجتمعاً متنوعاً ومزدهراً من الإخوة والأخوات، كثيرين ومتصالحين، فإننا نخاطر بأن نصبح قارة مفككة، تحولت إلى حفنة من الجزر. جزرٌ من أناسٍ منهكين، جزر من أقليات تشعر بالاضطهاد، مسلحة بإحساس مطلق بالعدالة. والجزر، أيها السيدات والسادة، ليست دولة".
ولا يمكن قراءة المشهد من دون الإشارة إلى عاملين هامين في إسرائيل: الهجرة وتكاليف الحرب. وقد أشارت المعطيات الرسمية إلى أن إسرائيل لم تعد دولة جاذبة للمهاجرين، وأن معدل الهجرة في السنوات الأخيرة بات سلبياً. ففي الفترة 2023-2024، غادر إسرائيل ما يقارب 90 ألف إسرائيلي، ولم تتمكن الهجرة إليها من تعويض هذا العدد. وفي عام 2024، تجاوز معدل المغادرة معدل العودة إلى إسرائيل بمقدار 3.5 أضعاف، مما يشير إلى تغير كبير في أنماط الهجرة مقارنةً بالعقد السابق. البيانات الأولية لعام 2025 لا تبعث على التفاؤل، وتشير إلى استمرار هذا الاتجاه.
وسحبت وزارة المالية اعتراضها على زيادة الميزانية العسكرية للعام 2026 لتبلغ 188 مليار شيكل لتغطية تمويل تواجد الجيش في لبنان وسوريا وغزة. وهذه أعلى ميزانية في تاريخ الدولة العبرية يضاف إليها تخصيص مبلغ 350 مليار شيكل لتطوير قدرات خلال السنوات المقبلة. يذكر أنه تراكمت في الشهور الأخيرة على الجيش ديون تقدر بـِ 15 مليار شيكل لشركات "رفائيل" و"ألبيت سيستمز" والصناعات الجوية. ومعروف أن تكلفة كل يوم قتالي حالياً تتراوح بين 100إلى 130 مليون شيكل.




