مع الإعلان عن موعد الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري (البرلمان) الجديد الاثنين المقبل، يأتي في مقدمة الأولويات التي ينتظرها السوريون، تنظيم العمل السياسي العام، وإعداد وإصدار قانون لترخيص وتنظيم الأحزاب. ولا يمثل هذا التطور التشريعي مجرد استجابة لمتطلبات مرحلية، بل هو وقوف حقيقي أمام استحقاق وطني تاريخي طال انتظاره. فالبرلمان اليوم لا يواجه مجرد صياغة بنود قانونية اعتيادية، بل هو بصدد وضع القواعد الحاكمة لمستقبل التداول السلمي للسلطة، ورسم ملامح سورية الجديدة التي تتسع لجميع أبنائها دون إقصاء أو تهميش، ضمن إطار سيادي جامع.
وفي هذا السياق، يجب الاقتناع بأن الأحزاب السياسية ضرورة حتمية للتعبير عن تطلعات المجتمعات وصياغة آمالها؛ إذ لا يمكن تصور سوريا كدولة حديثة متطورة ومشهد ديمقراطي حقيقي من دون وجود قنوات مؤسسية شرعية قادرة على استيعاب التنوع الفكري والسياسي، وتحويل التباينات الطبيعية داخل المجتمع من بؤر للنزاع الشقاقي إلى برامج عمل وطنية تتنافس بروح حضارية تحت قبة البرلمان.
حتى لا يعيد التاريخ نفسه
عند قراءة التجربة السورية منذ 1920 بكثير من التجرد والموضوعية، وبعيداً عن فترة انقلابات الخمسينيات لأنها لم تكن مؤثرة على الحياة السياسية للمجتمع السوري، يتضح أن صعود الديكتاتورية الأسدية واستحواذها على مقاليد الحكم لم يكن نتاج مصادفة تاريخية فحسب، بل تتحمله بالأساس منظومات الدولة وثناياها المؤسسية في ذلك الوقت، التي لم تمتلك الكفاءة والمناعة الكافيتين لحماية بنيتها الديمقراطية.
ويتجلى هذا الأمر في العوامل التالية:
- هشاشة الكوابح الدستورية: لم تكن الدساتير السورية السابقة تحتوي على آليات ممانعة ذاتية قوية قادرة على لجم تغول السلطة التنفيذية أو الأجهزة العسكرية والأمنية.
- غياب الرقابة القضائية الصارمة: عجزت المحاكم الدستورية والقضائية حينها عن فرض سيادة القانون على الضباط والمغامرين السياسيين، مما جعل الدستور ورقة يمكن تجاوزها عند أول منعطف عسكري.
- ضعف مأسسة الأحزاب المدنية: انشغلت الأحزاب التقليدية بالصراعات البينية الضيقة والتنافس الإقليمي، مغفلةً تحصين الدولة وبناء عقيدة دستورية راسخة لدى رجال المؤسسة العسكرية تفصل تماماً بين السلاح والسياسة.
لذلك، فإن التشخيص الدقيق يفرض على "الدولة الجديدة" ألا تكتفي بترميم واجهات العمل السياسي، بل إن عليها إعادة هندسة المنظومة الدستورية والقانونية بالكامل، لضمان عدم تكرار اختراق بنية الدولة من قبل أي قوىً شمولية أو فئوية.
الحصانة الدستورية والمبادئ فوق الدستورية كصمام أمان
لحماية الشكل الديمقراطي للدولة ومنع ارتدادها نحو الاستبداد أو التشرذم، يتوجب على الدولة السورية الجديدة التأسيس لـِ "المبادئ فوق الدستورية:، وهي مبادئ وقيم عليا ثابتة ومحصنة بالكامل دائمة، لا تملك أي أغلبية برلمانية عابرة أو سلطة تنفيذية حق تعديلها أو المساس بها، وتوضع كإطار ناظم أبدي للدولة.
1. وحدة التراب السوري: ثبات المبدأ والسيادة
في طليعة هذه المبادئ فوق الدستورية، يجب على المشرّع السوري أن يلحظ بوضوح تام شرطاً بنيوياً لا غنى عنه؛ وهو أن ينطلق هدف ورؤية أي حزب مُستحدث من أرضية راسخة مفادها أن وحدة التراب السوري أمر مقدس ولا يناقش. إن هذا المحدد الوطني يضمن عدم تحول التعددية الحزبية إلى بوابة للمشاريع الانفصالية، أو الكيانات الفيدرالية القائمة على أسس هدامة لكيان الدولة. فالعمل السياسي الحُر مشروط تاريخياً وموضوعياً بالولاء للمظلة الوطنية الجامعة، وبقاء الجغرافيا السورية موحدة غير قابلة للتجزئة أو المساومة تحت أي ظرف أو مبرر سياسي.
2. مدنية الدولة والتداول السلمي للسلطة: ركائز المواطنة المتساوية
تقوم مدنية الدولة على مبدأ جوهري مفاده أن السيادة المطلقة هي للشعب، وأن الهوية الوطنية الجامعة والمواطنة الكاملة هي المعيار الوحيد والمطلق لتحديد الحقوق والواجبات، بمعزل عن أي محاصصات طائفية، مذهبية، أو عرقية قد تقوض كيان المجتمع. ويتكامل هذا المبدأ بنيوياً مع حتمية التداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع وبشكل دوري ونزيه. إن دسترة هذا التداول كمبدأ فوق دستوري تحظر بشكل قاطع على أي قوى سياسية، حزبية، أو عائلية احتكار الحكم أو تأبيده، وتجعل من الانتقال المؤسساتي والشرعي للسلطة واجباً وطنياً ملزماً لكافة سلطات الدولة، مما يضع حداً نهائياً لعهود السلطة المطلقة والشخصنة السياسية.
3.التعددية الحزبية وحظر عسكرة الحياة العامة: صيانة الفضاء المدني
تُعتبر التعددية الحزبية ركناً أساسياً وجزءاً لا يتجزأ من هوية الدولة الحديثة، إذ إنها الأداة الشرعية والقانونية لتنظيم واحتضان تطلعات المجتمع المختلفة. ولضمان سلامة هذه التعددية، يبرز مبدأ حظر عسكرة الحياة العامة كأحد أهم المبادئ فوق الدستورية الحامية للدولة؛ حيث يلتزم المشرّع برسم خط فاصل، حاسم وقاطع، بين الفضاء السياسي المدني وبين أدوار المؤسستين العسكرية والأمنية. إن وظيفة الجيش الوطنية والدائمة تنحصر حصراً في حماية حدود الوطن، وصيانة سيادته وترابه ضد الأخطار الخارجية، ويُحظر عليه تماماً التدخل في الشأن السياسي، أو الانحياز لأي تكتل حزبي، أو ممارسة أي أدوار وصاية على الحياة المدنية. إن هذا الحظر الصارم يمثل الضمانة الدستورية الكبرى لإنهاء إرث الانقلابات العسكرية وحماية الخيار الديمقراطي للشعب.
المقاربة الفكرية والمناعة المؤسساتية
إن بناء فضاء سياسي ناضج ومستدام يعد الخطوة الأولى على الطريق الصحيح ويتطلب بالدرجة الأولى التفهم والانفتاح على الجميع وتجاوز منطق الإقصاء الفكري أو حظر التيارات الفكرية بناءً على تجارب تاريخية مشوهة؛ فالغاية الأسمى للدولة الحديثة ليست محاربة الأفكار أو عزلها، بل تحصين مؤسسات الدولة الدستورية لضمان عدم توظيف أي أيديولوجيا كوسيلة للهيمنة القسرية أو الاستئثار بالحكم. ومن هذا المنطلق، يغدو من الضروري بمكان فك الارتباط المفهومي بين النظريات التأسيسية وبين ممارسات السلطة اللاحقة التي جرت باسمها. إن الأمانة التاريخية والموضوعية تقتضي عدم تحميل الفكر القومي تداعيات مرحلة الأسدية البغيضة التي أساءت للعروبة و العلمانية الوطنية أكثر من أي أحد آخر فالحزب الذي كان ينخرط بمرونة في اللعبة الديمقراطية ويحتكم لصناديق الاقتراع دفاعاً عن تماسك الكيان الوطني، إلى أن تحول بعد أن سيطر الجناح العسكري الطائفي وحول التنظيم الحزبي من إطار لنقاش الأفكار وتأطير تطلعات المجتمع إلى مجرد واجهة بيروقراطية وأمنية تُستخدم لإنتاج الولاء، وإضفاء الشرعية على منظومة حكم مشخصنة أغلقت أبواب التعددية في الحياة السياسية السورية .
وبالنتيجة إن هذا التمييز الدقيق يعزز القناعة بأن التحصين الحقيقي للدولة السورية الجديدة لا يكمن في إقصاء أي تيار فكري، بل في صياغة قواعد دستورية مانعة ومؤسسات صلبة تحول دون استخدام أي فكر أو شعار كأداة لتقويض التداول السلمي للسلطة.
العمل الحزبي كقناة للتعبير عن تطلعات المجتمع
لا يمكن للدولة أن تستقر سياسياً واقتصادياً إذا بقيت الجماهير عبارة عن أفراد مشتتين لا تجمعهم أطر برامجية واضحة. من هنا، تظهر الأحزاب السياسية كأدوات حضارية لا غنى عنها للقيام بعدة وظائف بنيوية داخل المجتمع السوري الجديد:
1. تمثيل المصالح وتأطير التنوع
المجتمع السوري مجتمع غني بتنوعه الثقافي، الجغرافي، والاقتصادي. الأحزاب السياسية هي المؤسسات الوحيدة القادرة على صهر هذا التنوع في قوالب برامجية (أحزاب يمين، وسط، يسار، ليبراليين) تتمحور حول كيفية إدارة الدولة وتنمية الاقتصاد، بدلاً من الانكفاء نحو الولاءات ما قبل الوطنية كالطائفة أو القبيلة، شريطة أن تسعى جميع هذه البرامج لخدمة الوطن الواحد الموحد.
2. صناعة وتأهيل القادة السياسيين
العمل الحزبي هو المدرسة الحقيقية لتأهيل رجالات الدولة والوزراء والنواب؛ فالحزب يوفر البيئة الأكاديمية والعملية للفرد لفهم آليات وضع الموازنات، صياغة القوانين، وإدارة الأزمات، مما ينهي عهد "السياسيين الهواة" أو القادمين من خلفيات أمنية لا علاقة لها بالإدارة المدنية كما كان يحصل ابان الحقبة الماضية.
3.الرقابة والمساءلة وتوازن السلطات
وجود معارضة حزبية قوية ومحميّة بقوة القانون تحت قبة البرلمان يضمن بقاء السلطة التنفيذية تحت عين المراقبة والمساءلة المستمرة، مما يقلص فرص الفساد المالي والإداري ويحقق الشفافية المطلوبة لبناء اقتصاد وطني متين.
أول الأولويات
حتى يؤدي مشروع ترخيص تنظيم الأحزاب دوره الوطني المأمول في هذه المرحلة الدقيقة، يجب أن يرتكز على محددات واضحة تضمن فاعليته واستقلاليته:
1. قطع الطريق أمام أي نزعات تفكيكية أو مشاريع تقسيم أجنبية ذلكَ باشتراط التزام أي حزب مستحدث بقدسية وعدم مساس وحدة التراب السوري وصيانة الهوية الوطنية.
2. ضمان الحياد وعدم استخدام الترخيص كأداة كيد سياسي وذلك بان يكون مرجعية الترخيص هيئة قضائية عليا مستقلة تماماً (وليس وزارة الداخلية أو الأمن).
3. صيانة استقلالية القرار الوطني ومنع المال السياسي الفاسد عبر تمويل حكومي شفاف يعتمد على حجم التمثيل البرلماني، مع حظر التمويل الخارجي.
4. حماية السلم الأهلي وجعل البرامج التنموية أساس الاستقطاب بأن يكون من شروط التأسيس حظر التأسيس على أسس طائفية، مذهبية، عرقية، أو مناطقية
نحو ميثاق سوري جديد غير قابل للاختراق
إن التحدي الأكبر الذي يواجه البرلمان السوري الجديد في جلسته الأولى المرتقبة ليس مجرد تشريع قانون ينضم إلى رفوف المكتبة القانونية، بل هو صياغة "عقد اجتماعي وسياسي جديد" يحمل في أحشائه ضمانات بقائه واستمراره. إن تحصين الدولة الجديدة بالمبادئ فوق الدستورية، والتأكيد الحاسم على قدسية وحدة التراب السوري، والتجريم الصارم والناجز لكل أشكال القفز فوق الشرعية أو استخدام القوة للوصول إلى السلطة، هو الضمانة الوحيدة لعدم ارتداد سورية إلى حقب الاستبداد أو التشرذم الظلامية.
إن الفصل الواعي والمنصف لمرحلة تشوهات الممارسة الأسدية، يفتح الباب واسعاً أمام مصالحة فكرية ووطنية شاملة، تؤكد أن المشكلة لم تكن يوماً في الرغبة في التحرر والنهوض، بل في غياب المؤسسات القوية القادرة على حماية الفكرة والدفاع عن الديمقراطية. واليوم، يمتلك السوريون الفرصة التاريخية لصياغة قانون أحزاب عصري يكون بمثابة الحجر الأساس في بناء دولة المؤسسات، وسيادة القانون، والحرية المسؤولة في ظل سورية واحدة موحدة ومستقلة.




