يستعد الحكام من رجال الدين في إيران لتنظيم مراسم حاشدة تستمر لعدة أيام لتشييع جثمان الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي، في استعراض للولاء الشعبي للجمهورية الإسلامية وتأكيد على أن شعلة الحماس الثوري ما زالت متقدة، حيث تشكل وفاة خامنئي، وخلافة ابنه مجتبى له في موقع الزعيم الأعلى الثالث لإيران، في خضم صراع مع أكبر أعدائها، لحظة فارقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية على مدى 47 عاماً.
ووجه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعوة عامة إلى المواطنين الإيرانيين للمشاركة بأعداد غفيرة في مراسم التشييع، معتبراً أن غياب المرشد الأعلى الراحل يمثّل "بداية فصل جديد" للجمهورية الإسلامية.
وسعى بزشكيان في خطابه الموجه للداخل والخارج إلى إرسال رسائل طمأنة وتأكيد على استقرار بنية النظام السياسي، حيث قال: "إن هذه الشهادة ليست نهاية الرحلة، بل بداية فصل جديد من الوحدة الوطنية والصمود والتقدم"، مضيفاً أن وفاة خامنئي أظهرت بوضوح أن "هذا النظام يقوم على أسس متينة من الإيمان والمثل العليا وإرادة أمة عظيمة".
وفي محاولة لحشد أوسع تأييد شعبي ومواجهة التحديات الراهنة، ناشد بزشكيان كل الأطياف الإيرانية "بغض النظر عن العرق، أو الدين أو الآراء السياسية أو الخلفية" للاحتشاد والمشاركة في الفعاليات والمراسم المقررة، بهدف "إظهار جبهة موحدة للعالم".
استعدادات لوجستية مكثفة وجدول ممتد
وجاءت رسالة الرئيس الإيراني، التي نشرتها وكالة أنباء "تسنيم" شبه الرسمية اليوم الخميس، في وقت تُكثّف فيه البلاد استعداداتها اللوجستية لإقامة مراسم الجنازة الممتدة لعدة أيام، وذلك بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على الغارة الإسرائيلية الأميركية الأولى خلال الحرب التي أسفرت عن مقتل خامنئي في اليوم الأول من اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير الماضي.
وأوردت شبكة "سي إن إن" أن السلطات الإيرانية تخطط لتنظيم المراسم من يوم السبت إلى الخميس الموافق من 4 إلى 9 تموز/يوليو.
وتأتي هذه الاستعدادات في وقت تسعى فيه السلطات لحشد ملايين المؤيدين لتكتظ بهم مدن إيران، مع توفير وسائل النقل والإقامة والطعام لهم، لإعلان قوة دولتهم الدينية بعد أن نجت مما اعتبروه حرباً وجودية، مع خطط لمسيرات جماهيرية على مدى الأسبوع في طهران وقم ومشهد، بالإضافة إلى مراسم أخرى في العراق.
الوفود الدولية المشاركة والمرتقبة
وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن طهران تتوقع وصول ضيوف من حوالي 100 دولة، بمن فيهم رؤساء حكومات ووزراء خارجية ومبعوثون خاصون.
وباستثناء رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف الذي يزور طهران كممثل لبلاده التي برزت كوسيط بين إيران وواشنطن، ورئيس جورجيا ميخائيل كافيلاشفيلي، فضلت معظم الدول الكبرى إرسال مسؤولين برلمانيين أو دبلوماسيين بدلاً من قادتها الفعليين.
وفي المقابل، أعلنت وزارة الخارجية الصينية أن نائب رئيس أعلى هيئة تشريعية في الصين، وهي اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب، "هي وي" هو من سيمثل بكين في مراسم الجنازة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي الآسيوي أيضاً، يشارك نائب وزير الخارجية الهندي شري بابيترا، وحاكم ولاية بيهار سيد عطا حسنين في الجنازة، وفقاً لبيان رسمي صدر عن وزارة الخارجية الهندية.
كما سيتواجد في العاصمة الإيرانية اثنان من كبار مسؤولي حركة طالبان، هما نائب رئيس الوزراء الأفغاني ووزير الخارجية بالوكالة.
دلالات التشييع وتوترات المشهد الداخلي
وفي حين اعتبر آية الله محمد سعيدي، إمام صلاة الجمعة في قم، أن الإقبال الجماهيري سيكون "استفتاء آخر على الجمهورية الإسلامية"، يرى محللون أن هذه المظاهر تخفي وراءها هشاشة في الدعم الشعبي جراء العقود الطويلة من العقود الاقتصادية والقمع، إذ شهدت البلاد في كانون الأول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير الماضيين احتجاجات عارمة ضد التضخم ردد فيها المتظاهرون هتافات تطالب بموت خامنئي.
وتسود طهران اليوم أجواء من التوتر والهدوء تختلف تماماً عن جنازة مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني عام 1989، الذي تولى خامنئي الأب القيادة خلفاً له بعد أن قاد البلاد عبر محطات معقدة كالملف النووي وتوسيع النفوذ الإقليمي.
الرمزية الدينية وترقب ظهور مجتبى
في النظام الديني الإيراني، لم يكن خامنئي رئيساً للدولة وقائداً لحركة ثورية فحسب، بل كان أيضاً ممثلاً للإمام الغائب، وهو الإمام الثاني عشر الذي يقول الشيعة إنه اختفى في القرن التاسع.
ويُعد مقتل خامنئي في هجوم للأعداء نموذجاً يرسخ التقاليد الشيعية في الاستشهاد والحداد، حيث تُقام مسيرات يشارك فيها شيعة متشحون بالسواد، يجلدون فيها صدورهم وظهورهم خلال احتفالات دينية سنوية، وتتجلّى هذه الرمزية القوية في الرايات السوداء المُعلقة في شوارع المدينة منذ وفاته، وفي مراسم الحداد التي تستحضر وفاة الإمام الحسين، ثالث أئمة الشيعة.
واليوم الخميس، يعلق العمال ملصقات جديدة في طهران تُعلن الدعم للقائد الجديد مجتبى، مع صور خامنئي الراحل وقبضة ثورية مرفوعة في الخلفية.
ولم يظهر مجتبى، الذي أصيب بجروح خطيرة في الهجوم الذي أودى بحياة والده، في أي صور جديدة منذ بدء الحرب، وسط مزاعم رسمية بتعافيه.
بالنسبة لأنصار الجمهورية الإسلامية، فإن الحديث عن الاستشهاد ليس مجرد كلام، حيث قال محسن (24 عاماً)، وهو عضو في قوات الباسيج في طهران طلب عدم ذكر اسم عائلته: "هذه أصعب أيام حياتي، لا أتذكر وقت وفاة الإمام الخميني، لكن والدي يقول إن البلاد بأكملها كانت غارقة في الحزن والحداد، واليوم أيضاً، الناس في حزن، خصوصاً مع استشهاد قائدنا".
الخطة الزمنية للجنازة
وسيقدم مسؤولون وشخصيات أجنبية بارزة، من بينهم شخصيات من روسيا والصين، التعازي في فعاليات يوم الجمعة.
ويوم السبت، سيُنقل جثمان خامنئي إلى أحد مساجد طهران في أول محطة من جولة جنائزية في أنحاء الوطن، وسيُحمل جثمان ابنته وزوجها وحفيدته، بالإضافة إلى أرملة الزعيم الجديد ابنه مجتبى، الذين قُتلوا جميعاً في نفس الغارة، إلى جانب الجثمان.
وتزامناً مع الفعاليات، تقدم الفنادق خصومات بنسبة 50 في المئة، وتم تجهيز المدارس والمساجد والصالات الرياضية لاستقبال المشيعين، كما تم تحويل مسارات الحافلات والقطارات لخدمة الفعاليات الرئيسية.
وبعد ما تصفه السلطات بموكب جنائزي ضخم في وسط طهران يوم الاثنين، سيُنقل الجثمان إلى مدينة قم، مقر الحوزات العلمية ومركز القيادة الشيعية، لإقامة مراسم يوم الثلاثاء.
ثم تُقام مراسم أخرى في مدينتي النجف وكربلاء العراقيتين يوم الأربعاء بحضور شخصيات بارزة من شبكة الوكلاء الشيعية، وسيُدفن يوم الخميس، بعد موكب جنائزي آخر، في مشهد بالقرب من ضريح الإمام الرضا ذي المكانة المرموقة في إيران.
وستشدد الإجراءات الأمنية، مع فرض قيود مؤقتة على المجال الجوي فوق طهران ومدن أخرى، وتهديدات برد قوي إذا استأنفت الولايات المتحدة أو إسرائيل الهجمات.




