ما بعد الاتفاق الإطاري: تجدد للحرب أم مخاض أخير نحو التسوية؟

ملاك عبد اللهالأربعاء 2026/07/01
Image-1782812109.Jpg غيتي
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لكلّ فيلمٍ لحظة ذروة. نقطةٌ يبلغ فيها التوتّر أقصاه قبل أن ينكسر القوس في اتجاهٍ أو آخر. والمنطقة التي تشتعل بأسرها منذ صبيحة السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 يبدو كأنها تقف اليوم عند ذروتها. من غزة، إلى حرب لبنان إلى سقوط الأسد وانقطاع طرق الإمداد، إلى حرب الاثني عشر يوماً على إيران إلى الحرب المشتركة الأميركية الإسرائيلية في 2026، كان القوس يُشدّ ويُشدّ. الآن، عند أقصى مدى في سحب السهم، يقف سيّد البيت الأبيض ممسكاً بطرفه، وهو ينظر بعين الحذر إلى نتنياهو. خياران أمامه: أن يطلق السهم نحو جولة حربية جديدة، أو أن يرخي القوس بسلامٍ يكتب اسمه عليه.
تتكثّف الذروة عادةً في لحظة الإنهاك. وحين تتساوى الأطراف في التعب، يصبح ما كان مستحيلاً بالأمس ممكناً اليوم. ستنضج عند هذه اللحظة فرصة ترامب لتحقيق معادلته الأثيرة "الحرب لأجل السلام" وتطبيق شعارات حملته الانتخابية بأنه جاء ليصنع السلام لأول مرة في الشرق الأوسط. فهل يلتقط صانع الصفقات اللحظة أم تبدّدها مساعي نتنياهو في جولةٍ أخرى من النار؟

 

حين تتصارع الأيديولوجيات حتى الإنهاك

يمتد عمق الذروة التي وصل الواقع إليها إلى سياقٍ أكبر، أُحرِقت فيه المشاريع الكبرى في المنطقة في العقدين الأخيرين واحداً تلو الآخر. تصارعت أوّلاً السنّية السياسية مع الشيعية السياسية، في موجةٍ مذهبية امتدّت من العراق إلى سوريا واليمن، وخرج الطرفان منها منهَكين. ثمّ بلغ الصراع طوراً أحدث مع اشتباك الأيديولوجيا الصهيونية بالأيديولوجيا الإسلامية الشيعية وجهاً لوجه وبلا وسطاء، في حربٍ مباشرة على إيران. لا الصهيونية حقّقت حلمها بكسر إيران نهائيّاً، ولا الجمهورية الإسلامية حقّقت وعدها بزوال إسرائيل. وصل كلٌّ إلى سقفه. تجربة ليست جديدة في التاريخ الحديث حيث لم تمُت الأيديولوجيات الكبرى في لحظة هزيمة، لكنها ذبلت حين بلغت ذروتها، واكتشفت عندها أنّها لا تستطيع أن تتجاوزها. هكذا كان مع المدّ القوميّ بعد العام 1967، ومع مشاريع الإسلام السياسيّ بعد 2013، وها هو يتكرّر اليوم مع مشروعَي "زوال إسرائيل" و"حلم إسرائيل الكبرى" معاً. كلاهما بلغ أقصى ما يستطيع، فارتطما بمخرجات الواقع، حيث لا طهران قادرة على محو دولةٍ نوويّة مدعومةٍ من أعظم قوّة، ولا تل أبيب قادرة على إخضاع أمّةٍ من تسعين مليوناً بالقصف. وحين تكتشف الأيديولوجيا حدودها، سيبدأ زمن السياسة. وزمن السياسة هذا هو بالضبط ما يستطيع "صانع السلام" أن يقطفه.

 

إسرائيل: من الذروة إلى دفع الأثمان

ما يجري على إسرائيل اليوم دليلٌ واضحٌ على ما تعنيه الذّروة كذلك. فقد تسلّقت إلى قمّة قوّتها العسكرية بعد أن ضربت إيران في عمقها، حتى أعلن نتنياهو أنّها "لم تعد تشكّل خطراً وجوديّا". لكنّ القمّة التي بلغتها إسرائيل كانت لحظة الحدّ الذي سينحدر القوس بعدها. ذروة كفيلة لأن تدفع الأثمان بعدها، سواء في علاقتها مع واشنطن التي أقصتها عن طاولة التفاوض وتراجع تأثيرها على قرارها، أوفي صورتها أمام عالمٍ ضاق ذرعاً بالحرب وبمشاهد الإبادة التي تكشّفت، أو في أهداف الحرب التي لم تتحقّق أصلاً. 
الأعمق من ذلك أنّ إسرائيل خرجت من حربها وقد انكشف حدّان لطالما أخفتهما. الأوّل وهو حدّ قوّتها العسكرية التي تُشعل ولا تُطفَأ، والثاني هو حدّ استقلالها الذي تبيّن أنّه مرهونٌ بوصاية من واشنطن. في الصحف العبرية مقالات راهنة تصف تراجع تأثير إسرائيل على القرار الأميركيّ، وحجم "الإذلال الاستراتيجي"، وأنّها وجدت نفسها تطلب ضمانات بدل أن تفرض شروطاً. ولهذا، وللمفارقة، فإنّ حلّاً أميركيّ الضمانة قد يتيح لترامب أن يسوّقه من زاوية حفظ ماء وجه إسرائيل. ولهذا أيضاً، تحاول إسرائيل أن "تنتزع" سيادتها عبر فواعل محلية لبنانية من شأنها أن تقطع الطريق على أي مسار ترامبي آخر.

 

ترامب وإغراء التصعيد

يحاول نتنياهو أن يحشر ترامب. لكنّ هذا الأخير سيدرك هذه المرة لو سولت له نفسه بإغراء تصعيدٍ جديد أن أيّ جولةٍ جديدة من الحرب ستكون مقامرة غير مضمونة أبداً، وقد تكون فخّاً يبتلع رصيده. فالموقف الخليجيّ سينقلب ضدّ ترامب أكثر مع كلّ تصعيد، وقد ظهر ذلك جليّاً في تعثّر مشروعه المتعلّق بتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية، إذ لا شهية راهنة لعواصم الخليج لتطبيعٍ جديد، والدرس المستجدّ عندها من كل ما جرى أن الطريق إلى "جوهرة تاج" ترامب صارت تمر عبر رام الله وغزة أكثر من أي وقت مضى. ولن يبقى لترامب من خيار عمليّ ومصلحي مفيد إلا السعي نحو مزيد من التهدئة وتنصيب نفسه رجل السلام الأول. وما يجعل هذه اللحظة بالذات استثنائية في عين ترامب أنّها قد تتيح له أن يصورها بكونها ظرفاً مثالياً لإعادة بناء علاقاتٍ إقليمية ودولية جديدة من موقعٍ لا يقدّمه كخاسر. بل ستصوّر إعلانه للنصر كما ادعاء خصمه بأنه انتصر واقعاً يعزّز مساعي سلام الممكنين لا سلام المنتصرين، وهذا شرطٌ لا غنى عنه لأيّ صفحةٍ جديدة بين أعداء. حين لا يخرج أحدٌ مهزوماً بالكامل، فيصير بمقدور الجميع أن يقبلوا بالجلوس إلى طاولةٍ واحدة. طاولة يحاول ترامب من خلالها أن يحفظ أمن إسرائيل من دون أن يستنزفها في حروبٍ بلا نهاية، وأن يُكمل الاتفاقات الإبراهيمية بطريقة جديدة يحاول أن يُكسِبها نوعاً من الشرعية التي عجزت عنها صفقات الإكراه، بعد أن يدخلها عبر زاوية من زوايا الحق الفلسطيني، أو عبر هدنة مع لبنان ترفع حالة الاستنفار على أمن إسرائيل الحدودي. هو ترتيب ترامبي جديد يمكن تخيّل ملامحه عبر تطبيعٌ سعودي إسرائيلي مشروط بأفق فلسطيني، يمنح الخليج الغطاء الذي يحتاجه ويمنح إسرائيل أمناً معترَفاً به، ومنظومة أمن إقليمية تُبقي إيران محتواةً غير منفرط عقدها كما يبقيها باباً للاستثمار الاقتصادي، بالإضافة إلى إعادة إعمارٍ لغزة ولبنان والجنوب من شأنها أن تحوّل وقف النار إلى مصلحةٍ يصعب التراجع عنها. توازن معين في لحظة ذروة قد يجد ترامب نفسه محتاجاً له ليصنع "سلاماً" يُطوّع فيه الجميع نوعاً ما في سياق إطار جديد، على عكس أي هدنةٍ تُفرَض من موقع الغلبة وتبقي المهزوم منتظراً ساعة الثأر. وبالتالي قد يحوّل ترامب القوّة التي استعرضها إلى رافعةً نحو تسوية، لا سيما بعد أن أدرك أنها لم تحقق له أهدافه. ولئن حدث ذلك، فقد يكتب لنفسه أن يحوّل أعنف لحظةٍ في المنطقة منذ عقود إلى بداية ترتيبٍ جديد. وترامب، بمزاجه المتقلّب ونزقه المعروف، هو وحده من يملك أن يرجّح الكفّة. مأساة أن يكون مصير المنطقة معلّقاً بمزاج رجل، لكنها فرصة أنّ هذا الرجل، إن شاء، يستطيع أن يهدئ نيران الحرب.

 

العقبة الكبرى: هل يعتقد الجميع أن الذروة قد حانت؟

على أن كل ما سبق يبقى رهناً بفرضية "الذروة" التي قد لا يعتبر جميع الأطراف أنهم معنيون بالقدر نفسه بها.  فنتنياهو يرى أن ما تحقق حتى الآن ليس ذروة المشروع، وأنّ الفرصة التاريخية لإعادة تشكيل الإقليم لم تُستنفد بعد، وأنّ أي تسوية الآن قد تحرمه من استثمار نتائج الحرب إلى أقصى حدّ ممكن. وفي المقابل، قد تنظر طهران إلى ما جرى بوصفه مرحلة صمود لا مرحلة إنهاك، وترى أنّ قدرتها على البقاء بعد كل الضربات دليل على أنّ الزمن لا يزال يعمل لمصلحتها، وأنّ التسرّع في تسوية كبرى قد يبدّد أوراقاً ما زالت تمتلكها. كذلك، لا تبدو معضلة ترامب محصورة بإقناع إسرائيل أو إيران فحسب، بل تمتد أيضاً إلى الداخل الأميركي نفسه. فالرجل الذي قد يرغب في تحويل الحرب إلى سلام يحتاج أولاً إلى بناء توافق داخل واشنطن يسمح له بذلك. وإلا فإنّ أي مشروع تسوية قد يجد نفسه محاصراً بضغوط المؤسسات والقوى السياسية التي ترى في استمرار الضغط وسيلةً لتحقيق مكاسب إضافية.. 
وعليه، لا يكفي أن يرى ترامب اللحظة فرصةً لإنهاء الحرب، بل يحتاج أيضاً إلى أن يقتنع اللاعبون الآخرون بأنّ كلفة مواصلة الصراع باتت أعلى من كلفة التسوية. وهذه ليست معادلة محسومة!

 

العقدة اللبنانية

لكنّ لبنان يبقى العقدة الأكثر حساسية في هذا المشهد. فالمسار الذي فُتح تحت عنوان "الاتفاق الإطاري" منح إسرائيل هامشاً أوسع للاستمرار في الضغط العسكري والأمني داخل الأراضي اللبنانية. والخطر لم يعد محصوراً باستمرار الاحتلال الجزئي، بل بانتقال الصراع من مواجهة إسرائيل إلى مواجهة لبنانية لبنانية، حيث يصبح السلاح بنداً يُراد حسمه تحت وطأة الضغوط الخارجية لا عبر تفاهم داخلي.
غير أنّ هذا السيناريو لا يبدو مفتوحاً بلا ضوابط. فالدول العربية لا تبدو معنية بولادة حرب أهلية جديدة في لبنان. مثل هذا الانفجار لن يفتح الباب أمام استقرار يسمح بمشاريع التكامل الاقتصادي التي تراهن عليها المنطقة، بل سيمنح إسرائيل فرصة لتعميق نفوذها الأمني والسياسي في المشرق، ويعيد إنتاج بؤرة فوضى تستنزف الجميع. وفي المقابل، تبدو واشنطن، إذا كانت جادة في تحويل إنجازها العسكري إلى تسوية سياسية، أقل رغبة في رؤية حرب جديدة تنسف أي تفاهم إقليمي محتمل، فيما لا تزال طهران معنية بتقويض المخططات الإسرائيلية في لبنان إدراكاً منها أن أي انفجار جديد قد يفضي إلى مزيد من استنزاف حزب الله في لحظة تسعى فيها إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة من موقع قوة. 
عند تقاطع هذه المحاذير العربية والأميركية والإيرانية، قد يجد نتنياهو نفسه أمام هامش أضيق لشن حرب تقليدية واسعة. لكن تضييق هامش الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع. فقد يدفع ذلك إسرائيل إلى تعديل أدواتها، بحيث تنتقل من الحروب المباشرة إلى حروب أكثر خفاءً: تعظيم الانقسامات الداخلية، واستثمار الأزمات الاقتصادية والسياسية، وتحويل ساحات محور إيران إلى ميادين استنزاف ذاتي، بحيث يؤدي الداخل ما تعجز الحرب عن تحقيقه. عندها، لا يعود المطلوب إسقاط الخصم بضربة عسكرية، بل إنهاكه من الداخل، ودفعه إلى تفكيك نفسه بنفسه.
لذلك ستصبح المعضلة الأساسية هي في ماهية الشكل الجديد للصراع الذي ستنحى إليه الأمور. فالحروب الكبرى قد تكون بلغت ذروتها، لكن حروب التفكيك البطيء، التي تُدار بالأزمات والانقسامات والضغوط السياسية والاقتصادية، قد تكون هي الفصل التالي من الصراع الإقليمي!

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث