دخلت ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز مرحلة جديدة من التعقيد، مع بروز ثلاثة مسارات بحرية متنافسة لعبور السفن التجارية، في وقت يتزايد فيه التباين بين ما نص عليه اتفاق وقف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وما يجري ميدانياً داخل المضيق، وسط تحذيرات من شركات الشحن وخبراء الملاحة من أن الغموض الحالي يهدد بإطالة أمد الاضطراب في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويضع أول اختبار عملي للاتفاق الذي أنهى المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يربط الخليج بخليج عُمان ثم بحر العرب، ويعبر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، إضافة إلى ما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة داخله ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية.
إعادة فتح المضيق لا تعني التخلي عن إدارته
وينص اتفاق وقف الحرب بين واشنطن وطهران على أن تبذل إيران "أفضل جهودها" لضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، وهو ما شكّل أبرز التنازلات الإيرانية في الاتفاق، بعد أن كانت حرية الملاحة إحدى أبرز نقاط الخلاف خلال الحرب.
لكن إعادة فتح المضيق بالنسبة لطهران لا تعني التخلي عن دورها في إدارته، إذ تضمّن الاتفاق بنداً ينص على أن تعمل إيران وسلطنة عُمان معاً على "تحديد الإدارة المستقبلية" للمضيق، وهو ما منح إيران دوراً رسمياً في تنظيم حركة الملاحة، وفق "CNN".
وفي المقابل، رفض الحرس الثوري الإيراني أي ممرات بحرية لا توافق عليها طهران، واعتبرها "غير مقبولة". كما حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أي "ترتيبات موازية" لإدارة الملاحة، مؤكداً أن أي تدخل أو محاولة لإنشاء ترتيبات بديلة "لن تؤدي إلا إلى تعقيد الوضع وزيادة التوتر وتأخير إعادة فتح هذا الممر الحيوي"، في إشارة إلى المسارات التي بدأت بعض السفن باستخدامها بعيداً عن الإشراف الإيراني.
ويستند الخلاف الحالي أيضاً إلى تفسيرات مختلفة للقانون الدولي. فبينما تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 على حق "المرور العابر" في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، بما يضمن استمرار حركة السفن والطائرات دون عرقلة، تؤكد إيران أنها ليست طرفاً في الاتفاقية، وترى أن تنظيم الملاحة في المضيق يجب أن يراعي سيادة الدول المشاطئة واعتباراتها الأمنية، في حين تعتبر الولايات المتحدة ومعظم القوى البحرية أن حرية المرور في المضائق الدولية أصبحت جزءاً من القانون الدولي العرفي، ولا تتوقف على الانضمام إلى الاتفاقية.
وفي هذا السياق، كانت إيران وسلطنة عُمان قد أعلنتا، قبل أيام، عقد الاجتماع الأول للجنة هرمز المشتركة، التي شُكلت عقب التفاهم الأميركي الإيراني، لبحث آليات إدارة المضيق وتنسيق الملاحة والخدمات البحرية، في خطوة تعكس بدء تنفيذ البند المتعلق بالإدارة المشتركة للممر المائي.
ثلاثة مسارات تتنافس
وتشكّل داخل المضيق، الذي يبلغ عرضه نحو 21 ميلاً "34 كيلومتراً" في أضيق نقطة، ثلاثة ممرات ملاحية مختلفة، تتنافس جهات عدة على تنظيم العبور عبرها، وهو واقع غير مسبوق منذ عقود.
ويتمثل المسار الأول في المسار الجنوبي الممتد بمحاذاة المياه الإقليمية العُمانية، والذي أصبح الخيار المفضل لعدد متزايد من السفن الراغبة في تقليل الاحتكاك مع السلطات الإيرانية. ويعتمد هذا الطريق على الإبحار بمحاذاة الساحل العُماني، مستفيداً من المياه الواقعة ضمن نطاق السيادة العُمانية، في محاولة لتقليل فرص الاحتكاك مع الدوريات الإيرانية، رغم أن السفن تبقى داخل نطاق المضيق وتخضع لمتطلبات السلامة الملاحية المعمول بها.
أما المسار الأوسط فهو الطريق التقليدي الذي كانت تستخدمه السفن قبل اندلاع الحرب، ويقع في وسط المضيق ضمن ممرات الملاحة الدولية التي اعتمدتها المنظمة البحرية الدولية، وكان يشكل الطريق الرئيسي لعبور ناقلات النفط وسفن الحاويات بين الخليج العربي وخليج عُمان.
وفي المقابل، يقع المسار الشمالي بمحاذاة الساحل الإيراني، وتفرض إيران إشرافاً مباشراً عليه من خلال قوات الحرس الثوري والبحرية الإيرانية، وتعتبره طهران المسار الذي ينبغي أن تستخدمه السفن وفق الترتيبات الجديدة التي أعقبت الاتفاق مع الولايات المتحدة، وهو ما جعل هذا الطريق محور الخلاف مع شركات الملاحة وبعض الدول الغربية.
ولا يرتبط ظهور هذه المسارات الثلاثة بتغييرات جغرافية داخل المضيق، وإنما باختلاف الجهات التي تسعى إلى تنظيم حركة العبور بعد الاتفاق، إذ تتمسك إيران بضرورة استخدام الممرات التي تعتمدها، بينما تحاول بعض السفن وشركات الشحن استخدام مسارات أقرب إلى السواحل العُمانية لتجنب أي إجراءات أو تعليمات تصدرها السلطات الإيرانية، الأمر الذي خلق واقعاً ملاحياً جديداً داخل أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم.
وأدى وجود هذه المسارات الثلاثة إلى وضع شركات الملاحة أمام خيارات معقدة، في ظل اختلاف الجهات التي تشرف على كل ممر، وعدم وجود آلية دولية موحدة لتنظيم العبور.
ونقلت "CNN" عن الرئيس التنفيذي لشركة "Marisks" للاستشارات البحرية، ديميتريس مانياتيس، قوله إن "كل هذا يسبب ارتباكاً كبيراً للملاحة الآمنة"، مضيفاً أن "البيئة الحالية شديدة الخطورة"، في ظل تعدد الجهات التي تصدر التعليمات للسفن داخل المضيق.
السفن تتجه إلى الطريق العُماني
وتشير البيانات إلى أن عدداً متزايداً من شركات الشحن بدأ يفضل استخدام المسار الجنوبي القريب من سلطنة عُمان، في محاولة لتقليل الاحتكاك مع القوات الإيرانية وتجنب التعقيدات المرتبطة بالمسار الذي تشرف عليه طهران.
ووفق بيانات شركة "Windward" المتخصصة في الاستخبارات البحرية، عبرت، الخميس، 18 سفينة إلى داخل الخليج و45 سفينة خارجه، فيما استخدمت أكثر من نصف السفن المغادرة الخليج الطريق الجنوبي بمحاذاة السواحل العُمانية، في مؤشر على تغير سلوك شركات الملاحة منذ دخول اتفاق وقف الحرب حيز التنفيذ.
كما أظهرت بيانات خدمة تتبع السفن "MarineTraffic" أن عدداً من السفن التجارية الكبيرة، بينها ناقلتا نفط وناقلتا غاز طبيعي مسال وسفينة حاويات، استخدمت هذا المسار خلال الأيام الأخيرة أثناء توجهها إلى موانئ الخليج، في وقت تواصل فيه شركات الشحن تقييم المخاطر الأمنية والسياسية لكل طريق.
ورغم تزايد استخدام الطريق العُماني، لم تعلن سلطنة عُمان اعتماد ممر ملاحي بديل بصورة مستقلة، بل تؤكد، في مواقفها الرسمية، التزامها بضمان انسياب الملاحة وفق القانون الدولي، فيما تواصل، بالتنسيق مع إيران، أعمال اللجنة المشتركة المكلفة ببحث آليات إدارة المضيق وتنظيم الخدمات الملاحية في إطار التفاهمات الأخيرة.
التهديدات الإيرانية والعقوبات الأميركية
لكن شركات الملاحة تجد نفسها عالقة بين مخاطر متعارضة، فإذا اختارت السفن المرور عبر المسارات غير المعترف بها من قبل إيران، فإنها تخشى التعرض لاعتراض أو هجمات من قوات الحرس الثوري، في ظل استمرار انتشار الزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والمخاوف من الألغام البحرية.
أما إذا استخدمت السفن المسار الذي تشرف عليه إيران، فإن شركات الشحن تخشى أن تواجه مستقبلاً عقوبات أميركية إذا انهار الاتفاق بين واشنطن وطهران أو أعادت الولايات المتحدة فرض قيود على التعامل مع إيران، وهو ما يجعل اختيار طريق العبور قراراً سياسياً لا يقل تعقيداً عن القرار الملاحي.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة "Marisks" للاستشارات البحرية، ديميتريس مانياتيس، لشبكة "CNN"، إن شركات الشحن العالمية تتجنب التعامل المباشر مع إيران خشية التعرض لعقوبات أميركية مستقبلاً، مشيراً إلى أن الإدارات الأميركية كانت قد لوحت سابقاً بإمكان فرض عقوبات على أي رسوم أو مدفوعات تقدم للنظام الإيراني مقابل عبور السفن.
وكانت إيران قد طالبت في بداية المفاوضات بفرض رسوم على السفن العابرة، قبل أن تعلن لاحقاً أنها لن تفرض رسوماً مباشرة في المرحلة الحالية، لكنها تعتزم استيفاء مقابل للخدمات البحرية وفرض ضريبة بيئية جديدة على السفن، وهو ما أثار تحفظات لدى عدد من الدول العربية المصدرة للنفط والحليفة للولايات المتحدة.
وفي المقابل، تؤكد الولايات المتحدة أن الاتفاق يهدف إلى ضمان حرية الملاحة وعدم تعطيل حركة التجارة العالمية، وتتمسك برفض فرض رسوم إلزامية على عبور السفن، فيما لا تزال تفاصيل الإدارة النهائية للممرات البحرية موضع تفاوض بين الأطراف.
ارتفاع تكاليف التأمين وتعليق الإجلاء
وأوقفت المنظمة البحرية الدولية، عقب الهجوم الذي استهدف سفينة الحاويات السنغافورية "Ever Lovely" بطائرة مسيّرة، عملية الإجلاء المنسقة التي كانت تشرف على خروج أكثر من 500 سفينة تجارية تقل أكثر من 11 ألف بحار من الخليج، إلى حين اتضاح الصورة الأمنية، فيما أكد خبراء ملاحة أن أربع سفن على الأقل عادت أدراجها بعد تزايد المخاطر.
ورغم انخفاض عدد الهجمات مقارنة بفترة الحرب، لا تزال أقساط التأمين عند مستويات مرتفعة، إذ يدفع ملاك ناقلات النفط العملاقة أكثر من مليون دولار لتأمين السفينة الواحدة ضد أخطار العبور في مضيق هرمز.
وأوضح محلل أسواق الشحن في شركة "Kpler"، ماثيو رايت، أن شركات التأمين تشترط حالياً تحديد المسار الذي ستسلكه كل سفينة قبل إصدار وثائق التأمين، لأن مستوى المخاطر يختلف من ممر إلى آخر، وهو ما يزيد الأعباء التشغيلية على شركات النقل البحري، وفق"CNN".
وأضاف أن الوضع لا يعني العودة إلى نقطة الصفر، لكنه يؤكد أن المنطقة لا تزال تعيش مرحلة وقف إطلاق النار الممتدة ستين يوماً، وليس مرحلة استقرار كامل، محذراً من أنه إذا لم تُحل الخلافات بحلول منتصف آب/أغسطس، فقد تتحول الممرات الثلاثة إلى مسارات تُستخدم بصورة أكثر فوضوية وأقل أماناً.
اختبار حاسم للاتفاق
ويرى خبراء الملاحة أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل الحركة عبر مضيق هرمز، مع استمرار المفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن آليات الإدارة المشتركة، وفي ظل ترقب شركات الشحن لما ستسفر عنه المشاورات الأميركية الإيرانية حول التطبيق العملي لبنود الاتفاق.
ورغم بدء بعض السفن استئناف رحلاتها عبر المضيق، ترى شركات إدارة المخاطر البحرية أن الفجوة لا تزال كبيرة بين ما تم الاتفاق عليه سياسياً وما يجري عملياً في المياه، فيما يفضل كثير من ملاك السفن انتظار فترة أطول من العبور الآمن قبل إعادة حركة الملاحة إلى مستوياتها التي كانت قائمة قبل الحرب.
ويشير ذلك، بحسب خبراء النقل البحري، إلى أن نجاح اتفاق وقف الحرب لن يقاس فقط باستمرار وقف إطلاق النار، بل أيضاً بقدرة الأطراف على التوصل إلى آلية واضحة ومتفق عليها لإدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بما يضمن حرية الملاحة ويحد من مخاطر الاحتكاك العسكري أو الاضطرابات التجارية مستقبلاً.




