تسارعت في الأيام الماضية قرارات الحجز على أموال وأصول شخصيات سياسية واقتصادية بارزة ارتبطت بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، في خطوة تزامنت مع تصاعد حدة الخطاب الداخلي جراء ما يصفه الشارع السوري بـ"التراخي" في ملف محاسبة أزلام النظام، والتأخر في مسار العدالة الانتقالية، وملف إعادة الإعمار.
توسع دائرة الحجوزات
وجاءت القرارات من وزارة المالية السورية بطلب من "لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا". وشملت إجراءات الحجز الاحتياطي على الأموال ومنع سفر أسماء بارزة، بينها رئيس الوزراء السابق وائل الحلقي، ونواف البشير، وفرحان المرسومي، ومدلول العزيز، وآخرون متهمون بالإثراء غير المشروع من خلال صلاتهم بالنظام المخلوع.
وقال مصدر سوري لـ"المدن"، إن دائرة الحجوزات توسعت خلال اليومين الماضيين لتشمل أسماءً انطفأ الحديث عنها وعن علاقاتها المشبوهة مع شخصيات نافذة في النظام المخلوع، أبرزها الرئيس السابق لمجلس مدينة الكسوة في ريف دمشق، عبد العزيز الأصفر، الذي كان يرتبط بعلاقة وثيقة مع رجل المخابرات البارز بالنظام رستم غزالي، الذي لقي مصرعه في ظروف غامضة في العام 2015.
ويشير إدراج الأصفر، المعروف بأنه شريك تجاري في مشاريع عائدة لغزالي، بينها مستشفى "الأماني" في الكسوة، إلى أن تحقيقات "لجنة الكسب غير المشروع" متجهة لتشمل أسماءً غاب الحديث عنها بسبب وقوعها سابقاً في دوامة صراعات أجنحة المخابرات في النظام المخلوع؛ إذ إن الأصفر قضى أكثر من عام في سجن عدرا المركزي، وقبلها في عدة أفرع أمنية قبل العام 2020، لصلاته بمشاريع غزالي الاقتصادية.
قائمة لآلاف الأسماء
إضافة إلى ذلك، تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي قائمةً تضم أكثر من 3 آلاف و500 شخص، و70 شركة، أصدرت "لجنة مكافحة الكسب غير المشروع" قرارات بتجميد أصولهم، ورفعت التجميد عن بعضها. وتظهر القائمة أن القرارات بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2025 وتواصلت حتى 22 حزيران/يونيو الجاري.
وحذّرت "اللجنة" في بيان نقلته وكالة "سانا" من أن نشر القائمة يعرض للمساءلة القانونية، موضحةً أن الإجراءات التحقيقية والمالية التي تقوم بها لا تزال في كثير من الحالات ضمن مراحل الدراسة والتدقيق والتحقق، وأن مجرد ورود اسم شخص أو شركة أو مؤسسة في ملف قيد التحقيق لا يشكل حكماً أو إدانة أو دليلاً على ثبوت أي مخالفة أو كسب غير مشروع.
وقال مصدر مقرب من اللجنة لـ"المدن"، إن قرارات الحجوزات ستتوسع خلال الفترة المقبلة لتشمل أسماء وشركات ارتبطت بشبكات اقتصادية شكلت العمود الفقري المالي والسياسي للحقبة السابقة، بالتزامن مع جهود للوصول إلى تسويات مالية مع هذه الشخصيات.
وأوضح أن القرارات تحمل رسالة مزدوجة، تسعى في شقها الداخلي إلى ترميم الثقة الشعبية وإثبات جدية المحاسبة بعد الاحتجاجات الأخيرة، بينما تبعث في شقها الخارجي رسالة تطمين إلى المجتمع الدولي والدول المانحة بأن دمشق تعمل على قطع الصلة نهائياً مع البنى الفاسدة والشبكات الاقتصادية القديمة المتهمة بالكسْب غير المشروع، لتهيئة الأرضية لمرحلة إعادة الإعمار.
واللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع هي هيئة أُنشئت بعد سقوط نظام الأسد بهدف استرداد الأموال والأصول التي تعتبر الدولة أنها نتجت عن الفساد أو الإثراء غير المشروع، وملاحقة الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق.
وأُحدثت اللجنة بموجب القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025، وتتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، وفق ما ورد في موقعها الرسمي، ويرأسها حالياً المهندس باسل السويدان. وأثارت اللجنة نقاشاً واسعاً في سوريا بسبب التسويات التي أبرمتها مع رجال أعمال ارتبطت أسماؤهم بالنظام السابق، مثل محمد حمشو ووسيم قطان وآخرين؛ إذ يرى منتقدون أن بعض هذه التسويات قد تُفسَّر شعبياً على أنها تمنح "شرعية" لأشخاص استفادوا من الفساد، بينما تؤكد اللجنة أن الهدف هو استرداد أكبر قدر ممكن من الأموال العامة ضمن آليات قانونية سريعة.
رسالة ثنائية
وفي سياق القراءة السياسية لهذه الإجراءات، يرى المحلل السياسي فراس علاوي أن قرارات الحجز الاحتياطي الأخيرة تحمل رسالة ثنائية، معتبراً أنها تمثل أولى الخطوات العملية في مسار "العدالة الانتقالية" وإعادة هندسة المشهد السوري.
وأوضح علاوي في تصريحات لـ"المدن"، أن الجانب الأول من هذه الإجراءات يتضمن رسالة حاسمة للداخل السوري، تؤكد من خلالها السلطات أنها لم تغفل ملف المحاسبة بحق الرموز المرتبطة بالنظام المخلوع، خصوصاً الأذرع المالية للميليشيات والشخصيات التي أثرت خلال فترة الحرب، معتبراً أن تجميد واسترداد هذه الأموال يمثل ترضية للشارع السوري وإشارة إلى بدء مسار المحاسبة الفعلي.
أما الجانب الثاني، فيتمثل في إرسال رسائل واضحة إلى المجتمع الدولي والخارج بأن سوريا تسير وفق خطوات مدروسة وغير عشوائية في تطبيق آليات العدالة الانتقالية، وأنه يتم التعامل مع الأفراد ومحاسبتهم بناءً على تصرفاتهم ومصادر ثرواتهم، عبر تجميد الأصول وحظرها بشكل تدريجي وقانوني، مؤكداً أن تجريد رموز الحقبة السابقة خطوة ضرورية لأنها في حال بقائها ستشكل خطراً أمنياً أو سياسياً على استقرار الحكومة السورية الحالية ومؤسساتها.
من جهته، يربط المحلل السياسي درويش خليفة بين هذه الإجراءات القضائية المتسارعة وحالة الغليان التي تشهدها الشوارع السورية، معتبراً أن قرارات الحجز تندرج في إطار محاولات الحكومة الانتقالية لاحتواء الغضب الشعبي المتصاعد.
ولفت خليفة في حديث لـ"المدن"، إلى أن المظاهرات العارمة عمّت معظم المناطق السورية، بما في ذلك محافظة دير الزور التي تُعد حاضنة شعبية كبرى للسلطة الجديدة، وهو ما دفع الحكومة إلى الإسراع في اتخاذ خطوات حازمة مثل الحجز على أموال أزلام النظام السابق أو توقيفهم، والعمل على تسوية ملفاتهم المالية، خصوصاً أن الشارع السوري يدرك تماماً مصادر تلك الثروات غير المشروعة وكيفية الحصول عليها.
وحذّر المحلل السوري من أن السخط الشعبي بدأ يأخذ منحى تصاعدياً يتجاوز المطالب الأولية الداعية لمحمدة وتوقيف "الشبيحة" والحجز على ممتلكاتهم، كما نبّه إلى أن أي تراخٍ أو تأخير في الاستجابة لهذه المطالب قد يؤدي إلى توسع رقعة الاحتجاجات، ما سينعكس سلباً على صورة ومصداقية الحكومة.




