أصدرت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح بياناً بعد الاجتماع الثالث للجنة المركزية الجديدة الخميس الماضي، الذي جرى فيه توزيع المفوضيات الحركية على أعضائها، بظل استمرار مقاطعة العضوين الكبيرين محمود العالول وجبريل الرجوب للاجتماعات، احتجاجاً على الطريقة التي يدير بها الرئيس محمود عباس الحركة إثر تعيينه حسين الشيخ نائباً له، وبالتالي ترؤس اجتماعات اللجنة بغيابه بدلاً من العالول وتهديد منصب الرجوب نفسه كأمين سر لها، مع سيطرة المباشرة على الاعلام والمال والأمن والعلاقات الخارجية. وبالعموم سنتحدث عن أزمات فتح في مناسبة لاحقة، مع التركيز هنا على عبارة لافتة وردت بالبيان وجاءت غريبة عن السياق التنظيمي الداخلي، وتضمنت إشادة بالجهود السعودية في متابعة بعض القضايا من أجل استكمال التفاهمات الفلسطينية الأميركية السعودية، وهى أول مرة يتم فيها التطرق إلى شأن كهذا، بينما ركزت صحيفة "هآرتس" العبرية الجمعة، على الشأن نفسه باعتبار الانفتاح الأميركي المستجد على السلطة الفلسطينية بمثابة صفعة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفشل ذريع لسياسته، وتعبير عن قناعة إدارة دونالد ترامب باستحالة استبعاد وتجاهل السلطة، سواء في ترتيبات اليوم التالي للحرب بغزة أو القضية الفلسطينية بشكل عام، وسقوط أوهام توسيع الاتفاقيات الابراهيمية والتطبيع مع الدول العربية والاسلامية التي روج لها نتنياهو على قاعدة تجاهل القضية والسلطة والقيادة الشرعية أو الرسمية للشعب الفلسطيني.
القيادة الشرعية
بداية بالإمكان تأكيد ما ذكره بيان فتح، وثمة جهود سعودية مدعومة من الإطار الثماني العربي الإسلامي المنخرط بخطة دونالد ترامب، واتفاق وقف النار المنبثق عنها لإنهاء الحرب بغزة، ورسم معالم اليوم التالي لها بتجلياته المختلفة، ومواكبة القضية الفلسطينية وتطوراتها لتحسين العلاقات ووقف القطيعة الأميركية مع السلطة على قاعدة استحالة تنفيذ الخطة-الاتفاق بظل استبعاد السلطة، باعتبارها القيادة الشرعية وبالحد الأدنى الرسمية المعترف بها للشعب الفلسطيني.
في هذا السياق لابد من التذكير بالرفض العربي الإسلامي الواسع لتوسيع الاتفاقيات الابراهيمية والتطبيع مع إسرائيل دون إقامة دولة فلسطينية، وبالحد الأدنى خلق أفق وشق مسار سياسي لا رجعة عنه نحوها، بما في ذلك تطبيق كامل ونزيه ودقيق لاتفاق غزة ووقف كافة الممارسات الاستيطانية والتوسعية وخطط الضم بالضفة الغربية. قبلت الادارة الأميركية هذا المنطق العربي الإسلامي الصحيح حتى قبل الحرب الأخيرة مع إيران، وكانت مستاءة فعلاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي وسياساته، وما فضحه كتاب "نيويورك تايمز" الأخير صحيح لجهة غضب ترامب من نتنياهو وتوجيه الشتائم والاهانات له أثناء مساعي وقف إطلاق النار بغزة قبل تسعة شهور تقريباً.
مع الوقت فهم البيت الأبيض كذلك أن نتنياهو غير جاد في إنهاء الحرب في غزة والمنطقة حتى بعد قبوله خطة ترامب التي فرضت عليه، وأنه بات حجر عثرة أمام الاستقرار والسلام في فلسطين والمصالح الأميركية بمعناها الواسع في المنطقة.
لقاء أميركي فلسطيني
تظهر هذه المعطيات مجتمعة إن اسرائيل لم تعد مركزية في رسم السياسة الأميركية دون استبعادها تماماً من المشهد، لكن لم يعد بإمكانها فرض وجهة نظرها خصوصاً بعد حرب الإبادة بغزة والاستلاب للحربجية والخيارات العسكرية وانتهاك القرارات والاتفاقيات والتفاهمات بما فيها تلك التي قبلتها ووقعت عليها.
في هذا السياق كان قد عقد وبوساطة سعودية لقاء أميركي فلسطيني بعيداً عن الإعلام في العاصمة اليونانية أثينا منتصف نيسان/ أبريل الماضي، شهد مناقشة عدة ملفات سياسية واقتصادية وأمنية على قاعدة استئناف العلاقات مع السلطة، والدعم الأميركي لها، والنظر حتى في إمكانية إعادة افتتاح القنصلية الأميركية في القدس المحتلة.
تجب الإشارة إلى إن التفاهمات الفلسطينية الأميركية السعودية التي تطرق إليها بيان فتح تشمل القيام بإصلاحات جدية داخل السلطة، ومواصلة الحزمة الانتخابية الكاملة بما في ذلك التشريعية والرئاسية نهاية العام الجاري 2026 ومطلع القادم 2027، والعمل على استعادة أموال المقاصة الفلسطينية التي تحتجزها إسرائيل بشكل غير شرعي لتمويل بعض عمليات التعافي المبكر وإعادة الإعمار بغزة كما دعم ميزانية السلطة نفسها بالضفة الغربية.
استحالة استبعاد السلطة
في هذا السياق، كان قد جرى تأسيس مكتب ارتباط للسلطة بقيادة رئيس الوزراء محمد مصطفي مع الممثل السامي لمجلس السلام بغزة نيكولاي ميلادينوف، بموازاة قنوات اتصال مفتوحة يقودها نائب الرئيس حسين الشيخ مع عضو المجلس المتنفذ توني بلير، علماً أن مصادر السلطة كما أخرى عربية وإسلامية تتحدث عن قبول الثنائي ميلادينوف وبلير لحقيقة استحالة استبعاد السلطة من المشهد بغزة، واستحالة الوصول إلى أمن واستقرار وسلام دائم بالمنطقة دون التوصل إلى حل سياسي دائم يضمن حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
بالعودة الى ما ذكرته صحيفة "هآرتس" وبالسياق الإسرائيلي، فلا شك إننا أمام فشل ذريع لنتنياهو وانهيار سرديته كلها عن التطبيع والاتفاقيات الابراهيمية بمعزل عن القضية الفلسطينية. كما بدا لافتاً كذلك انتقاد الصحيفة العبرية المعارضة الاسرائيلية وعدم امتلاكها رؤية متماسكة تجاه القضية الفلسطينية بل وتماهيها مع سياسة نتنياهو الفاشلة والساقطة والتي عزلت الدولة العبرية إقليمياً ودولياً.
في الأخير يفترض أن تمثل المعطيات السابقة حافزاً للمضي قدما في الإصلاحات الفلسطينية بأجندة وطنية صرفة وترتيب البيت الداخلي على أسس صحيحة شفافة ونزيهة والذهاب الى الحزمة الانتخابية الكاملة لاختيار قيادة جديدة جديرة بتمثيل الشعب الصامد والعنيد والدفاع عن مصالحه وحقوقه المشروعة بينما وللأسف يتصرف "التسعيني" محمود عباس وفريقه بالاتجاه المعاكس حزبياً ووطنياً ولا يعي إنه باستئثاره واستبداده وتشبثه المقيت بالسلطة قد يبدد كل المتغيرات الإقليمية والدولية لمصلحتنا وحتى التضحيات الهائلة للفلسطينيين على مر الزمن.




