تشهد الساحة السورية بعد سقوط نظام الأسد تحولات جذرية على صعيد التحالفات، أهمها تصاعد النفوذ التركي، بموافقة سورية ودعم أميركي ودولي، الأمر الذي وسّع الفجوة بين أنقرة وتل أبيب وزاد من حدة التوتر، بسبب المخاوف الإسرائيلية من تشكّل محور إقليمي جديد يحدّ من حريتها في الحركة، ويقيد تفوقها العسكري. وفي خضم هذا الخلاف وجدت دمشق نفسها لاعباً أساسياً بين المحورين، فكيف سيكون الدور السوري في صراع يتنامى، وربما يصل حد الصدام؟
مكاسب محفوفة بالخطر
الدعم التركي للثورة السورية وكياناتها خلال السنوات الماضية، تُرجم على شكل مكاسب داخل سوريا بعد سقوط نظام الأسد، عبر استثمارات اقتصادية، ثقافية، وكذلك عسكرية، حيث تمثلت الأخيرة باتفاقية تعاون دفاعي موقّعة منتصف تموز/ يوليو 2025، رداً على الضربات الإسرائيلية على سوريا، التي خلفت عدداً من القتلى من جنود الجيش التركي، وهذا ما رفع سقف التصريحات التركية التي تؤكد أن أمنها من أمن سوريا، وهي ما اعتبرها مراقبون رسالة واضحة بأن أنقرة لن تتوانى عن ضرب المشروع التوسعي الإسرائيلي في المنطقة.
ويقول المحلل السياسي المتخصّص بالشأن التركي طه عودة أوغلو، لـِ "المدن"، إن "التوغل الإسرائيلي بعد إسقاط نظام الأسد كان واضحاً بشكل كبير، وهدفه خلط الأوراق على الساحة السورية، ودعم المشاريع الانفصالية، وهذا بحد ذاته يقلق الجانب السوري وكذلك التركي".
وأضاف عودة أوغلو أن "مخاوف أنقرة فيما يتعلق بسوريا بالدرجة الأولى، هي مخاوف أمنية، خصوصاً تلك المتعلقة بدعم الأكراد، التي تُعتبر الهاجس الأمني الأكبر بالنسبة لتركيا، وأيضاً الضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، التي تهدف إلى تحويل الجغرافية السورية إلى بؤرة من عدم الاستقرار، وهو ما لا تريده أنقرة، لأنه ينعكس على استقرار تركيا، فأمن تركيا من أمن سوريا، كما صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أكثر من مرة".
تراشق كلامي أم حرب وشيكة؟
القلق المتزايد داخل إسرائيل من تعزيز الشراكة السورية-التركية، وتنامي الطموحات الإقليمية للأتراك، جعل من تركيا هدفاً مؤكداً لتل أبيب بعد إيران، كونها تمثل خطراً على أمن الكيان ومشروعه التوسعي، خصوصاً فيما يتعلق بالحدود الشمالية، وحرية الحركة والطلعات الجوية، في ظل انحسار الدور الروسي هناك.
وفي هذا السياق، أكد عودة أوغلو أن "إسرائيل تخشى بالدرجة الأولى من تركيا، وعندما تحدث الإسرائيليون أكثر من مرة أن الحرب المقبلة بعد إيران ستكون في تركيا، لأن تل أبيب تعي بأن قوة أنقرة الإقليمية أصبحت متضاعفة بشكل كبير في الفترة الأخيرة، وأيضاً علاقتها حالياً جيدة مع الحليف الأميركي، لذا أعتقد أن إسرائيل تحاول قدر الإمكان بأي ترتيبات أمنية مع الجانب السوري أن تُبعد تركيا عن سوريا، أو تُحجم الدور التركي".
ولفت إلى أن "المناوشات بين إسرائيل وتركيا ستستمر، ولكن لن تتعدى حدود التراشق الكلامي والإعلامي، الذي سيتصاعد بشكل كبير خلال المرحلة المقبلة، لكن دون الوصول إلى مواجهة بين الطرفين".
من جهته، يشير الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية خالد خليل إلى أن "أنقرة تستثمر التحول الذي حصل في المنطقة بسقوط قوى، وضعف القوى التقليدية مثل إيران، لتعزيز مكانتها الإقليمية، وبالتالي وفق التقديرات الإسرائيلية فإن ازدياد النفوذ التركي في سوريا ينشر واقعاً أمنياً جديداً على الجبهة الشمالية".
ويقول خليل لـِ "المدن"، إن "الاعتداءات الإسرائيلية غبر المبررة والخطيرة على السيادة السورية، والمخالفة للقانون الدولي، هي التي عجّلت وسرّعت من زيادة التحالف بين دمشق وأنقرة"، منوهاً بأن "إسرائيل دخلت في حالة من التخبط وفقدان التوازن منذ الساعات الأولى لسقوط نظام الأسد، فقامت باعتداءات غير مبررة، وهذا يرتبط بمتغير كبير في المنطقة، وهو السابع من أكتوبر، الذي قلب معادلة السلام الإقليمي، وخلط الأوراق".
دمشق .. معطيات تخالف التوقعات
ويرى مراقبون أن الأراضي السورية ستكون ساحة لتصفية الحسابات، مستندين بذلك على العلاقة المتينة بين دمشق وأنقرة من جهة، وكون دمشق المتضرر الأكبر من المشروع التوسعي الإسرائيلي الذي يهدف لجعل الساحة السورية بؤرة من عدم الاستقرار من جهة أخرى، لكن الموقف الحكومي السوري كان مخالفاً لهذه المعادلة، فالأولوية ضمن رؤية الحكومة الجديدة هي لترتيب البيت الداخلي، والنأي عن الصراعات الخارجية، وهو ما أكدته عدة تصريحات رسمية سابقة.
وحول احتمالية حدوث صدام مباشر بين تركيا وإسرائيل في سوريا، استبعد طه أوغلو هذه الاحتمالية قائلاً إن "سوريا لن تتحول الى ساحة حرب، بل إلى تنافس بين كافة الأطراف، لأن التركي يحاول قدر الإمكان أن يُبعد أي مخاوف أمنية، ونتحدث هنا عن الهاجس الكردي، وأيضاً تحاول أنقرة أن تُبقي الساحة السورية مستقرة سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وهذا ينعكس على تركيا وعلى دول المنطقة بشكل عام".
وكانت رؤية خليل متطابقة مع ما قاله المستشار التركي، بأن "الصدام قد لا يكون عسكرياً أمنياً مباشراً كحرب طاحنة، ولكن تنافس جيوسياسي، يأخذ العديد من الأبعاد التي تتعلق بالنفوذ والاستخبارات والأمن القومي، أي لن يكون تنافساً تقليدياً، كالذي كان بين إسرائيل وإيران".
وتضع الوقائع على الأرض دمشق أمام اختبار صعب، إما الحفاظ على مصالحها واستقلالية قرارها والنأي بالنفس عن الصراعات الخارجية، وهو ما نراه في سياسة دمشق الحالية، أو تحويل أراضيها إلى ساحة تنافس إقليمي محتدم بين قوى إقليمية تسعى لرسم ملامح المرحلة القادمة بما يتوافق مع مصالحها.




