تشهد مناطق شمال الضفة الغربية موجة متسارعة من التوسع الاستيطاني، عبر مخططات تشمل إنشاء وتطوير 18 مستوطنة جديدة، في إطار مساعٍ لإعادة تشكيل الواقع الجغرافي في المنطقة وفرض وقائع جديدة على الأرض من خلال توسيع الكتل الاستيطانية وربطها بشبكة طرق التفافية تعزل المدن والبلدات الفلسطينية عن بعضها.
وأكد التقرير الأسبوعي الصادر عن "المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان"، اليوم السبت، أن هذه المشاريع لا تقتصر على التوسع العمراني بل تهدف إلى خلق تواصل جغرافي بين المستوطنات، وربط الكتل الاستيطانية ببعضها البعض عبر ممرات طرقية مخصصة للمستوطنين، بما يحول دون أي امتداد عمراني أو جغرافي مستقبلي للفلسطينيين.
وأشار التقرير إلى بدء تشييد مستوطنتي "يحنيت" على أراضي بلدة عرابة جنوبي جنين، و"روش هعاين مزرحيت" على أراضي دير بلوط والزاوية غربي سلفيت، إلى جانب شرعنة بؤر عشوائية ومزارع رعوية لإدراجها رسمياً ضمن المخطط الهيكلي الإسرائيلي.
أحزمة الفصل لتفكيك جغرافية الشمال
وفي إطار الترابط الميداني بين محافظتي نابلس وجنين، تكشف الخرائط التنظيمية عن مشروع لشق شارع استيطاني واسع يربط مستوطنات "حومش" و"شوفا يسرائيل" و"شجيت يهودا" في الأغوار، على حساب آلاف الدونمات الزراعية المصادرة من أراضي بلدتي بيت إمرين ويصيد شمال غربي نابلس، ويمتد إلى أراضي جبع وسيريس جنوبي جنين، وهو ما يؤول إلى فصل مدينة جنين عن نابلس من الجهة الجنوبية الشرقية.
ويتزامن ذلك مع شق طريق استيطاني آخر يربط مستوطنة "حومش" بالأغوار ليفصل المحافظتين جغرافياً، وذلك بالتوازي مع إعادة ترسيخ مستوطنة "صانور" وتوسيع البؤر المحيطة بها ضمن حزام يحد من التواصل الفلسطيني.
وفي السياق ذاته، صادق المجلس الأعلى للاستيطان على بناء 126 وحدة سكنية دائمة في مستوطنة "صانور"، في خطوة مدعومة من حكومة الاحتلال الإسرائيلية ومجلس مستوطنات شمال الضفة لتحويل الموقع من صفة التوقيت إلى مستوطنة دائمة تضم منازل خاصة ومبانٍ متعددة الطوابق.
وعلى جبهة غرب جنين، يجري توسيع كتلة "شاكيد، ريحان" عبر ربط مستوطنات شاكيد وحنانيت، وريحان، وتل منشيه، وتمديد نفوذها على حساب أراضٍ تقع ضمن المنطقتين (أ) و(ب)، تزامناً مع ربط مستوطنة "شافي شومرون" بشبكة الطرق الالتفافية المؤدية إلى الأغوار ومستوطنة "حومش".
وتقضي الخطط الهندسية بفتح ممرات طرقية جديدة في محافظات الشمال، أبرزها طريق يربط جبل عيبال بمستوطنة "حومش" مروراً بمعسكر صانور وصولاً إلى "دوتان"، ومسار يربط جبل السالمة في رابا بمستوطنة "نوعا" المحاذية للجامعة العربية الأميركية وصولاً إلى "دوتان"، فضلاً عن طرق تربط مستوطنتي "غانيم" و"كاديم" بحاجز الجلمة وبمستوطنة جديدة تقرر إقامتها قرب قرية فقوعة.
التهويد الرعوي والرواية التوراتية
أما في مدينة نابلس، فيسعى الاحتلال لإحكام سيطرته على جبل عيبال عبر إنشاء بؤرة استيطانية رعوية وسكنية تمهيداً لتحويلها إلى مستوطنة ثابتة تطوق قمم الجبال المحيطة بالمدينة.
وتشهد البؤرة منذ آذار/مارس 2026 إدخال بيوت متنقلة ومعدات ثقيلة لتثبيت الوجود العمراني، تنفيذاً لقرار حكومة الاحتلال الصادر في أيار/مايو 2025 والقاضي بشرعنة 22 موقعاً استيطانياً في الضفة الغربية.
وتستند هذه الخطة إلى توظيف الرواية التوراتية حول ما يسمى "مذبح النبي يوشع بن نون" في منطقة البرناط، بهدف تحويل الموقع إلى معلم ديني وسياحي يهودي يبرر مصادرة مساحات واسعة من الأراضي المحيطة بذريعة حماية الآثار.
مشروع "الخيط القرمزي"
وفي منطقة الأغوار الشمالية، تواصل سلطات الاحتلال تنفيذ مشروع "الخيط القرمزي" في سهل البقيعة شرقي طوباس، حيث تعمل الجرافات على تجريف الأراضي الزراعية وتدمير خطوط المياه المغذية لآلاف الدونمات تمهيداً لمد طريق عسكرية وبناء جدار فاصل.
ووفقاً للمعطيات الميدانية، يهدد هذا المشروع قرابة 24 ألف دونم زراعي تعود ملكيتها لنحو 300 مزارع فلسطيني، وهو ما يعادل ربع المساحة الإجمالية لسهل البقيعة، ممثلاً خطوة إضافية نحو عزل الأغوار تماماً عن الجسد الجغرافي للضفة الغربية.




