فيما يقول الأميركيون بصوت آخذ في الارتفاع "لا للملوك"، بدأ "أبناء عمومتهم" البريطانيون العد التنازلي لتنصيب "ملك الشمال" آندي بورنهام، 56 عاماً، زعيماً للبلاد. صحيح أن "الشعبوية" تجمع بينه وبين دونالد ترامب، وإن لم تكن "القومية" طاغية لديه، إلا أن ما يفرقهما لا يقتصر على "اشتراكية" السياسي البريطاني "الناعمة" ومواقفه من الإسلام وفلسطين وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
هزم الترامبيين
ألحق بورنهام هزيمة نكراء باليمين الشعبوي البريطاني ترامبيّ الهوى في الانتخابات الفرعية في دائرة ماكرفيلد التي انتزع مقعدها بعد أن حصد نحو 25 ألف صوت؛ أي أعلى بقرابة 6 آلاف صوت مما ناله مرشحا حزبي "الإصلاح" المتطرف و"الاستعادة" الأكثر تطرفاً، معاً، وحرم الشعبويين من خطفها كما كان متوقعاً. وهذا ما يبعث الأمل بأن الانتصار على قوى التشدد الصاعدة ممكن عند ما يوحد المعتدلون صفوفهم.
حرص بورنهام على دعم المجتمع الإسلامي في مانشستر الكبرى حين كان عمدة لها منذ 2017. أما بالنسبة لفلسطين، فثمة تقلب في مواقفه بين تعاطف معها وتأييد خافت لإسرائيل. زار الضفة الغربية في 2012 ودعا إلى تطبيق حل الدولتين. وبعدما صوّت في 2014 لمصلحة مشروع الاعتراف بالدولة الفلسطينية بنحو سنة، التحق بمجموعة أصدقاء إسرائيل في الحزب. وهاجم بشدة حركة "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" مؤكداً في 2015 أن إسرائيل ستكون أول دولة يزورها إن فاز بانتخابات الزعامة. وفي مفاجأة جديدة، ضمّ صوته الى عمدة لندن صادق خان وزعيم حزب العمال في اسكتلندا أنس سروة في 2023، للمطالبة بوقف الحرب في غزة، ما ميزهم عن كير ستارمر رئيس الوزراء! إلا أنه رفض في 2026 تسميتها "حرب إبادة".
الطريق إلى القمة
الأهم من هذا التأرجح، وصوله للبرلمان بفضل وزير الدولة السابق جوش سايمون، الذي استقال من مقعده البرلماني في دائرة ماكرفيلد خصيصاً ليتيح له فرصة العودة إلى مجلس العموم ليصبح مؤهلاً لدخول 10 داونينغ ستريت. وسايمون مصنّف من قبل مجموعات بريطانية مناهضة للاحتلال كـَ "معادٍ بوضوح لفلسطين".
والحق أن مواقف "الملك" ليست ضبابية بشأن فلسطين وحدها، فالسياسة الخارجية عموماً هي نقطة ضعفه الرئيسية. وهذا سر تردده بما يتعلق بقضايا تتصل بحلف شمال الأطلسي (ناتو) والعلاقة مع أوروبا، على الرغم من انتقاده الحاد للـ"بريكست" وتداعياته.
أما على الجبهة المحلية، فقد حقق نجاحات لافتة. أدار مانشستر الكبرى، وهي ثاني أكبر مقاطعة في البلاد حيث يعيش قرابة 3 ملايين انسان، بكفاءة ما وضعها في صدارة المناطق التي شهدت نمواً اقتصادياً ملحوظاً، وإصلاحات اجتماعية وخدمية. كما دافع بشجاعة عنها وعن شمال إنكلترا، خصوصاً أيام جائحة كورونا، فاستحق "تاج" الجزء "المحروم" في البلاد.
بين جامعة "النبلاء" و حزب الكادحين
وكانت مسيرته قد بدأت وهو في كنف عائلته الكاثوليكية الكادحة في الشمال، إذ التحق بحزب العمال في سن الخامسة عشرة. وبعد حصوله على ماجستير في الأدب الإنكليزي من جامعة كمبريدج تدرج في وظائف حزبية قبل فوزه بمقعد برلماني في 2001. وفي غضون سنتين التحق بحكومة توني بلير كوزير دولة حيث بقي كذلك حتى 2007 عندما عينّه غوردون بروان أميناً عاماً للخزانة فصار عضواً في مجلس الوزراء. وفي حكومة براون الثانية تسلم الثقافة والإعلام والرياضة وأتبعها بالصحة. وحين انتقل العماليون إلى مقاعد المعارضة في 2010، شغل مناصب بارزة في حكومات الظل، بقيادة إد ميليباند ومن بعده جيرمي كوربين اللذين تغلبا عليه في اثنتين من انتخابات الزعامة.
تحديات جسام
يعرف "الزعيم" الجديد قبل غيره أن " التغيير" على أكثر من صعيد سيكون عنوان المرحلة. وسيصل للقمة وجعبته متخمة سلفاً بالتحديات التي تبدأ خارجياً بالتفاهمات مع أوروبا ومستوى الانفاق الدفاعي ولا تنتهي بإدارة "العلاقة الخاصة" التاريخية مع أميركا بزعامة مزاجي انتقد "ليبراليته" بشدة حتى قبل أن يبدأ ولايته. أما داخلياً، فعليه أن يعمل على معالجة ملف الهجرة الشائك، وتنشيط الإنتاج وزيادة النمو علاوة على مشاريع طموحة في طليعتها تحجيم دور شركات المياه والطاقة الخاصة وفرض سيطرة أقوى من قبل القطاع العام على هذه الصناعات.
من المبكر التكهن بالنتائج. لكن إذا نجح قليلاً أو كثيراً، فلن يكون طريقه معبداً بالورود. لإدارة البلاد صعوبات مختلفة عن تسيير أمور مقاطعة كبيرة، وقد لا تكفي السنوات الثلاث التي تفصله عن الانتخابات العامة المقبلة لإنجاز المهام الجسام التي يضعها نصب عينيه.
سيصبح بورنهام بعد أيام سابع رئيس وزراء عمالي في تاريخ الحزب (125 عاماً) وسادس رئيس وزراء بريطاني في العقد الحالي، وقد يكون الوصول إلى "أعلى وظيفة تنفيذية" سهل نسبياً، أما البقاء فيها أكثر من سنتين فـَ "معجزة" أعيت ستارمر وأربعة من المحافظين منذ استفتاء البريكست "الكارثي" قبل عشر سنوات. وإن بدأ بتفكيك هذا "الشرك" الذي جعل بريطانيا عصية على الحكم، فقد تطول به الإقامة في 10 داونينغ ستريت.




