في ظل احتدام المنافسة بين الأحزاب والقوى السياسية الإسرائيلية، واقتراب موعد الانتخابات التي توصف بأنها وجودية ومصيرية في انعكاساتها على مستقبل الدولة وعلى الجماهير العربية، أُعلن عن تأسيس حزب جديد يحمل اسم "لكلنا مكان". جاء الإعلان عن هذا الحزب خلال مؤتمر صحافي عُقد في 16 حزيران/ يونيو الجاري، في مدينة الناصرة، بمشاركة رولا داود وألون لي غرين، وهما من أبرز الناشطين في حراك "نقف معاً"، إضافة إلى عضو بلدية حيفا سالي عبد وعضو بلدية تل أبيب يافا إيتمار أفنيري.
وأكد المؤسسون أن هذا الحزب يسعى إلى إحداث تغيير جذري في المشهد السياسي الإسرائيلي، من خلال العمل على تشكيل حكومة جديدة تستند إلى شراكة عربية يهودية، وبناء بديل سياسي قائم على الشراكة بين المواطنين العرب واليهود في البلاد.
وفقاً لموقع "بكرا" فإن هذا الحزب "يؤمن برؤية السلام العادل بين الشعبين والمساواة المدنية وكرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية وإحداث تغيير بنيوي حقيقي في المجتمع العربي واليهودي، وإعطاء أمل جديد للآلاف من المواطنين الذين فقدوا ثقتهم بالأحزاب السياسية القائمة".
مغامرة سياسية غير مضمونة النتائج
في حديثه لـِ "المدن"، يقول الخبير في الشأن الاسرائيلي سهيل ذياب "أعتقد أن الوقت ليس مناسباً للمغامرات السياسية أو لتجارب جديدة قد تكون نتائجها غير مضمونة، فالواقع السياسي الذي نعيشه اليوم هو نتيجة مباشرة لتشتت الأصوات في الانتخابات السابقة، وعدم تجاوز بعض القوائم نسبة الحسم"، حيث كانت تجربة حزبي ميرتس والتجمع العربي الديمقراطي في الانتخابات السابقة خير دليل على ذلك. الأمر إذ انعكس سلباً على تركيبة الكنيست الحالية وموازين القوى فيها.
ويؤكد ضرورة توحيد الجهود لتعزيز التمثيل السياسي، وليس الدخول في تجارب جديدة قد تؤدي إلى مزيد من تشتت الأصوات وحرقها وإضعاف القدرة على التأثير السياسي في هذه المرحلة الحساسة للغاية، في ظل أكثر الانتخابات حدةً واستقطاباً منذ الانتخابات الأولى عام 1949.
يبدو أنه من السابق لأوانه الحكم على مدى حظوظ وحضور وشعبية حزب "لكلنا مكان" في الشارع العربي والاسرائيلي، ولكن وجود شخصيات مجتمعية ناشطة في حراك "نقف معاً" الذي نجح في بناء مساحات مشتركة قائمة على قيم المساواة والسلام والعدالة الإجتماعية، وحقق إنجازات ملموسة في العلاقات العربية اليهودية والعمل المدني المشترك، إضافة إلى أعضاء في بلديات كبرى منتخبة مثل بلديتي حيفا وتل أبيب يافا ممثلة فيه، قد يمنح الحزب المزيد من الأصوات ويبقي الباب مفتوحاً أمام كل الاحتمالات في انتظار نتائج الانتخابات.
"نبض الشارع العربي"
وتقول الناشطة سالي عبد، أحد مؤسسي حزب "لكلنا مكان": "نحن حزب مشترك جاء من الميدان وبناءً على نبض الشارع العربي وتطلعاته، ولدينا ثقة في رفع نسبة التصويت وإقناع شريحة واسعة من المجتمع بالمشاركة في الانتخابات والتخلي عن خيار المقاطعة، ولدينا ثقة كاملة في قدرتنا على اجتياز نسبة الحسم، ونمتلك التفاؤل والشجاعة والقوة لتحقيق ذلك".
ووصفت الطرح السياسي الذي يتبناه الحزب الناشئ بأنه "طرح جريء يتمثل في الشراكة والسلام والمساواة، مع التركيز على القضايا المجتمعية مثل العدالة الإجتماعية، والأجور، والإسكان وقضية العنف والجريمة في المجتمع العربي، ورؤية واضحة للسلام العادل بين الشعبين بطريقة موضوعية وعملية وواقعية".
معارضة من الأطر السياسية القائمة للحزب
على صعيد آخر يبدو أن الإعلان عن تأسيس هذا الحزب لم يلقَ ترحيباً لدى الأحزاب السياسية والقيادات التقليدية في المجتمع العربي، نظراً لطبيعة الحسابات السياسية القائمة والتجارب السابقة لقوائم وأحزاب عربية دخلت الانتخابات ولم تستطِع تجاوز نسبة الحسم إضافة إلى أسباب تنافسية أخرى.
ويقول الناشط السياسي بشير كركبي لـِ "المدن"، إن "الأحزاب السياسية العربية تعارض الحزب لأنها ترى فيه منازعاً لها على القواعد الجماهيرية التي ترتكز عليها".
ويضيف أن "المشكلة الأساسية في المجتمع العربي هي نسبة التصويت المنخفضة، وهذا يعود إلى سياسة الحكومات التي عملت على إقصاء الجماهير العربية وعلى تعميق سياسة التمييز والقهر، ولكن يوجد أسباب أخرى تتمثل في التركيبة الذكورية لجميع الأحزاب التي تمثل الجماهير العربية وقيادات متقدمة بالسن في الغالب، هذا ما يفسر نسبة التصويت المنخفضة لدى شريحة الشباب والنساء في المجتمع العربي"، لكنه يرى أن حزب "لكلنا مكان"، يأتي بتركيبة جديدة تختلف عن الاحزاب القائمة "فهو يضم الشباب والنساء ويتساوى فيه المرشحين العرب واليهود، ويطرح ورؤية سياسية مختلفة".
حزب معدوم التأثير ولحرق الأصوات
يواجه حزب "لكلنا مكان" ردود فعل سلبية من الأحزاب العربية القائمة، ففي حديثه لـِ "المدن"، يقول سكرتير الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة أمجد شبيطه: "لا أستطيع أن أجزم أن لحزب لكلنا مكان، حضور وتفاعل في المجتمع العربي، فلم يمر على تشكيله سوى أيام معدودة ولم نشعر بتفاعل خاص من المواطنين العرب مع هذا الحزب حتى اللحظة".
وأما فيما يتعلق بالتأثير على حجم المعسكرات في الانتخابات المقبلة، فيشير شبيطه إلى أن تأسيس هذا الحزب ربما يؤدي إلى حرق ما يقارب الـ14 ألف صوت وخسارة المعسكر المعارض لبنيامين نتنياهو لمقعد واحد، ليكون ذلك حاسماً لصالح البقاء السياسي لنتنياهو.
من جانب آخر، فقد منح استطلاع للرأي أجرته القناة (12) العبرية، نسبة 0.2% من أصوات المستطلعين لـ"لكلنا مكان"، مما يعني أن تأثيره هامشي جداً، وما زال بعيداً عن الوصول إلى نسبة الحسم البالغة 3.25%.



