لا تقترب كثيراً من السلطة.. لماذا سقط صبري نخنوخ؟

أحمد عبد الحليمالأربعاء 2026/06/24
صبري نخنوخ
دوافع وخلافات مالية حاسمة سرعت بقرار الإطاحة بنخنوخ (انترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

أعاد القبض على "رجل الأعمال" صبري نخنوخ خلال الأيام الماضية اسمه إلى واجهة النقاش العام في مصر، بعد سنوات من حضوره بوصفه إحدى الشخصيات الأكثر ارتباطاً بسرديات البلطجة والنفوذ غير الرسمي. وبينما انشغل كثيرون بتفاصيل الواقعة الجديدة، تبدو أهمية الحدث كامنة في ما يفتحه من أسئلة تتجاوز شخص نخنوخ نفسه، لتطال طبيعة العلاقة التي نسجتها الدولة المصرية مع شبكات القوة غير الرسمية على مدار عقود.

ينطلق هذا المقال من الواقعة الأخيرة بوصفها مناسبة لإعادة قراءة العلاقة بين السلطة والبلطجة في مصر، ومقارنة الكيفية التي أُديرت بها هذه العلاقة في عهد حسني مبارك بما آلت إليه بعد تموز/ يوليو من عام 2013. فمسار صبري نخنوخ يكشف عن تاريخ من التداخل بين أجهزة الدولة والفاعلين القادرين على إنتاج أشكال مختلفة من السيطرة والعنف والنفوذ داخل المجتمع. ومن خلال هذه القراءة، يناقش المقال التحولات التي تصيب موقع هؤلاء الفاعلين كلما تبدلت موازين القوة، والحدود التي ترسمها السلطة لحلفائها في الهوامش، واللحظات التي يصبح فيها النفوذ المتراكم مصدر قلق يستدعي إعادة الضبط أو الإقصاء أو إعادة التموضع داخل الخريطة السياسية.

 

مأسسة العنف الموازي

في مصر، تضرب شبكات القوة الموازية جذورها في سياقات اجتماعية واقتصادية ارتبطت تاريخياً بقدرة بعض الأفراد والتشكيلات على توفير خدمات الحماية والضبط المحلي في ظل توسع العشوائيات الحضرية والقطاعات الهامشية. وخلال عهود سابقة، تداخلت هذه الشبكات مع متطلبات النفوذ السياسي للأجهزة الأمنية والحزب الوطني الحاكم عهد مبارك، حيث جرى استخدام هؤلاء الأشقياء والمسجلين خطر كأدوات لضبط الشارع، وتأمين الدوائر الانتخابية، وقمع المعارضين والنشطاء السياسيين. ومع تزايد الطلب على هذه الخدمات، تحول العنف الموازي من سلوك منبوذ اجتماعياً إلى مسار مهني منظم يوفر فرصاً للترقي الاجتماعي والثراء السريع لقطاعات من الشباب المهمشين في كنف التحولات النيوليبرالية وتراجع وظائف الدولة الرعائية.

ويمثل صعود صبري نخنوخ، مرة أُخرى، بعد خروجه من السجن إثر العفو الرئاسي عليه عام 2018، تجسيداً واضحاً لهذه المسيرة، إذ تدرج من قيادة تشكيلات حماية محلية في حي السبتية وسط القاهرة إلى رتبة "المعلم" القادر على حل النزاعات وحماية المشاريع الاستثمارية الكبرى عبر شبكة علاقات متشعبة، كما جاء الاستحواذ على مجموعة "فالكون" للأمن والحراسة في أيلول/ سبتمبر من عام 2023 كنقلة نوعية كبرى غيرت طبيعة هذه القوة الموازية، إذ دفع نخنوخ مديونية تراوحت قيمتها بين مئة وعشرين ومئة وخمسين مليون جنيه للاستحواذ على الكيان الذي يهيمن على حصة سوقية تتجاوز ستين بالمئة من خدمات الأمن الخاص في مصر، كما أنه، من خلال الشركة، يتولى حراسة جامعات ومطارات وبعثات دبلوماسية ومنشآت سيادية وحساسة.

أدى هذا الاستحواذ إلى انتقال العنف الموازي إلى مرحلة "المأسسة المقننة"، حيث جرى تغليف أدوات القوة والسيطرة بغطاء تجاري مرخص ومقبول قانوناً. وتحول جيش البلطجية التقليدي إلى شبكة حراس مدربين ومنظمين يعملون ضمن هيكل مؤسسي يضم خدمات الأمن، ونقل الأموال، وإدارة المشروعات، والأنظمة الفنية، فيما وفّر هذا الغطاء المؤسسي للشبكة تدفقات مالية ضخمة ونفوذاً يتقاطع مع المصالح الاقتصادية الرسمية للدولة، مما جعلها طرفاً فاعلاً في توجيه السوق وحماية الأصول الاستثمارية الكبرى متجاوزة نطاقها التقليدي في الهوامش.

 

تحولات مسارات الضبط والتوظيف

يمكن بناء مقارنة حيال كيفية إدارة العلاقة مع شبكات العنف الموازي في عهد حسني مبارك وما آلت إليه في مرحلة ما بعد العام 2013، في عهد السيسي، من تبدلات حاسمة في العقيدة الأمنية والسياسية للدولة، إذ اعتمد نظام مبارك على استراتيجية "الضبط المرن وحفظ المسافة". وحرصت الأجهزة الأمنية آنذاك على إبقاء فاعلي العنف الموازي في موقع التابع الخاضع لتهديد الملاحقة المستمرة والابتزاز الجنائي عبر تفعيل سجلات الخطر والمراقبة الشرطية، كما جرى توظيف هؤلاء كأدوات حركية مؤقتة وموسمية في الاستحقاقات الانتخابية، وقمع التظاهرات، مع حرمانهم من بناء حواضن مالية أو تنظيمية مستقلة قد تهدد تفوق الدولة الرسمي واحتكارها لوسائل الإكراه المادي.

أما في مرحلة ما بعد العام 2013، فقد تأسست قواعد جديدة للتعامل مع شبكات النفوذ خارج الإطار الرسمي ارتكزت على الدمج والتمكين والشرعنة الواقعية، وقد جاء قرار العفو الرئاسي الصادر في أيار/ مايو 2018 لصالح صبري نخنوخ، متجاوزاً حكماً قضائياً باتاً بالسجن المؤبد في قضايا السلاح والبلطجة، ليمثل الإعلان الرسمي عن هذه القواعد الجديدة، حيث مهّد هذا القرار لدمج قادة القوة الموازية في الهيكل الاستثماري للدولة، ما منحهم حصانة واقعية ووجاهة اجتماعية استثنائية ورسخ لدى هذه الشبكات قناعة بأن الولاء المطلق للسلطة يوفر حماية تامة من العقاب الجنائي والملاحقة القانونية.

تأسس هذا التباين البنيوي بين هذين النمطين من الإدارة والضبط على مستويات عدة تشمل الصيغة القانونية والهيكل المالي والمجال الجغرافي وتوازنات النفوذ. فمن حيث الصيغة القانونية، اعتمد عهد مبارك على صيغة التواطؤ العرفي الشفوي مع استمرار الوصم الجنائي للوكلاء، بينما اتجه النمط الجديد إلى الشرعنة الصريحة عبر العفو الرئاسي المباشر وتوفير التراخيص الرسمية. وعلى الصعيد المالي، انحصرت أنشطة الوكلاء قديماً في أعمال مخالفة للقانون عشوائية تعتمد على الابتزاز المحدود وجباية الأموال على نطاق ضيق، في حين تدير هذه الشبكات اليوم شركات حراسة كبرى تهيمن على مئات الملايين وتستحوذ على أصول اقتصادية معتبرة.

وينسحب هذا الاختلاف البنيوي على المجال الجغرافي لنشاط هذه المجموعات وتوازنات نفوذها مع الدولة؛ إذ انحصر حضور شبكات العنف في عهد مبارك ضمن جغرافيا الهوامش الحضرية ومواقف النقل الأهلي والمناطق الشعبية البعيدة عن مراكز القوة السيادية، بينما يتمدد نشاطها اليوم ليغطي المنشآت السيادية والجامعات الحكومية والمناطق الراقية ومواقع سكن النخبة. وأيضاً، تميز توازن النفوذ تاريخياً بتبعية مطلقة وحتمية للتضحية بالوكلاء واستبعادهم بمجرد انتهاء المهمة الأمنية المؤقتة، في حين تشكل صيغة الدمج المعاصرة تراكماً اقتصادياً موازياً يتقاطع مع طموحات الأجهزة السيادية ويفرض تحديات أكثر تعقيداً على احتكار الدولة للقوة.

وقد أتاحت هذه القواعد الجديدة صعود قوى موازية تمتلك ثروات هائلة وجيوشاً من الحراس المسلحين، مما جعلها تشكل دولة داخل الدولة في بعض الفترات، ما أدى إلى تولد لدى المنظومة الحاكمة قلق بنيوي من تمدد هذه التشكيلات لدرجة تعوق قدرة الدولة على ضبط حركة المجتمع والمستثمرين، وهو السيناريو الذي دفع الأجهزة الأمنية للتدخل من أجل حماية هيبتها وإعادة احتكار العنف بمجرد رصد مؤشرات استقلالية أو تحدٍ من قبل الوكلاء.

 

حدود الوكالة وقلق التمدد

تضع واقعة القبض على صبري نخنوخ ورجاله نهاية واضحة لعهد الحصانة المطلقة، مرسخةً الحدود الدقيقة التي ترسمها السلطة المركزية لحلفائها في الهوامش، إذ تفجرت الأحداث عقب قيام نخنوخ ورجاله باقتحام معرض سيارات شهير في منطقة التجمع الخامس الراقية والاعتداء العنيف على العاملين وسرقة أجهزة تسجيل كاميرات المراقبة لتصفية حسابات مالية. ومثلت هذه الممارسة العنيفة في منطقة تسكنها النخبة السياسية والعسكرية خروجاً سافراً عن قواعد الضبط والتحكم، وتحدياً مباشراً لهيبة الدولة واحتكارها الحصري للإكراه المادي، كما تزامنت هذه الواقعة مع تحقيقات أخرى شملت بلاغاً تقدم به مهندس يتهم صبري وابن شقيقه جون نخنوخ بالاستيلاء بالقوة على ست شقق سكنية وجراج بعقار في شارع مصدق بمنطقة الدقي بادعاء استئجارها لصالح شركته.

ما وراء هذا المشهد يحمل دوافع وخلافات مالية حاسمة سرّعت بقرار الإطاحة والتفكيك. فقد تجدد في مطلع عام 2026 عرض قدمه صندوق مصر السيادي بهدف الاستحواذ على مجموعة "فالكون" أو إجبار نخنوخ على التنازل عن حصة الأغلبية البالغة خمسة وستين بالمئة لصالح مستثمرين يعملون تحت مظلة الصندوق، مع إحلال قيادات أمنية وعسكرية سابقة لإدارة الشركة وضمان استقرار قطاع الحراسات الحساس. واصطدم هذا التحرك برفض نخنوخ القاطع للتقييم المالي المقترح الذي عادل ربع القيمة الفعلية لاستثماراته، حيث تمسك بالحصول على ثمانمئة مليون جنيه وفق القيمة السوقية، مما شكل تحدياً لتوجهات الدولة في استعادة السيطرة الكاملة على مفاصل الاقتصاد الأمني. ورداً على انتشار هذه التفاصيل، سارع مصدر مسؤول في صندوق مصر السيادي إلى نفي وجود مفاوضات رسمية مع الشركة لتهدئة الرأي العام والحد من التكهنات المرتبطة بدوافع التوقيف الجنائي.

ترتب على هذا التحدي قرار أمني حاسم برفع الغطاء وتفكيك المنظومة الجنائية والمالية للشبكة. وأسفر تفتيش قصر المتهم ومقراته عن ضبط ترسانة أسلحة دون ترخيص تضم بنادق آلية ورشاشات وأكثر من ألف طلقة، بالإضافة إلى عشر قطع أثرية وحيوانات مفترسة كانت محتجزة داخل أقفاص، كما كشف الفحص الفني للهواتف المحمولة عن تسجيلات مروعة توثق جرائم خطف، واحتجاز مصحوب بتعذيب بدني، وهتك عرض، وإكراه على توقيع سندات ملكية، فيما توازت هذه التطورات مع بلاغات جديدة قدمها فنانون، من بينهم الراقصة شمس التي اتهمت التشكيل العصابي باقتحام سكنها والاعتداء عليها لصالح مطرب شعبي.

واتخذت الدولة إجراءات شمولية لشل القدرة المالية للشبكة وتجفيف منابعها. وأسفرت التحقيقات المالية الموازية عن إصدار النيابة العامة قراراً بالتحفظ الشامل على كافة الأصول العقارية، والمنقولة، والأسهم، والسندات، والودائع، والمحافظ الإلكترونية الخاصة بالمتهمين، مع إدراج أسمائهم على قوائم الممنوعين من السفر. وجرى ضبط الإعلامية جولي أمين وحبسها على ذمة التحقيقات بتهمة محاولة نقل ملكية تسع سيارات فاخرة تابعة لنخنوخ إلى اسمها الشخصي عبر وحدة مرور النزهة بالمخالفة لقرار التحفظ القضائي. وأيضاً، شملت التوقيفات أفراداً من عائلته وشبكة معارفه المقربين، وعلى رأسهم ابن شقيقه جون نخنوخ وشريكه يحيى الصعيدي. ومن جانبها، سارعت مجموعة شركات فالكون بإصدار بيان تؤكد فيه استمرار التزامها بتقديم خدمات الأمن ونقل الأموال بكامل كفاءتها التشغيلية لحماية عقودها الحيوية مع الجهات والمؤسسات الحكومية ومحاولة النأي بنفسها عن التداعيات الجنائية لرئيسها المحبوس.

نهاية، تحاول الدولة استعادة آلياتها الدفاعية وفرض هيمنتها الشاملة على وسائل الإكراه المادي والرمزي. ويبعث هذا التفكيك الشامل برسالة واضحة مفادها أن النفوذ الموازي واستخدام العنف يظلان رهناً بالقبول المؤقت والتبعية المطلقة للتوجهات السيادية، وأن أي ملامح لاستقلال القرار أو الاستقواء المالي من شأنها تحويل الوكلاء إلى مصدر قلق بنيوي يستدعي الإقصاء الفوري وإعادة الهيكلة الشاملة لخارطة القوة والنفوذ في مصر.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث