توم باراك كان في بغداد

بغداد - وليد إبراهيمالاثنين 2026/06/22
الزيدي باراك
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تكن الحفاوة التي تجاوزت الدبلوماسية والبروتوكول الرسمي التي أظهرها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي وهو يستقبل قبل أيام مبعوث الرئيس الأميركي الخاص توم باراك، سوى انعكاس لطبيعة العلاقة التي تربط الزيدي بالإدارة الأميركية وتحديداً الرئيس دونالد ترامب.

يدرك الزيدي ما هو المطلوب منه أميركياً، ويدرك أيضاً حراجة المرحلة التي تمر بها البلاد. وإزاء هذه المعادلة الصعبة فإن تسريع الخُطى لتنفيذ سياسته وإحداث التغيير في المشهد العراقي، لن يكون خياراً ولا ترفاً. وإذا كانت واشنطن تنتظر من الرجل تنفيذ ما تعهد به، فهي لن تقبل هذه المرة أية أعذار ولا حتى تباطؤٍ في تنفيذ هذه التعهدات. فالوضع التي تعيشه المنطقة لم يعد يتحمل التأخير لمواجهة استحقاقات مرحلة ما بعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران.

حضر باراك إلى بغداد وفي حقيبته ملفان رئيسيان لا غير، الأمن والاقتصاد، وأيضاً "لرسم مسار جديد لعلاقة قوية ومثمرة للبلدين". وعلى غير العادة، فقد أصدر الطرفان بياناً مشتركاً باللغتين العربية والإنكليزية، جاء متطابقا تماماً بتفاصيله وما تم بحثه والاتفاق عليه. حدد البيان ما يمكن وصفه بـِ "خريطة طريق" لشكل العلاقة بين واشنطن وبغداد، وهي علاقة تريدها واشنطن جعل العراق حليفاً لها من خلال إبعاده عن إيران وإنهاء نفوذها في داخل العراق، أو تقويضه على الأقل.

 

أما حكومة بغداد فإن غاية ما تسعى إليه، الآن ومستقبلاً، هو إبعاد البلاد عن أية تجاذبات أفرزتها الحرب ضد إيران، وبما يسمح لها بإعادة ترميم الوضع الداخلي للبلاد الذي تأثر كثيراً بسبب هذه الحرب، والأهم هو تجنب أية عقوبات أميركية محتملة، خصوصاً اقتصادياً، فالوضع العراقي لم يعد يحتمل أية عقوبات مهما كان حجمها وشكلها.

في اللقاء الذي جمع باراك بالزيدي، كان الملف الأمني حاضراً وبقوة. وكان التأكيد واضحاً على أهمية المضي بعملية "النزع الكامل للسلاح وحل جميع الجماعات والتشكيلات (العراقية) المسلحة التي تعمل خارج سلطة الدولة". 

أما في الملف الاقتصادي، فكان الحديث صريحاً بشأن ضرورة الإسراع بفتح باب الاستثمار الواسع للشركات الأميركية للقدوم للعراق والعمل فيه إبتداءاً من شركات النفط مرورا بالطاقة الكهربائية، وليس انتهاءاً بالاتصالات.

واذا كانت الزيارة قد رسمت الخطوط العريضة لهذه الملفات، فإن المؤكد أن تفاصيل ما تم الاتفاق عليه سيتم تأطيره بالكامل باتفاقات سيتم التوقيع عليها خلال زيارة الزيدي المقبلة لواشنطن والتي اتُفق على جدولتها منتصف الشهر المقبل.

 

موقف القوى الشيعية

لم تعلن القوى الشيعية سواء السياسية المنضوية في تحالف الإطار التنسيقي ومعها أجنحتها المسلحة، أو الفصائل المسلحة الأخرى التي لا تنضوي تحت تحت هذا المسمى، موقفاً معارضاً لما تم الإعلان عنه. وهو تطور مهم وملفت ويكاد يكون غير مسبوق. فقد اعتادت بعض هذه القوى أن تعلن تحفظاً على هكذا لقاءات وعلى مخرجاتها، شكلاً أو مضموناً.

وعلى الرغم من أن هذا الموقف قد يعني بالضرورة أن هناك تماهياً (على الأقل حتى الآن) وما تم التوافق بشأنه والإعلان عنه، لكنه بنفس الوقت لا يمكن القول عكس ذلك. بكل الأحوال، فإن ثمة قناعة باتت تفرض نفسها بقوة على صيرورة المشهد العراقي مفادها أن شيعة العراق باتوا على قناعة بحقيقة ما يجري في المنطقة، وأن قرارهم بحسم أمرهم في التماهي مع ما تقرره حكومة الزيدي، خصوصاً التقارب باتجاه واشنطن، بات واقعاً لا يمكن نكرانه أو تجاهله لتجنب أي ارتدادات ربما تكون تداعياتها مكلفة وقد تؤثر على وجودهم السياسي.

في كل الأحوال، فإن تصور أن الزيدي قد حصل على الضوء الأخضر من قبل كل قوى الإطار التنسيقي ومعها فصائل المقاومة الاسلامية المقربة من إيران للمضي قدماً بسياسته، قد يبدو مستعجلاً. فبعض الفصائل المسلحة العراقية لا تزال حتى الآن ترفض دعوة الزيدي حصر السلاح بيد الدولة. والأهم من هذا فإن الموقف من الحشد الشعبي لا يزال حتى اللحظة غير واضح، خصوصاً الكيفية التي يجب التعاطي معه مستقبلاً، فأغلبية قوى الإطار التنسيقي إن لم يكن جميعها، لا تزال ترفض المساس بهيئة الحشد الشعبي حتى وإن كان الأمر يقتصر على إعادة هيكلته إدارياً وضمه في وزارة أمنية مستحدثة مع قوى مسلحة اُخرى مثل البشمركة الكردية. وهو موقف قد يتسبب بإحراج الزيدي وقد يصطدم بتحفظ أميركي، ربما سيسمعه الرجل بوضوح خلال زيارته المرتقبة لواشطن.

 

تغييرات أمنية مهمة

في تطورات مهمة، أعلن الزيدي عن حزمة قرارات تمثلت في إجراء تغييرات مهمة لقيادات الخط الأول، أمنيأ ومالياً. أبرز هذه التغييرات طالت منصب مستشار الأمن القومي، ورئيس جهاز الأمن الوطني، إضافة إلى محافظ البنك المركزي العراقي، ورئيس هيئة الإستثمار. صحيح أن الأسماء الجديدة جاءت من نفس الدائرة السياسية التي تنتمي إليها الأسماء القديمة، لكن لا يمكن النظر إلى ما حدث على أنه مجرد تغييرات يمكن أن تحدث في أي وقت.

المؤكد أن الأسماء القديمة لعبت دوراً مهماً لسنوات عديدة خلت في إدارة العديد من الملفات الحساسة للدولة العراقية، خصوصاً الملف الأمني. والمؤكد أيضاً أن توقيت هذه التغييرات لا يمكن النظر إليها بمعزل عن حزمة التغييرات التي يتحدث كثيرون أن رئيس الوزراء ينوي إجراءها بما يتناسب ورؤيته في إدارة الدولة للسنوات الأربعة المقبلة، والتي لن تبتعد بكل الأحوال عن إطار ما ستشهده المنطقة من تغييرات في مرحلة ما بعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران.

المؤكد أن ما حدث وهذه التغييرات لن يكون نهاية المطاف على الأقل من الآن وحتى موعد زيارته لواشنطن. فالحديث الذي يُسمع صداه أن هناك تغيرات اُخرى مهمة آتية. وحتى يحين موعد الزيارة، سيتعين على الزيدي اتخاذ إجراءات قادرة على إرسال رسائل تطمينية للإدارة الأميركية، مفادها أن الأمر يستحق مزيد من الوقت والصبر لتنفيذ سياسته وما يخطط له، ويستحق من واشنطن أن تعطيه ما يريد من الدعم اقتصادياً وسياسياً وربما أمنياً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث