المُزاح اللاذع الذي تبادله قادة مجموعة الدول الصناعية الكبرى السبع في قمة مُنتجع إيفيان الفرنسي على مشارف بحيرة جنيف الساحرة؛ حمل رسائل سياسية كبيرة، وكان مُعبراً عن حدَّة التباينات بين الحلفاء، كما كان دالاً على الرغبة في إنهاء الجفاء بينهم في ذات الوقت، وهو ما ظهر لاحقاً في التوافق على مندرجات البيان الختامي للقمة، وفي عشاء قصر فرساي. والبيان حمل مضامين ليست بسيطة، وفيه إشارات استراتيجية كانت غائبة عن الفضاء الغربي خلال عام ونصف العام المُنصرمين. وبينما جاءت "مزحة" الرئيس الأميركي دونالد ترامب واضحة ومُعبِّرة بقوله "أنا الزعيم" عندما دخل الى قاعة الاجتماع، كانت إشارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس بالغة الأهمية ايضاً، عندما أهدى ترامب قميص فريق بلاده لكرة القدم برقم 47 (في إشارة الى ترتيب ترامب بين رؤساء الولايات المتحدة الذين سبقوه) بقوله "نحن في فريقٍ واحد".
تجمَّع زعماء الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان، خلف طاولةٍ مستديرة بضيافة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وقد دعوا مجموعة من القادة المؤثرين أو الأصدقاء من البرازيل والهند وأوكرانيا ومصر وقطر والإمارات، للتشاور في ملفات وقضايا راهنة تعني البشرية جمعاء، خصوصاً في اعقاب الاتفاق – أو التفاهم – الذي أبرمته واشنطن مع طهران لتمديد هدنة وقف القتال 60 يوماً، وقد رحب الجميع بالتوقيع على الاتفاق من دون أن يكون لدى أي من الحاضرين معلومات مفصَّلة عن كامل بنوده.
المواضيع الخلافية بين ترامب وأقرانه الأوروبيين كانت حاضرة، ولكن بدا أن هناك مقاربات جديدة تحكم التعامل مع هذه الملفات، ومنها على وجه الخصوص الحرب في أوكرانيا ومستقبل جزيرة غرينلاند. وقد تقدَّم ترامب خطوتين الى الامام باتجاه حلفائه بموافقته على البيان الختامي الذي تضمَّن دعم كييف ومساعدتها على إنتاج صواريخ بعيدة المدى وأنظمة دفاع جوي متطورة، ولكنه في ذات الوقت تراجع خطوة إلى الوراء عندما أعلن أمام القمَّة أنه تحدث مع الرئيسين فلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي، وهما على استعداد لإنهاء النزاع بين بلديهما كما قال.
موقف ترامب هذه المرَّة كان أقلّ حدَّة باتجاه حلفائه الألداء، ولكنه لم يتوافق معهم في كل شيء، خصوصاً حول ملف الحرب في أوكرانيا، على الرغم من أنه لم يعترض على الإشارة إلى تشديد العقوبات الاقتصادية على روسيا، لا سيما على قطاعي النفط والغاز. لكن ترامب أبدى بعض السُخرية من العبارات التي تحدثت عن الضغط على روسيا لإجبارها على إيقاف الحرب، في إيحاء واضح بأن إنهاء الحرب يتطلب مرونة دبلوماسية وتفاوض، وليس تشديد الضغط وتوسيع منسوب الاختلاف والتشجيع على ضرب الصواريخ والمسيرات.
مهما يكُن من أمر؛ فإن قمة مجموعة السبع نجحت في كسر حدة الخلاف في وجهات النظر بين شركاء الأطلسي، ولكنها لم تُنتج تسوية شاملة، وهي أبقت بعض نقاط التبايُن قائمة، ومن بينها موضوع طلب شراء وضمّ جزيرة غرينلاند الدانماركية للولايات المتحدة، لدواعٍ دفاعية كما قال ترامب. كذلك فإن الاختلافات التجارية لم تُسوَّى، بينما بقيت الملفات الإقليمية الساخنة بعيدة عن المعالجة الجادة وغلب على تناولها كلام هو عبارة عن مجاملات استراتيجية، بحيث قدَّم ترامب وعداً قاطعاً للمشاركين بأن ايران لن تتمكن من امتلاك قنبلة نووية، وبأن مضيق هرمز سيفتح أمام الملاحة البحرية من دون شروط. بينما القادة الأوروبيون المشاركون في القمة؛ دعوا لإيجاد بديل عن مضيق هرمز لكي لا تتعرَّض التجارة الدولية – لاسيما النفطية منها – لاختناقات جديدة، وفي ذلك إشارة الى عدم وجود ثقة في التطمينات الأميركية على المدى الطويل.
لم يتطرق الحلفاء الى مسألة التهميش الذي تعرَّضوا له من قبل الولايات المتحدة ، وهو طال الشركاء الدوليين الآخرين، ومن هذا التهميش اعلان الحرب على ايران نهاية شباط/فبراير الماضي بدون أي تنسيق معهم، ولكنهم أشاروا الى أهمية الحفاظ على النظام الدولي القائم ولو احتاج لبعض التعديلات، لأن البديل عنه سيكون إحلال الفوضى على المستوى العالمي، لا سيما في الممرات المائية الدولية التي يحكمها قانون أعالي البحار للعام 1982، وكذلك في أهمية مقاربة الملف النووي الإيراني انطلاقاً من مخالفته لمعاهدة حضر انتشار الأسلحة النووية للعام 2017.
يمكن التأكيد أن قمة إيفيان رمَّمت نصف التصدعات القائمة في جدار التعاون بين الحلفاء، وهي ردمت بعض الحفريات التي أحدثها المرور الخشِن على طريق تبادل المنافع السريعة. لكن الإبقاء على النموذج الحالي القائم في إدارة الملفات الدولية؛ لن يؤدي إلى استقرار، وقد يُنتج توترات جديدة. وواشنطن شعرت أنها لا تستطيع أن تتجاهل مصالح الآخرين في سياق تنفيذها لاستراتيجيتها الخارجية التي اعتمدت على شعار "أميركا أولاً". وهناك أوراق يملكها الآخرون يمكن استخدامها في سياق التجاذبات القائمة، خصوصاً أن سياسة ترامب لاحتواء القوة الصينية – الروسية لم تنجح، ويبدو أن تأثير هؤلاء وتهاونهما يتزايد يوماً بعد يوم.




