تتسع في إسرائيل دائرة الغضب والانتقادات السياسية والإعلامية الحادة ضد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جاي دي فانس، على خلفية توقيع "مذكرة تفاهم إسلام آباد" بين واشنطن وطهران، وهي الانتقادات التي وصلت إلى حد إعلان قيادات دينية وسياسية أن "شعب إسرائيل صمد بدون ترامب وسيستمر بعده".
ورأى سياسيون ومعلقون إسرائيليون أن هذا التفاهم الأخير كشف بوضوح عن تراجع قدرة تل أبيب على التأثير في قرارات البيت الأبيض، وسط اتهامات مباشرة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بدفع البلاد نحو "كارثة سياسية ثقيلة" هي الأشد منذ إقامة الدولة، ولا سيما بعد التحولات التي تلت حرب 28 شباط/فبراير الماضي وتصفية مرشد إيران السابق علي خامنئي.
لا لـ"ماغا"
وفي خطوة تعكس عمق الاستياء داخل الحزب الحاكم، ظهر عضو الكنيست عن حزب "الليكود" بزعامة نتنياهو، حانوخ ميلفيديسكي، في مقطع فيديو نُشر على منصة "إكس"، وهو يخلع قبعة حركة "ماغا" الموالية لترامب والداعمة لإسرائيل، والتي تحمل شعار "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً".
وألقى ميلفيديسكي القبعة جانباً قائلاً إنها "لم تعد مناسبة حقاً"، قبل أن يرتدي قبعة أخرى تحمل شعار أنصار نتنياهو واليمين: "النصر المطلق"، معلقاً بالقول: "هذه أفضل بكثير".
من جانبه، هاجم شموئيل إلياهو، حاخام مدينة صفد شمالي إسرائيل وعضو مجلس الحاخامية العليا، الرئيس الأميركي في مقطع فيديو عقب تصريحات لترامب أشار فيها إلى أن إسرائيل لن تصمد بدون مساعدته.
ورد إلياهو قائلاً: "سمعت أن ترامب قال إن إسرائيل لن تصمد ساعتين بدون مساعدته، ونحن نريد فقط تذكير ترامب بأن شعب إسرائيل صمد ألفي عام بدونه، وسيستمر بعده أيضاً".
وكان ترامب قد صرح في مقابلة سابقة مع موقع "أكسيوس" قائلاً: "لولا دونالد ترامب، لكانت إسرائيل قد سُوّيت بالأرض".
صدام دبلوماسي وانتقادات جي دي فانس
وعلى صعيد التحول في اللهجة الأميركية، علّق الصحافي الإسرائيلي في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، رونين بيرغمان، على تصريحات أدلى بها فانس ضد إسرائيل، واصفاً إياها بأنها في "دقيقة وعشرون ثانية من الكلام يصعب تذكر متى قيل مثلها من قبل أي رئيس أو نائب رئيس أميركي بحق أي حكومة إسرائيلية ورئيسها".
وأضاف بيرغمان عبر منصة "إكس": "رغم الصدامات الحادة السابقة مع نتنياهو، لم يقترب لا بيل كلينتون ولا باراك أوباما ولا جو بايدن ولا كامالا هاريس من مستوى الغضب الذي يفيض من كل كلمة قالها نائب الرئيس فانس، الذي يُعد ربما الصوت الأكثر تأثيراً اليوم داخل الحزب الجمهوري"، معتبراً أن هذه المقابلة "تقول الكثير جداً عن مكانة إسرائيل الحالية في واشنطن".
وكان فانس قد انتقد بشدة أعضاء في الحكومة الإسرائيلية هاجموا التفاهم بين واشنطن وطهران، مذكّراً بأن ثلثي الأسلحة التي حمت إسرائيل مؤخراً "مصنوعة بأيدٍ أميركية وبتمويل من دافعي الضرائب الأميركيين"، ومؤكداً في الوقت ذاته بأنه لا يثق بأي دولة، بما في ذلك إسرائيل، عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الدولية والدبلوماسية.
اتهامات لنتنياهو بـ"الكارثة السياسية الأثقل"
وفي السياق ذاته، حمّل زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، نتنياهو المسؤولية الكاملة عن تدهور العلاقات مع واشنطن. وكتب ليبرمان على منصة "إكس": "وصلنا إلى وضع يفسر فيه الرئيس الأميركي ترامب لماذا يتعين على الإيرانيين الحفاظ على ترسانة الصواريخ الباليستية".
وأضاف: "نتنياهو قادنا من الكارثة الأمنية الأكبر في تاريخ إسرائيل، وهي أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلى كارثة سياسية هي الأثقل التي نواجهها هنا منذ إقامة الدولة".
وتعيد هذه السجالات التذكير بأحداث 7 أكتوبر، عندما شنت حركة "حماس" وفصائل فلسطينية عملية "طوفان الأقصى"، التي هاجمت فيها 11 قاعدة عسكرية و22 مستوطنة، وأعلنت حينها أنها جاءت "لإنهاء الحصار الجائر على غزة، وإفشال مخططات إسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية وفرض سيادتها على المسجد الأقصى".
من جهتها، وجهت الصحافية في صحيفة هآرتس، إيريس ليال، خطاباً لاذعاً لأنصار نتنياهو عبر منصة "إكس" قائلة: "الآن بعد أن أصبحتم أنتم أيضاً تدركون أن مذكرة التفاهم تمثل استسلاماً كاملاً من ترامب لإيران، وصفعة قوية لفرصة نتنياهو في الفوز بالانتخابات، هل ما زلتم تعتقدون أن من حسن الحظ الكبير أن كامالا هاريس لم تفز في الانتخابات؟"، علماً بأن هاريس، مرشحة الحزب الديمقراطي، كانت قد خسرت سباق الرئاسة الأميركية لصالح ترامب.
تحذيرات من إهانات علنية مقبلة
وفي بث مباشر على شاشة القناة (13) العبرية، طالب الصحافي شاي غولدن المشاهدين بسخرية بالتصفيق لنتنياهو لأنه "قاد إسرائيل إلى هوة تاريخية مع واشنطن"، محذراً من أن الاتفاق الحالي مع إيران ليس سوى البداية، ومتوقعاً "إهانة علنية جديدة" سيوجهها الرئيس الأميركي لنتنياهو قريباً.
ويأتي هذا بالرغم من تصريحات ترامب الأخيرة لهيئة البث العبرية والتي قال فيها: "من المرجح جداً أن أدعم نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، لكنني أريد أولاً معرفة هوية المرشحين المنافسين"، مردفاً أن نتنياهو "يحتاج إلى أن يكون أكثر عقلانية"، ومؤكداً استعداد البيت الأبيض لعقد لقاء معه.
وفي السياق ذاته، هاجمت الناشطة والصحافية اليمينية الإسرائيلية، شوشانا فايس، التدخلات الأميركية الشديدة وكتبت اليوم السبت، على "إكس": "ليس ترامب؛ من يملك أوراق اللعبة في الانتخابات هو شعب إسرائيل..إسرائيل ليست الولاية الأميركية الحادية والخمسين، ومواطنوها ليسوا خاضعين لك".
وتابعت مخاطبة ترامب مباشرة: "بالمناسبة، إسرائيل حاربت إيران وحدها إلى أن انضممت أنت، فلا تسرق الفضل من نتنياهو في تصفية خامنئي"، في إشارة إلى مقتل مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي في مستهل الحرب العسكرية التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران في 28 فبراير الماضي.
بنود مذكرة تفاهم إسلام آباد
وكانت إيران والولايات المتحدة قد أعلنتا رسمياً، في 14 جزيران/ يونيو الجاري، التوصل إلى اتفاق سياسي شامل من 14 بنداً يُعرف باسم "مذكرة تفاهم إسلام آباد"، وينص على وقف الحرب الشاملة ومعالجة الخلافات الاستراتيجية بين الجانبين عبر طاولة المفاوضات.
وحمل الاتفاق الموقّع رقمياً توقيع كل من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والأميركي دونالد ترامب، ويتضمن بنوداً ملزمة تتعلق بإنهاء الأعمال العسكرية في عدة جبهات إقليمية بما فيها لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل أمام الملاحة الدولية، ورفع الحصار البحري الأميركي المفروض على طهران.




