أعلنت الولايات المتحدة وإيران، في 18 حزيران/يونيو 2026، التوصل إلى مذكرة تفاهم بوساطة باكستانية-قطرية، بعد أكثر من ثلاثة أشهر من الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 شباط/فبراير 2026. ونصّت المذكرة على وقف الأعمال العسكرية على كل الجبهات، بما فيها لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز، والشروع في مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، مقابل رفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ومنح حزمة من التسهيلات الاقتصادية والإعفاءات من العقوبات. ويمثّل هذا الاتفاق أول تفاهم مباشر بين الطرفين منذ اندلاع الحرب، لكنه لا يشكّل تسوية نهائية للصراع بقدر ما يؤسس لإطار انتقالي يهدف إلى إدارة مرحلة ما بعد الحرب. فالمذكرة تؤجّل معظم القضايا الخلافية الجوهرية إلى مفاوضات لاحقة، مع تحديد مهلة زمنية مدتها ستون يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي. لذلك، يعدّ ما جرى التوصل إليه إطاراً أولياً يضع مبادئ عامة وإجراءات بناء ثقة، وليس تسوية استراتيجية شاملة. ومن ثم، تكمن أهمية المذكرة في دلالاتها السياسية والاستراتيجية؛ إذ تعكس حدود القدرة على فرض الوقائع بالقوة العسكرية، وتشير إلى انتقال الصراع من الميدان العسكري إلى طاولة التفاوض.
فشل الخيار العسكري
دخلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحرب، بدفعٍ من إسرائيل راهَن على رغبته في الظهور بمظهر الرئيس القوي، وعلى اعتماده سياسات القوة، معلنتين أهدافاً واسعة النطاق شملت القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وإضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية، وتقليص نفوذها الإقليمي، بل تغيير النظام عبر إضعاف قبضته على السلطة وإطلاق ثورة داخلية لإطاحته. وعلى الرغم من أن هذه الأهداف شهدت تغيرات من حين إلى آخر، فإنها ظلت تعكس الرهان على الحسم العسكري بوصفه وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. غير أن مسار العمليات العسكرية كشف حدود القدرة على تحقيق هذه الأهداف بالقوة. فعلى الرغم من القصف الواسع النطاق الذي استهدف القيادة الإيرانية والبنية العسكرية والأمنية، وأدى إلى اغتيال عدد من كبار القادة وإلحاق أضرار جسيمة بمنشآت استراتيجية، فإن النظام الإيراني لم ينهَر، خلافاً لتوقعات أجهزة الأمن الإسرائيلية، ولم يفقد قدرته على إدارة شؤون الدولة أو مواصلة الحرب. بل على العكس، تمكّنت إيران من دفع الولايات المتحدة إلى وقف الحرب عبر رفع تكلفة الصراع عليها، سواء عبر استهداف القواعد الأميركية والمنشآت الحيوية في المنطقة في دول حليفة لها، أو من خلال إغلاق مضيق هرمز وتهديد الملاحة الدولية. ومع ذلك، دفعت إيران ثمناً باهظاً تمثّل في تدمير العديد من منشآتها الحيوية، وإلحاق أضرار كبيرة ببرنامجها النووي.
وقد أفضى هذا الانسداد العسكري والثمن الاقتصادي المتزايد يومياً إلى انتقال الحرب، بالنسبة إلى واشنطن، من محاولة تحقيق نصر حاسم إلى إدارة أزمة مفتوحة تحمل مخاطر اقتصادية وأمنية متزايدة. فتعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز هدّد إمدادات الطاقة العالمية، وأثار مخاوف من أزمة اقتصادية واسعة، في حين بدا أن استمرار الحرب لن يفضي إلى نتائج سياسية تتناسب مع التكلفة المتزايدة التي تتحملها الأطراف المختلفة. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى المذكرة باعتبارها انعكاساً لإدراك متبادل لدى الطرفين بأن استمرار الحرب لن يحقق مكاسب إضافية حاسمة، وأن الانتقال إلى التفاوض بات الخيار الأكثر واقعية مقارنة باستمرار المواجهة العسكرية.
مذكرة إسلام آباد: إطار لوقف الحرب
تقوم المذكرة على معادلة رئيسة تتمثّل في الربط بين التهدئة الأمنية والحوافز الاقتصادية. فقد وافقت إيران على إعادة فتح مضيق هرمز، والعودة إلى التفاوض بشأن برنامجها النووي، وتجديد تأكيد التزامها بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، علماً أن مضيق هرمز كان مفتوحاً قبل الحرب، وكانت إيران قد أعلنت، قبل اندلاعها، التزامها بعدم امتلاك سلاح نووي. وفي المقابل، وافقت الولايات المتحدة على رفع الحصار البحري عن موانئ إيران، ومنحها إعفاءات واسعة من العقوبات، والسماح باستئناف صادراتها النفطية، والإفراج عن جزء من أصولها المجمدة. وتتضمن المذكرة إنشاء آلية لمتابعة التنفيذ والإعداد لاتفاق نهائي يُفترض التوصل إليه خلال ستين يوماً. غير أن معظم القضايا التي عدّتها واشنطن سبباً مباشراً للحرب أُرجئت إلى مرحلة لاحقة من المفاوضات. ومن المفيد التذكير بأن ثمة مفاوضات كانت تجري في جنيف ومسقط قبل أن تقطعها الولايات المتحدة وتتجه إلى الحرب.
من ثم، تبدو المذكرة أقرب إلى إطار لوقف الحرب وإدارة الأزمة، والعودة إلى مسار التفاوض، أكثر من أن تكون تسوية نهائية لها؛ إذ نجحت في وقف الأعمال العسكرية واحتواء مخاطر التصعيد، لكنها لم تعالج جذور الخلاف بين الطرفين. ويبدو أن مضيق هرمز، أكثر من البرنامج النووي الإيراني، شكّل محور التفاهم الفعلي بين الطرفين، خاصة بعدما أصبح أمن الطاقة العالمي مركز الثقل الحقيقي في الأزمة.
البعد الاقتصادي للاتفاق
تشكّل الحوافز الاقتصادية أحد أبرز عناصر المذكرة وأكثرها إثارة للاهتمام. فالاتفاق يمنح إيران مكاسب مباشرة تشمل تخفيف القيود المفروضة على صادراتها النفطية، وإعادة دمجها تدريجياً في النظام المالي العالمي، والإفراج عن أصول مالية مجمدة تقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات. وقد مثّل هذا البند أحد أبرز أسباب تعثّر المفاوضات، وكاد يؤدي إلى انهيارها أكثر من مرة؛ إذ أصرّت إيران على الإفراج عن جزء معتبر من أموالها المجمّدة، التي تكتسب أهمية خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي واجهتها خلال سنوات العقوبات وتفاقمت بفعل الحرب. فمن شأن هذه الأموال واستئناف الصادرات النفطية أن يوفّرا للحكومة الإيرانية موارد مالية تساعدها على احتواء تداعيات الحرب الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة تأهيل جزء من بنيتها الاقتصادية والصناعية المتضررة بسببها.
غير أن هذه الترتيبات أثارت، في الوقت نفسه، تساؤلات داخل الولايات المتحدة، ولا سيما بشأن جدوى السياسات التي تبنّتها إدارة الرئيس ترامب تجاه إيران، منذ انسحابها من الاتفاق النووي لعام 2015 وصولاً إلى خوض حرب مدمّرة ضدها. فقد دأب ترامب على انتقاد إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما لإفراجها عن أصول مجمدة لإيران مقابل التزامها بعتبة تخصيب لا تتجاوز 3.67 في المئة، في حين وافق هو على الإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات من الأصول المجمدة لإيران ورفع العقوبات عن تصديرها النفط من دون التزامات واضحة منها بشأن برنامجها النووي.
البرنامج النووي: جوهر الخلاف المؤجّل
على الرغم من أن البرنامج النووي الإيراني كان السبب المباشر للحرب، فإن مذكرة التفاهم لا تقدّم معالجة تفصيلية له. فهي تكتفي بإعادة التأكيد على التزام إيران بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، مع الإشارة إلى خفض مستويات تخصيب جزء من المواد المخزّنة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومع ذلك، تبقى القضايا الأساسية من دون حسم؛ إذ لا تحدد المذكرة إذا ما كانت إيران ستحتفظ بقدراتها الحالية على التخصيب، ولا مصير منشآتها النووية الرئيسة، ولا طبيعة نظام الرقابة والتفتيش الذي سيُعتمد مستقبلاً. ولا تقدّم أيضاً إجابة واضحة عن مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، الذي كان جوهر الخلاف بين الطرفين. ويعكس هذا الغموض مدى التباعد بين موقفَي الطرفين، ويؤكد أن المرحلة المقبلة من المفاوضات ستكون أكثر صعوبة من التوصل إلى وقف إطلاق النار نفسه. فالقضية النووية لا تتعلق بالاعتبارات التقنية فحسب، بل تمسّ توازنات الأمن الإقليمي، ومكانة إيران الإقليمية، ومستقبل نظام العقوبات الدولي، فضلاً عن أن البرنامج النووي نفسه تحوّل إلى مسألة كرامة وطنية بالنسبة إلى الإيرانيين. ومن المرجّح أن تقبل إيران، في نهاية المطاف، بتسوية تسمح لها بالحفاظ على حقها النظري في التخصيب، مع وقفه فعلياً مدةً قد تمتد إلى خمسة عشر أو عشرين عاماً، وإعادة معالجة مخزون اليورانيوم المخصب أو خفضه تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. غير أن مثل هذه التسوية تبقى بعيدةً عن المطلب الذي دخل ترامب الحرب من أجله، والمتمثّل في تخلّي إيران، من حيث المبدأ، عن حقها في تخصيب اليورانيوم.
الأبعاد الإقليمية: مضيق هرمز ولبنان
لا تنظر إيران إلى الاتفاق بوصفه مجرد وقف للحرب، بل بداية لإطار أمني إقليمي جديد يحدّ من إمكانية مهاجمتها مستقبلاً. لذلك، لا تقتصر أهمية المذكرة على بعدها الثنائي بينها وبين الولايات المتحدة، بل تمتد إلى أبعاد إقليمية أوسع. فقد أعادت الحرب التأكيد على المكانة الاستراتيجية لمضيق هرمز بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وأظهرت أن إيران لا تزال تمتلك القدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة العالمية، بما يمنحها ورقة تفاوضية مهمة في أيّ ترتيبات أمنية تخص الخليج. ويبدو واضحاً من نص المذكرة أن إيران لا تريد التخلّي عن ورقة هرمز أو الإقرار بفقدان سيادتها عليه، بل تسعى إلى تحويل نفوذها فيه إلى مصدر شرعية ومكاسب اقتصادية، سواء عبر رسوم خدمات أو ترتيبات ملاحية مشتركة مع سلطنة عُمان. وقد نصّت المذكرة صراحة على التزام إيران ببذل "أقصى ما في وسعها" لاتخاذ الترتيبات اللازمة لضمان المرور الآمن للسفن التجارية، من دون فرض أيّ رسوم، مدة ستين يوماً فقط، بين الخليج العربي وبحر عُمان "في الاتجاهين"، على أن تُجري إيران "مباحثات مع سلطنة عُمان لتحديد ترتيبات الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز"، بالتشاور مع الدول المطلة على الخليج العربي، وبما يتوافق مع أحكام القانون الدولي والحقوق السيادية للدول الساحلية للمضيق.
ومن بين البنود التي حظيت باهتمام خاص الإشارة الصريحة إلى لبنان ضمن الالتزام بإنهاء العمليات العسكرية على جميع الجبهات؛ إذ تعكس ارتباط الساحة اللبنانية بالسياق الإقليمي الأوسع، وتؤكد أن الاستقرار في لبنان لم يعد منفصلاً عن مسار العلاقات الأميركية – الإيرانية. غير أن هذا البند يظل رهناً بمدى استعداد إسرائيل للتجاوب مع جهود وقف الحرب، ويبقى محدود الأثر عملياً، لأنه لا يتضمن نصاً يُلزمها بالانسحاب من المناطق التي احتلتها خلال الحرب، ولا يحدّد آليات لضمان احترام السيادة اللبنانية. ولذلك، تكمن قيمته الأساسية في دلالته السياسية أكثر من اعتباره ترتيباً أمنياً قابلاً للتنفيذ. وتبرز هذه الإشكالية جلياً في ضوء موقف إسرائيل التي أعلنت صراحة أنها لا تعتبر نفسها ملزمةً بأيّ ترتيبات تخص لبنان في إطار المفاوضات الأميركية – الإيرانية، في وقت تواصل فيه عدوانها على لبنان، وتؤكد احتفاظها بحرّية العمل العسكري في مواجهة ما تعتبره تهديدات أمنية على حدودها الشمالية.
وإذ كان ضغط إسرائيل المستمر على الولايات المتحدة منذ عقود قد أسهم في الدفع نحو الحرب على إيران، فإن الجهود السياسية والعسكرية الإسرائيلية التي تبذلها لإفشال المسار التفاوضي تمثّل حالياً العقبة الرئيسة أمام استمراره، على الرغم من الدعم الدولي الواسع الذي يحظى به.
المكاسب والتحديات
تكشف قراءة أولية لمذكرة التفاهم أن إيران تستطيع تقديم الاتفاق داخلياً بوصفه نتيجة لصمودها في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تعرّضت لها خلال الحرب. فقد جاءت هذه المذكرة بعد أشهر من المواجهة التي بدأت في ظل خطاب أميركي وإسرائيلي سعى إلى إحداث تغيير جذري في موازين القوى في المنطقة، وربط إنهاء الحرب بفرض شروط قاسية على إيران، وصولاً إلى الحديث عن استسلامها بالكامل. وفي هذا السياق، تبدو القيادة الإيرانية حريصة على إبراز التحول الذي طرأ على الموقف الأميركي، من السعي إلى تحقيق أهداف الحرب عبر الأدوات العسكرية إلى القبول بمسار تفاوضي يتناول القضايا الخلافية ضمن إطار سياسي ودبلوماسي، باعتباره نصراً لها. ولا يقتصر الأمر على البعد الرمزي المرتبط بصمود النظام الإيراني، بل يمتد إلى مضمون المذكرة نفسها؛ إذ لا تتضمن التزامات واضحة تتعلق بتفكيك البرنامج النووي الإيراني، أو إنهاء برنامج الصواريخ الباليستية، أو تخلّي طهران عن حلفائها الإقليميين، وهي أهداف كانت مطروحة بقوّة في الخطاب الأميركي والإسرائيلي خلال المراحل الأولى من الحرب. كما أُرجئت القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدّمتها مستقبل التخصيب النووي ومصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، إلى مرحلة لاحقة من المفاوضات، من دون تحديد مسبق لمآلاتها النهائية. وفضلاً عن ذلك، نجحت إيران، على ما يبدو، في ترسيخ أهمية مضيق هرمز بوصفه ورقة جيوسياسية رئيسة في أيّ معادلة أمنية إقليمية، بعدما أظهرت الحرب أن قدرتها على التأثير في حركة الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية تجعل من الصعب تجاوزها أو استبعادها من أيّ ترتيبات تخص أمن الخليج وممراته البحرية. ومن المرجّح أن تستمر هذه الورقة في التأثير في حسابات الأطراف المختلفة خلال المفاوضات المقبلة. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الحرب انتهت من دون أن تحقق الولايات المتحدة وإسرائيل معظم الأهداف السياسية والاستراتيجية التي طرحتاها عند إطلاقها.
في المقابل، تواجه إدارة ترامب تحدّياً يتعلق بكيفية تسويق الاتفاق داخلياً. فعلى الرغم من أنها تستطيع التأكيد أنها نجحت في وقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز وإعادة إيران إلى طاولة التفاوض، فإن قدرتها على تقديم الاتفاق باعتباره نجاحاً استراتيجياً ستظل مرتبطة بنتائج المفاوضات المقبلة، ولا سيما في ما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، خاصة أن منتقديها يرون أنها منحت طهران مكاسب اقتصادية ملموسة قبل الحصول على تنازلات جوهرية في الملفات الأكثر حساسية. ولذلك، تبدو الإدارة الأميركية حريصة على التأكيد أن الاتفاق لا يمثّل نهاية الضغوط على إيران، وأن خيار العودة إلى العقوبات، أو حتى استخدام القوة العسكرية، سيبقى مطروحاً إذا فشلت المفاوضات أو لم تلتزم طهران بتعهداتها.
ويضاف إلى ذلك عامل آخر قد يؤثّر في فرص نجاح الاتفاق، ألا وهو الموقف الإسرائيلي؛ إذ لا تخفي حكومة بنيامين نتنياهو، وإن كانت تتجنّب مواجهة علنية مباشرة مع إدارة ترامب، تحفّظاتها على مضمون المذكرة، لأنها لا تتناول القدرات الصاروخية الإيرانية، أو شبكة حلفائها الإقليميين، ولا تحسم الملف النووي، وتفرض عليها وقف الحرب في لبنان. ومن ثم، تخشى إسرائيل أن تكون نتائج الحرب، كما كرّستها مذكرة التفاهم، قد رسّخت مكانة إيران الإقليمية، وسمحت بتخفيف الضغوط الاقتصادية والعسكرية عليها، بدلاً من أن تؤدّي إلى إسقاط نظامها، أو إضعافه في الحد الأدنى. ومن ثم، يعدّ موقف إسرائيل التحدّي الأبرز أمام تنفيذ الاتفاق؛ إذ لا تعتبر نفسها ملزمة بالترتيبات المتعلقة بالساحة اللبنانية الواردة فيه، وتواصل التأكيد أنها ستحتفظ بحرّية العمل العسكري حيثما ترى أن أمنها مهدد. ومن شأن هذا التباين أن يفرض تحديات إضافية أمام أيّ محاولة لتحويل التفاهم الحالي إلى ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقراراً.
وبناء على ذلك، يصعب الحديث، في هذه المرحلة، عن رابحين وخاسرين على نحو نهائي. فالمذكرة تمثّل، قبل كل شيء، إطاراً لوقف الحرب وفتح مسار تفاوضي جديد، في حين ستظل مسألة المكاسب والتنازلات الفعلية مرتبطة بما ستفضي إليه المفاوضات المقبلة بشأن البرنامج النووي والعقوبات والترتيبات الأمنية الإقليمية. لذا، سيظل الحكم على نتائج الاتفاق سابقاً لأوانه، ما لم يتحول التفاهم الحالي إلى اتفاق سياسي وأمني أكثر شمولاً واستدامة.
خاتمة
تمثّل مذكرة إسلام آباد تحولاً مهماً في مسار الصراع الأميركي – الإيراني، لأنها تنقل المواجهة من الميدان العسكري إلى طاولة التفاوض. غير أن هذا التحول لا يعني تجاوز أسباب الصراع أو تسويتها؛ فالمذكرة أقرب إلى إطار لإدارة الخلافات واحتواء الحرب أكثر من أن تكون تسوية نهائية لها. وتبقى فرص نجاحها مرتبطة بقدرة الطرفين على التوصل إلى تفاهم دائم بشأن القضايا التي أُرجئت إلى المفاوضات، وفي مقدّمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات والترتيبات الأمنية الإقليمية. كما ستتأثر بمواقف الأطراف الإقليمية، ولا سيما إسرائيل المعارِضة للاتفاق، وبقدرة الوسطاء على الحيلولة دون تجدد التصعيد. وبناء عليه، سيظل تحوّل المذكرة إلى أساس لترتيب إقليمي جديد، أو بقاؤها مجرد هدنة مؤقتة، مرهوناً بنتائج المفاوضات المقبلة، وبقدرة الأطراف المختلفة على تحويل التفاهمات الأولية إلى التزامات سياسية وأمنية مستدامة.




