يتظاهر العشرات من أهالي بلدة الثعلة، المهجرين من بلدتهم منذ تموز/يوليو الماضي، حاملين أسلحتهم، على الطريق الواصل إلى بلدتهم داخل مدينة السويداء، لمدة خمسة أيام بدأت أمس السبت، معلنين عن مهلة خمسة أيام لانسحاب قوات الحكومة السورية التي تسيطر على بلدتهم، أو شن هجمات عسكرية لاستعادتها، وسط استياء من تدهور الأوضاع المعيشية، وانعكاسها بشكل مضاعف على المهجرين من القرى الشمالية والغربية.
وانتشرت مشاهد على منصات التواصل الاجتماعي لحشد من المسلحين، عبّروا خلاله عن استيائهم من ارتفاع إيجارات الشقق داخل مدينة السويداء، واستغلال معاناتهم دون أي رقابة أو تدخل من السلطات المحلية الناشئة في السويداء. وأكد المحتجون أن الوعود بعودة قريبة برعاية "الدول الضامنة" لم تعد تنطلي عليهم، مُطالبين بتحرك المجتمع والقوى العسكرية في السويداء لاستعادة قراهم بالقوة، أو إيجاد حلول تضمن لهم عودة كريمة إلى منازلهم وأراضيهم الزراعية التي سيخسرونها في حال استمرار غيابهم عنه. وقال المحتجون إنهم سينفذون وقفات مماثلة لمدة خمسة أيام، إلى حين انتهاء المهلة التي أعلنوا عنها.
محافظ السويداء يدعو المهجرين للعودة
وسارع محافظ السويداء مصطفى البكور للرد في بيان موجه إلى أهالي الريف الغربي والشمالي لمحافظة السويداء، مشيراً إلى إدراك الحكومة السورية لمعاناتهم وظروفهم القاسية "بعيداً عن بيوتكم وأراضيكم التي تعبتم في بنائها وزراعتها عبر سنوات طويلة من العمر".
وأعلن بكور الاستعداد لاستقبال الأهالي في قراهم "التي كنّا وسنبقى فيها ضيوفاً عند أهلها الأصليين"، وأن "عودتكم هي حقّكم الطبيعي الذي لا ينازعكم فيه أحد". واقترح المحافظ تشكيل لجنة في كل قرية برئاسة رئيس البلدية وعضوية الفعاليات الاجتماعية، تكون مهمتها: تنظيم عودة الأهالي إلى بيوتهم بشكل آمن ومنظّم، تقييم الاحتياجات الأولية لكل أسرة، إعادة تفعيل الخدمات الأساسية في القرى ومتابعة أوضاع الأراضي الزراعية.
لكن رد المحافظ وإعلانه الاستعداد لاستقبال الأهالي لن يحل الأزمة كما قال أحد منظمي الاحتجاج من أهالي بلدة الثعلة لـ"المدن"، مشيراً إلى أن أهالي البلدة المهجرين منها كما جميع المهجرين من الريفين الغربي والشمالي، يرفضون العودة إلى قراهم وبيوتهم بوجود قوات أمنية وعسكرية تابعة للحكومة السورية، نتيجة الانتهاكات المروعة التي ارتكبتها خلال الهجمات على مناطقهم في أحداث تموز الماضي.
وأضاف المصدر أن المهجرين سئموا من الوعود المتكررة التي تطلقها القيادات في السويداء على مدار عام كامل بأن عودتهم قريبة إلى قراهم، بينما واقع حالهم إلى الأسوأ مع ارتفاع الإيجارات وغياب الضوابط والضغوط المعيشية التي يكابدونها بعيداً عن بيوتهم وأرزاقهم.
أكثر من 180 ألف نازح
وخلال أحداث تموز الدامية في السويداء، سيطرت الحكومة السورية على نحو ثلاثين قرية وبلدة في الريفين الشمالي والغربي لمحافظة السويداء بعد هجمات متتالية شنتها القوات الحكومية ثم "الفزعات" العشائرية، ما تسبب بتهجير غالبية سكانها بعد تعرض بيوتهم للنهب والحرق.
في بلدة الثعلة لوحدها، قُتل 70 مدنياً بينهم نساء وأطفال في تلك الهجمات، ونزح غالبية سكانها الذين يصل عددهم إلى نحو 10 آلاف نسمة باتجاه مدينة السويداء والقرى المجاورة لها، حيث جرى توزيع قسم منهم على مراكز إيواء، والبقية استأجروا شققاً سكنية ومنازلاً تتراوح إيجاراتها الشهرية بين 100 إلى 250 دولار أميركي. وفي أيلول/سبتمبر 2025، أصدرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تقريراً أكد أن عدد النازحين جراء أحداث السويداء بلغ 187 ألفاً و200 شخص، يقيم 66% منهم داخل محافظة السويداء، في حين لجأ آخرون إلى درعا وريف دمشق.
وأنشأت الحكومة السورية مقراً إدارياً بديلاً لمبنى المحافظة في قرية الصورة الصغيرة، وأطلقت مشاريعاً بالتعاون مع منظمات دولية لإعادة تأهيل البنية التحتية في القرى التي تسيطر عليها، وترميم المنازل المتضررة التي يصل عددها إلى نحو 7 آلاف منزل متضرر وفق إحصائية نشرتها الصفحة الرسمية لمحافظة السويداء، التي دعت في عدة مناسبات خلال الأشهر الماضية سكان بعض القرى للعودة إليها، مثل قرية ام حارتين في الريف الشمالي التي جرى ترميم غالبية المنازل فيها، لكن المهجرين لم يستجيبوا لتلك الدعوات، حيث لا تزال القرى التي تسيطر عليها الحكومة شبه خالية من سكانها. ولا تقتصر أزمة النزوح على السكان الدروز رغم كونهم يشكلون الأكثرية في نسبة المهجرين، إذ يواجه نحو 25 ألف شخص من العشائر البدوية ذات المصير بعد تهجيرهم من بيوتهم وأحيائهم داخل السويداء باتجاه محافظتي درعا وريف دمشق خلال أحداث العنف في تموز، وسط غياب أي مبادرات تتعلق بعودتهم إلى بيوتهم داخل السويداء.
أزمة شديدة التعقيد
وفي هذه الأزمة التي لم يسبق للسويداء أن عاشتها من قبل، تبرز إشكالية شديدة التعقيد: يرفض المهجرون الدروز العودة إلى قراهم في الريفين الغربي والشمالي في ظل استمرار وجود قوات الحكومة السورية فيها ويطالبون بانسحابها خارج قراهم، بينما يطالب المهجرون من البدو في بياناتهم المتكررة ببسط الحكومة السورية سيطرتها على كامل السويداء حتى يتسنى لهم العودة إلى بيوتهم. مشهد يعكس انعداماً متبادلاً للثقة، في وقت يرزح المهجرون من الطرفين تحت وطأة الضغوط المعيشية والاقتصادية خارج ديارهم، وسط استمرار القطيعة والتوتر السياسي بين السلطات المحلية في السويداء التي شكلها الشيخ حكمت الهجري، والحكومة السورية.
رضوان ابو حمرة وهو من مهجري ريف السويداء الشمالي، ويقيم في مدينة شهبا شمال محافظة السويداء، قال لـ"المدن"، إن حالة الاستياء تتصاعد لدى جميع المهجرين، وهناك مساعٍٍ لتنظيم مزيد من الاحتجاجات للمطالبة بالعودة إلى قراهم بشكل آمن يضمن كرامتهم، معتبراً أنهم فقدوا ثقتهم بجميع الأطراف المعنية بالملف، إن كان في السويداء أو دمشق، وحتى الدول الضامنة "التي لا نعرف إن كانت تضمن بقاء الوضع على حاله واستمرار معاناتنا". وقال إن التصعيد العسكري الذي يلوح به بعض الأهالي من المهجرين للعودة إلى قراهم لن يجلب إلى المزيد من الدماء والخسائر، معتبراً أن الحلول السياسية بين دمشق والسويداء هي الضامن الوحيد لإنهاء هذه الأزمة حتى لا تتحول إلى تغيير ديمغرافي صامت، على حد قوله.




