بعد اتفاقية 29 كانون الثاني/يناير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لم يتغيّر الشيء الكثير في القامشلي والحسكة. فما زالت قسد تمسك بمفاصل المنطقة، وما زالت مؤسسات الإدارة الذاتية تعمل كما كانت خلال السنوات الماضية. لكن خلف هذا المشهد المستقر نسبياً، تبدو الحركة الكردية في المنطقة كلها أمام تحولات ربما تكون الأكبر منذ سنوات.
خلال الأيام الماضية، تداخلت ثلاث تطورات بدت للوهلة الأولى منفصلة عن بعضها لكنها متكاملة لتشكيل ملامح المرحلة المقبلة. فقدزأفاد مصدر خاص "المدن"، بتزايد الحديث عن ترتيبات قانونية جديدة في تركيا تتعلق بمقاتلي حزب العمال الكردستاني، وكذلك البيان المطول الذي أصدره المؤتمر القومي الكردستاني في هولندا، والجدل الذي أثاره غياب الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني عن أعمال المؤتمر.
لكن عند جمع هذه الخيوط معاً، تظهر صورة مختلفة. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بمستقبل قسد في شمال شرقي سوريا، بل بمستقبل الحركة الكردية كلها، وبالشكل الذي ستدخل به المرحلة المقبلة من التحولات الإقليمية.
إمرالي تتصدر اهتمامات المؤتمر الكردستاني في هولندا
أكثر ما لفت الانتباه في البيان الصادر عن المؤتمر القومي الكردستاني، لم يكن حديثه عن سوريا أو العراق أو إيران، بل التركيز غير المسبوق على مسار إمرالي وعلى الدور الذي يلعبه عبد الله أوجلان في المرحلة الحالية.
فالمؤتمر لم يكتفِ بالإشارة إلى الرسالة التي بعث بها أوجلان إلى المشاركين، بل تعامل مع عملية التفاوض الجارية مع الدولة التركية بوصفها حدثاً مفصلياً يمكن أن ينعكس على مجمل الجغرافيا الكردية.
وقالت مصادر كردية مطلعة لـ"المدن"، إن قسماً مهماً من النقاشات الدائرة داخل الأوساط القريبة من حزب العمال الكردستاني ينطلق من فرضية أن القرار الاستراتيجي المتعلق بمستقبل الحركة لم يعد يُصنع في قنديل أو القامشلي فقط، بل بات مرتبطاً إلى حد كبير بما ستؤول إليه التفاهمات الجارية في إمرالي، لأن كثيراً من الملفات العالقة، سواء في تركيا أو سوريا، يجري التعامل معها على أنها جزء من مشهد سياسي واحد، لا ملفات منفصلة كما كان الحال في السابق.
من السلاح إلى السياسة
في موازاة ذلك، أفاد مصدر خاص "المدن"، بأن أوساطاً كردية تتحدث عن اقتراب طرح مشروع قانون داخل البرلمان التركي يتضمن ترتيبات جديدة تخص عناصر حزب العمال الكردستاني، وأن المشروع المتداول يتضمن السماح لآلاف المقاتلين بالعودة إلى تركيا والانخراط في العمل السياسي بعد فترة محددة، مقابل ترتيبات مختلفة تخص بعض القيادات العليا في الحزب.
ورغم غياب أي إعلان رسمي حتى الآن، إلا أن مجرد تداول مثل هذه الأفكار يعكس طبيعة المرحلة الحالية، حيث يبدو أن النقاش انتقل من كيفية إدارة الصراع إلى كيفية إنهائه.
بالنسبة للحركة الكردية، لا يتعلق الأمر فقط بإيجاد تسوية داخل تركيا، بل بإعادة تعريف المشروع السياسي بأكمله بعد عقود من العمل المسلح.
ما يحدث في تركيا ينعكس على سوريا
وقلت مصادر سورية متابعة للملف الكردي لـ"المدن"، إن "هذه النقاشات في إمرالي لا تبدو بعيدة كما قد يعتقد البعض عن القامشلي، بل إن جزءاً من الجدل الدائر داخل الإدارة الذاتية يتعلق أساساً بمرحلة ما بعد التسوية، وبموقع المؤسسات العسكرية والسياسية التابعة لها في أي اتفاق مستقبلي مع دمشق".
فالمشروع السياسي الذي قامت عليه الإدارة الذاتية يواجه اليوم ضغوطاً متزايدة من أكثر من جهة، سواء من دمشق التي ترفض تكريس أي صيغة فيدرالية واسعة، أو من أنقرة التي تواصل النظر إلى قسد باعتبارها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، أو حتى من واشنطن التي لا تبدو مستعدة للدخول في مواجهة مفتوحة من أجل تثبيت واقع سياسي دائم في شمال شرقي سوريا.
لذلك، فإن النقاش الحقيقي لم يعد يدور حول استمرار السيطرة العسكرية، بل حول شكل التسوية السياسية المقبلة وحدودها.
مؤتمر الوحدة في هولندا وصراع المرجعيات
الرسالة الأساسية التي حاول المؤتمر القومي الكردستاني توجيهها كانت واضحة: الوقت حان لبناء مرجعية كردية موحدة. ولهذا جاء التركيز على عقد مؤتمر قومي كردي شامل خلال الفترة المقبلة، وعلى ضرورة توحيد الموقف الكردي في مواجهة التحولات الجارية في المنطقة.
لكن هذه الدعوة اصطدمت سريعاً بغياب الحزب الديمقراطي الكردستاني، القوة السياسية والعسكرية الأكبر في إقليم كردستان العراق.
وبالنسبة لكثيرين، فإن الغياب لم يكن تفصيلاً تنظيمياً، بل مؤشراً إلى استمرار الانقسام العميق داخل البيت الكردي، حيث أن الخلاف يتجاوز مسألة المشاركة في مؤتمر أو مقاطعته، ويرتبط بصورة المرحلة المقبلة نفسها، وبالسؤال القديم المتجدد حول الجهة التي تملك حق تمثيل الكرد سياسياً.
ففي الوقت الذي ترى فيه القوى القريبة من حزب العمال، أن اللحظة الحالية تفرض إعادة إنتاج مرجعية كردية عابرة للحدود، لا يبدو أن أربيل مستعدة للتسليم بسهولة بقيادة سياسية جديدة تتمحور حول أوجلان أو القوى المرتبطة به.
ما يجمع بين جميع الأطراف الكردية اليوم هو الإحساس بأن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة. الحرب، والتغيرات الجارية في سوريا، والأزمة الإيرانية، والتفاهمات المحتملة في تركيا، كلها عوامل تدفع باتجاه إعادة رسم توازنات جديدة، لكن ما زال من المبكر الجزم بالشكل الذي ستنتهي إليه هذه التحولات.
فبين من يرى أن الحركة الكردية تقترب من تحقيق أكبر اختراق سياسي في تاريخها الحديث، ومن يعتقد أن الطريق ما زال مليئاً بالعقبات، يبقى الثابت الوحيد أن المشهد الكردي لم يعد كما كان قبل سنوات.




