تتجه الأنظار إلى سويسرا غداً الأحد مع انطلاق محادثات تقنية بين الولايات المتحدة وإيران برعاية قطر وباكستان، في محاولة لإنقاذ مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين وإنهاء التوترات الإقليمية، وذلك بالتزامن مع إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز بالكامل واتهام واشنطن بعدم الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان.
وأعلنت وزارة الخارجية الباكستانية أن محادثات "على المستوى الفني" ستُعقد في منتجع بورغنستوك السويسري، بمشاركة مسؤولين من باكستان وقطر بصفتهما دولتين وسيطتين بين طهران وواشنطن.
وقالت الوزارة في بيان، إن إسلام آباد "ستواصل تسهيل العملية في دورها كوسيط، بهدف تعزيز التفاهمات التي تم التوصل إليها بموجب مذكرة التفاهم في إسلام آباد"، مؤكدة مشاركة وفود أميركية وإيرانية في الاجتماعات المرتقبة.
وفي هذا السياق، أفادت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا"، بأن وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي التقى، اليوم السبت، وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي في طهران، في إطار المشاورات الجارية بشأن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
فانس يتجه إلى سويسرا
بالتزامن مع التحضيرات للمحادثات، أكد مسؤول أميركي أن نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس سيتوجه إلى سويسرا خلال الساعات المقبلة للمشاركة في الجهود الدبلوماسية المتعلقة بالملف الإيراني.
وقال فانس في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز"، إن المحادثات قد تُعقد "غداً"، موضحاً أن الترتيبات النهائية مرتبطة بوصول المسؤولين الإيرانيين، إضافة إلى ممثلي الحكومتين القطرية والباكستانية. وأضاف "سنمنح فرصة للمفاوضات مع إيران"، مشيراً إلى أن المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس دونالد ترامب، جاريد كوشنر، موجودان بالفعل في سويسرا ويتوليان الجوانب الفنية للمحادثات.
وأكد نائب الرئيس الأميركي أن "الأمور تسير بشكل جيد"، معرباً عن ثقته بإمكانية الحفاظ على وقف إطلاق النار والتقدم في المسار التفاوضي. كما شدد على أن "يد ترامب ممدودة لإيران، وإذا غيرت سلوكها فستكون علاقة الولايات المتحدة مختلفة معها".
تباينات أميركية إسرائيلية
وفي تصريحات لافتة، أقر فانس بوجود اختلافات في مقاربة واشنطن وتل أبيب تجاه الملف الإيراني، قائلاً إن الخلاف لا يتعلق بالأهداف بقدر ما يتعلق بطرق تحقيقها. وأضاف أن ترامب أصر على إعطاء الدبلوماسية فرصة رغم اعتراضات داخل إسرائيل، محذراً من أن بعض القادة الإسرائيليين يجب أن يدركوا حدود قدرتهم على التحرك بعيداً عن التوجهات الأميركية.
وكان فانس قد انتقد خلال الأيام الماضية استمرار الضربات الإسرائيلية في لبنان، معتبراً أن إسرائيل يجب أن تأخذ في الاعتبار اعتمادها الكبير على الدعم العسكري والسياسي الأميركي.
طهران: لسنا ذاهبين للتفاوض بل للمحاسبة
من جهتها، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن وفداً إيرانياً غادر إلى سويسرا لمتابعة تنفيذ التزامات الطرف المقابل المنصوص عليها في مذكرة التفاهم، مؤكدة أن المهمة الحالية لا تتعلق بالتفاوض على اتفاق جديد أو نهائي.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، إن "البند الأول هو الأهم في مذكرة التفاهم، والطرف المقابل أخل بالتزامه بإجبار الكيان الصهيوني على وقف اعتداءاته على لبنان". وأضاف أن "إيران لم توقّع تفاهماً لكي يبقى حبراً على ورق"، مشدداً على أن مقاربة طهران تقوم على قاعدة "الالتزام مقابل الالتزام".
وأكد بقائي أن استمرار الضربات الإسرائيلية على لبنان يمثل "انتهاكاً صريحاً لوقف إطلاق النار"، محذراً من أن عدم تنفيذ أي بند من بنود المذكرة سيعرّض الاتفاق بأكمله للخطر. وقال إن على الولايات المتحدة الإسراع في تنفيذ تعهداتها، وإلا فإن الاتفاقية ستواجه "مشكلات جدية"، مؤكداً أن طهران ستتخذ "الإجراءات اللازمة" إذا تهربت واشنطن من التزاماتها.
إيران تعلن إغلاق مضيق هرمز
في تطور ميداني خطير، أعلن مقر "خاتم الأنبياء" العسكري الإيراني إغلاق مضيق هرمز، معتبراً أن القرار يأتي رداً على ما وصفه بـ"الانتهاكات الأميركية الإسرائيلية" لمذكرة التفاهم واستمرار الهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان.
وجاء في البيان أن إغلاق المضيق يمثل "خطوة أولى"، محذراً من اتخاذ إجراءات إضافية إذا استمر ما وصفه بـ"العدوان". كما نقل التلفزيون الإيراني عن الحرس الثوري أن بحرية الحرس حددت مساراً إلزامياً للسفن من جنوب جزيرة لارك لدخول وخروج السفن عبر المضيق، داعياً جميع السفن إلى التنسيق المسبق مع السلطات الإيرانية.
وأكد الحرس الثوري أن أي سفينة لا تلتزم بالمسار المحدد "تتحمل مسؤولية أي حادث قد تتعرض له"، محذراً السفن من الاقتراب من مناطق معينة داخل المضيق.
وفي وقت لاحق، نقلت وكالة "فارس" عن مصدر في بحرية الحرس الثوري قوله إن مضيق هرمز "أُغلق كلياً"، محملاً الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية هذا القرار بسبب ما وصفه بخرق التفاهمات الخاصة بوقف إطلاق النار.
واشنطن: المضيق لا يزال مفتوحاً
في المقابل، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن حركة الملاحة في مضيق هرمز استمرت بشكل طبيعي رغم الإعلان الإيراني. وقالت القيادة المركزية في بيان، إن 55 سفينة تجارية عبرت المضيق خلال الساعات الماضية، ناقلة أكثر من 17 مليون برميل من النفط والبضائع إلى الأسواق العالمية.
وأضافت أن "المرور الآمن عبر الممر المائي الدولي لا يزال قائماً"، مؤكدة أن القوات الأميركية "تبقى حاضرة ويقظة لضمان الالتزام بجميع جوانب الاتفاق مع إيران ودخوله حيز التنفيذ الكامل". كما قال فانس إن تدفق النفط عبر المضيق عاد تقريباً إلى مستويات ما قبل الحرب، موضحاً أن نحو 16 مليون برميل نفط مرت عبر هرمز خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية.
وأضاف أن الولايات المتحدة لا ترى أدلة على أن إيران نجحت فعلياً في إغلاق المضيق، معتبراً أن بعض التحذيرات الملاحية قد تكون مرتبطة بمخاوف من وجود ألغام أو مخاطر أمنية أخرى في المنطقة.
لبنان يهدد الاتفاق
وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه المخاوف من انهيار مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية بسبب استمرار المواجهات في لبنان. وكان الوفد الإيراني قد هدد سابقاً بعدم التوجه إلى سويسرا ما لم تتوقف الضربات الإسرائيلية، قبل أن توافق طهران لاحقاً على إرسال وفد لمتابعة تنفيذ الالتزامات الأميركية.
ووفق مسؤول أميركي رفيع، فإن مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران تتضمن 14 بنداً، أبرزها "إنهاء فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان". لكن الغارات الإسرائيلية المتجددة على جنوب لبنان، والتي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى خلال الساعات الأخيرة، أعادت الشكوك حول قدرة الطرفين على الحفاظ على الاتفاق، في وقت تحاول فيه قطر وباكستان إنقاذ المسار الدبلوماسي عبر المحادثات المرتقبة في سويسرا.




