ترامب وتقلباته السياسية.. أخطاء أم استراتيجية؟

علي دربجالجمعة 2026/06/19
ترامب تاكو Getty
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

حقاً يستحقّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الدخول في موسوعة "غينيس"  وعن جدارة. لكن مهلاً، لا يتعلّق الأمر بإنجازاته العظيمة، بل بالأرقام القياسية في سرعة تقلّباته السياسية المتواصلة وعدم ثباته على قرارته المتغيّرة باستمرار، وفرادته في إطلاق أهداف استراتيجية قصوى ثم القبول بتسويات أدنى بكثير، كما فعل في قضية الحرب الجمركية على الصين وأوروبا وتراجعه عنها، وما تلاها من أزمات وصراعات مع العديد من الدول، وآخرها الحرب على إيران.

ولهذه الغاية، أطلقت وسائل الإعلام الأميركية والغربية على ترامب خلال عامَي 2025 و2026 مصطلح TACO (Trump Always Chickens Out)، لوصف نمط متكرر من التصعيد اللفظي يعقبه التراجع أو التسوية، كما حدث مؤخراً مع طهران.

 

كيف نشأ لقب TACO؟

عمليّاً، ظهر تعبير TACO، لأول مرة في أوساط وول ستريت (المركز المالي الأهم في الولايات المتحدة والعالم) عام 2025، بعد أن لاحظ المستثمرون تواتر تهديداته الاقتصادية والسياسية الكبيرة، وهذا ما يؤدي إلى اضطراب الأسواق وهبوطها، قبل أن يعود ويتراجع عن جزء من هذه الإجراءات أو يؤجل تنفيذها، فتستعيد الأسواق عافيتها سريعاً.

وتبعاً لذلك، صاغ الكاتب في صحيفة فايننشال تايمز، روبرت أرمسترونغ، هذا المصطلح، الذي يختصر عبارة "Trump Always Chickens Out"، أي "ترامب يتراجع دائماً في اللحظة الأخيرة".

ضع في اعتبارك أن انتشار هذا التوصيف جاء عقب إعلان ترامب رسوم "يوم التحرير" الجمركية في نيسان 2025، والتي هزّت الأسواق العالمية ورفعت ارباح السندات الأميركية، قبل أن يقرر تأجيل تنفيذها. ومنذ ذلك الحين، تحوّل "TACO" إلى استراتيجية تداول شهيرة تقوم على الرهان على أن ترامب سيتراجع في نهاية المطاف تحت ضغط الأسواق. ولاحقاً استُخدم المصطلح في توصيف مواقفه من الصين وأوروبا وغرينلاند وغيرها من الملفات، وصولاً إلى إيران.

 

بالأرقام... وعود ترامب وتراجعه عنها

في الواقع، كشفت التطورات الأخيرة في الحرب الأميركية ـ الإيرانية عن اتساع الفجوة بين تصريحات ترامب والوقائع على الأرض. فمنذ اندلاع المواجهة، لم يتوقف ترامب عن إطلاق عشرات التهديدات الشديدة اللهجة ضد طهران، متوعداً إياها بعواقب كارثية إذا لم تقبل بشروطه، وفي الوقت نفسه بقي يؤكد أن اتفاق السلام بات وشيكاً.

الطامة الكبرى، أن هذه الوعود تكررت بصورة غير مسبوقة، إذ أحصت شبكة "CNN" ما لا يقل عن 38 تصريحاً أعلن فيها ترامب أن الاتفاق مع إيران "قريب" أو "على وشك الإنجاز".

الأكثر أهمية أن تداعيات هذه التناقضات تجاوزت الجانب العسكري، إذ بدأت تؤثر في صورة الولايات المتحدة ومصداقية قيادتها السياسية. زد على ذلك، أن هذا التحدي يزداد أهمية، في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز أمام جزء كبير من حركة الملاحة النفطية العالمية.

 

ترامب وترند TACO العالمي

في الحقيقة، أصبح "TACO" ظاهرة إعلامية عالمية وثقافية عابرة للحدود، بحيث تبنّت وسائل إعلام في آسيا وأوروبا والعالم العربي ترجمات وتفسيرات مختلفة للمصطلح، بما يعكس فكرة واحدة مفادها، أن ترامب يميل إلى اعادة التموضع بعد التصعيد، سواء تعلّق الأمر بالرسوم الجمركية أو بالعمليات العسكرية مع طهران، قبل أن تتغير مواقفه أو يخفف حدّتها.

ففي اليابان، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بعبارة "TACO"، التي تصدّرت التغطيات الإعلامية إلى درجة أنه، بعد وقت قصير من إعلان الهدنة في نيسان الماضي، نشر الرسام الياباني الشهير إيراسوتويا رسمين جديدين لترامب: أحدهما يُظهر الرئيس وهو يضع على رأسه "تاكو" مكسيكيّاً (أحد أشهر الأطعمة التقليدية في هذا البلد) كقبّعة، والآخر يُظهره وعلى رأسه أخطبوطاً. كما ابتكر أحد الاقتصاديين اليابانيين فعلاً جديداً هو "TACO-ru"، في إشارة إلى التراجع بعد التصعيد.

وفي حين بات "TACO" مرادفاً لـ"ترامب ينكمش دائماً" في الصحافة الفرنسية، استعملت بعض الصحف الإيطالية تعبيراً دارجاً يمكن ترجمته تقريباً إلى "يبلّل نفسه دائماً"، في إيحاءات تهكّمية ساخرة توحي بالخوف والتردد والجبن.

أما في العالم العربي، فقد نشرت عدة وسائل إعلام تقارير وشروحات ترتبط بهذا الاختصار، وترجمته في معظمها إلى "ترامب يتراجع دائماً".

بالمقابل، وصل الاستهزاء من قبل أحد البرامج التلفزيونية الإسبانية إلى حدّ تشبيه "TACO" بأنه "التصرف كالدجاجة"، حيث جرى نُشر رسم لترامب في تقرير صحافي، وهو يحمل دجاجة.

وبالمثل، خصصت موسوعة نامووكي (Namuwiki) الكورية الجنوبية، وهي النسخة الكورية الأشهر من ويكيبيديا، صفحة كاملة لمصطلح "TACO"، تضمنت صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي لترامب مرتدياً زي دجاجة. وتترجم الموسوعة المصطلح على النحو الآتي: "ترامب يخاف دائماً ثم يفرّ".

 

ماذا عن الصين؟

في الحقيقة، لا يوجد في الصين مرادف مباشر لعبارة "chicken out" في لغة الماندرين. لذلك استعاد بعض المعلقين تعبير "النمر الورقي" كوصف لترامب، فيما قارن آخرون مصطلح "TACO" باستثمارات العقارات المتعثرة، أو ما يُعرف في الصين، بمشاريع "الذيل الفاسد".

في المقابل، قال تشانغ جياقيان (Zhang Jiaqian)، وهو مترجم ومعلّق صيني معروف بمتابعته الدقيقة للسياسة الأميركية، إن "هذه العبارة لا تعكس بالضرورة ضعفاً أو تردداً، بل قد تكون جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب". وفي الحالة الإيرانية، اعتبر أن "الهدف يتمثل في كبح الطموحات النووية الإيرانية وإجبار طهران على تقديم تنازلات أكبر".

في المحصّلة، يوضح منتقدو ترامب أن "TACO" يرمز إلى التهديد ثم التراجع، ومع ذلك هناك من يرى أن هذه التهديدات نفسها، قد تكون أداة تفاوضية تُستخدم لزيادة الضغوط وتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية، حتى وإن انتهت في بعض الأحيان بتسويات أو تنازلات متبادلة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث