متلازمة ترامب... صانع الصخب الكبير

ترامب (Getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

ثلاثة مواعيد قد لا يبدو للبعض أن بينها رابط، ربما حملت النصيب الأوفر من التأثير والتغيير في مستقبل الصراع بمنطقة الشرق الأوسط. أول هذه المواعيد الذي قد يضع إطاراً زمنياً لطور هام من أطوار الصراع في الإقليم، هو موعد بداية ونهاية بطولة كأس العالم لكرة القدم التي بدأت بالفعل، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكلاً من كندا والمكسيك، إذ ترغب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أن تمر على خير ودون منغصات كبيرة، فعاليات تلك البطولة التي يُزعم أنها ستكون الأكثر نجاحاً والأعلى مردوداً مالياً في تاريخ البطولة عبر الزمان، التي تختتم فعالياتها في 19 تموز/ يوليو المقبل.

ثاني تلك المواعيد الثلاثة، هو موعد الانتخابات البرلمانية الاسرائيلية في 27 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، التي سوف يتقرر فيها مصير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (السياسي والجنائي)، بكل ما تعنيه مقدماته، ومجرياته، ومآلاته، على مستقبل الصراع في الشرق الأوسط، من طهران إلى غزة ومن أنصار الله في اليمن إلى حزب الله في لبنان.

ثالث تلك المواعيد وربما أهمها، هو موعد الانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، والتي ربما تكون -بحسب مآلاتها وانعكاسات نتائجها المُحتملة،على مستقبل الولايات المتحدة، ومصير دونالد ترامب وسلطاته الرئاسية- أحد أهم الانتخابات النصفية الأميركية على الإطلاق. 

 

ترامب المندفع، تخلى جزئياً عن لعبة "إعمل مجنون" في الأزمة الملتهبة مع إيران، حتى تمر فترة مباريات كأس العالم. وأظن أن حاجته الى بعض الهدوء خلال تلك الفترة، ربما كانت وراء موافقته على مذكرة تفاهم مع ايران، تسمح بهدنة لا تتجاوز ستين يوماً، يتوقف خلالها إطلاق النار الذي سيشمل لبنان أيضاً خلال نفس الفترة.

مشكلة ترامب في زحمة مواعيد بعضها انتخابي وحاسم، لمصير الجمهوريين في الانتخابات النصفية، أن بعض تلك المواعيد قد يكون حاسماً ومفيداً لإيران، على نحو يحرم ترامب من المتاجرة بنصر منخفض التكلفة. 

بالرصد اليومي لسلوك وتصريحات الرئيس الأمريكي منذ بداية فترته الرئاسية الثانية، فإن بوسعه أن يجادل بأنه أكبر صنّاع الصخب في العالم، وأحد أكبر صنّاع الصخب في التاريخ.

الناس تقاتل هذه الأيام، من أجل أن تصبح صانعة محتوى، أما دونالد ترامب فلا يعنيه المحتوى كثيراً، إذ يكفيه أن يكون صانع الصخب الأول وربما الوحيد. ولهذا يحتفي ترامب جداً بحشد الرماديين من حوله. ويقدر جداً من يحسنون تلبس الحالة الرمادية في حضوره، مستدعياً قول النابغة الذبياني في مديح النعمان ابن المنذر: "كأنك شمس والملوك كواكب.. إذا طلعت لم يبدِ منهن كوكب"، حتى بات ممكناً رصد حضوره بحضور الصخب ذاته. 

 

لا تنتج تركيبة دونالد ترامب، حلولاً من أجل السلام، فالرجل ليس معنياً بالسلام قدر عنايته بالربح، واتساقاً مع منطقه وتركيبته الخاصة، فإنه يريد إنتصاراً بأقل كلفة، في الأموال، والأرواح، والوقت. وهو يعرف أن الهيبة وحدها يمكنها أن تجلب انتصاراً مجانياً، كما جرى في فنزويلا، لكنه بالغ في استعراض القوة، مستثمراً هيبة الأساطيل الأميركية الى حد الإفراط المسقط للهيبة. وهذا ما حدث ويحدث في الحرب على ايران، التي استدعى بيانها الأول بلاغة ديوان الحماسة عند العرب الأقدمين، فقال في ديباجته:

"في ظل القيادة الراسخة للرئيس دونالد ج. ترامب، تقوم القوات المسلحة الأميركية بتنفيذ عملية الغضب الملحمي بقوة ساحقة، ودقة قاتلة، وعزم لا يلين، لقد كانت الأهداف واضحة منذ الساعات الأولى لهذه العملية التاريخية، ألا وهي تدمير ترسانة إيران من الصواريخ البالستية والقضاء على قدرتها على تصنيعها، وإبادة أسطولها البحري، وقطع أواصر دعمها لوكلائها الإرهابيين، وضمان ألا تتمكن هذه الدولة الرائدة في رعاية الإرهاب على مستوى العالم من الحصول على سلاح نووي".

 

أهداف حرب ترامب على إيران، لم تتحقق حتى الآن، طبقاً لما يعلنه هو نفسه عبر تصريحات متناقضة يتحدث بعضها عن إنجاز الأهداف بالكامل، لكنه يعود هو نفسه، ليعترف بالحاجة إلى تحقيق أهداف كان قد أكد سابقاً أنه حققها بالفعل.

غضب ترامب الملحمي لم ينجز أهدافه، ولا استحق عنوانه، فلا هو بنتائجه غضب، ولا هو تفاعلاته "ملحمي"! فالمسافة بين الغضب وتداعياته مازال يملؤها الفراغ.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث