"حرب الألف يوم" وفشل نتنياهو الاستراتيجي

حلمي موسىالخميس 2026/06/18
نتنياهو (Getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

يصعب على المراقب للوضع الإسرائيلي تخيل مقدار انقلاب الصورة خلال وقت قصير نسبياً بين التفاخر بالنصر والقدرة على تغيير الشرق الأوسط برمته لمصلحة إسرائيل، والتباكي الحالي على ما آلت إليه الأمور بعد الاتفاق الأميركي الإيراني. فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، يبرر للإسرائيليين النتيجة الحالية ويعتبرها إنجازاً لأنه منع "إبادة إسرائيل" فيما لا يجد تقريباً بين خصومه وأنصاره من يرى في الأمر إنجازاً. وحتى المعلق الموضوعي يرى أن ما حدث ليس سوى "فشل استراتيجي من الدرجة الأولى" لأن الحملة ضد إيران لم تحقق أهدافها الاستراتيجية وتركت إسرائيل في مواجهة عدو أكثر تصميماً وثقة بالنفس. 

ويعتقد معلقون اقتصاديون أن "حرب الألف يوم" على إيران، وفق تعبير نفتالي بينت، كانت استثماراً يرمي لخلق شرق أوسط جديد ويغير موازين القوى في المنطقة. ولكن بعد جولات القتال الطويلة، وجدت إسرائيل نفسها أمام جبهات مفتوحة، واستنزاف للاحتياطيات، وعدم استقرار استراتيجي. وكل يوم يمر في هذا المأزق السياسي يكلف إسرائيل أكثر من 100 مليون شيكل (الدولار 2.9 شيكل)، ويزداد طلب الجيش الإسرائيلي بمقدار 44 مليار شيكل أخرى لتغدو الميزانية العسكرية 188 مليار شيكل لهذا العام. وقد بات الواقع الاستراتيجي لإسرائيل أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، خصوصاً أن إيران ما بعد الحرب، في نظرهم، ليست أضعف أو أكثر حذراً؛ بل هي في نواحٍ عديدة أكثر عدوانيةً واستعداداً لاستخدام القوة لتحقيق أهدافها، من لبنان إلى الخليج. وفي الوقت نفسه، تواجه إسرائيل قيوداً خارجية من تحالفها الاستراتيجي، مما يستدعي إعادة النظر في الافتراضات الأساسية التي بنت عليها استراتيجيتها تجاه إيران.

بل إن كبير المعلقين السياسيين في "يديعوت أحرونوت" ناحوم بارنيع، أشار إلى تراجع مكانة إسرائيل عالمياً مبيناً أن النقاش في المنتديات الدولية الغربية، "يظهر الفجوة الهائلة بين نظرتنا لأنفسنا والصورة التي تُرسَم لنا في الخارج. يُنظر إلى إسرائيل على أنها تهديد لاستقرار العالم وسلامته. تهديد غير مباشر أحياناً، كما في دورها في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وتهديد مباشر أحياناً أخرى، كما في سلوكها في الحرب في لبنان وغزة والضفة الغربية. إذا كانت إسرائيل ترغب في أن تُصوَّر، بعد كارثة 7 أكتوبر، (كأزعر الحارة)، فقد نجحت في مهمتها نجاحاً باهراً".

 

كارثة الاتفاق

لا يختلف اثنان في إسرائيل حول أن الاتفاق الأميركي الإيراني بالغ السوء للدولة العبرية لدرجة أن مسؤولين كبار في حكومتها يعترفون بأنها "لم تعد جزءاً من العملية، ولا تستطيع التأثير فعلياً عليها". فالاتفاق يمنح طهران دعماً اقتصادياً من دون أن يجبرها على تفكيك تحالفاتها ويترك إسرائيل من دون قدرة على التأثير في البيت الأبيض. ونقلت "يديعوت" عن مسؤول إسرائيلي رفيع، قوله إن مذكرة التفاهم " سيئة" و"كارثية"، وأن "لا أحد راضٍ عنه. نحن ندرك أنه ليس في صالحنا، وأنه يضر بالمصالح الإسرائيلية. والمقلق هو عجز إسرائيل عن التأثير، فصوتها غير مسموع".

فالاتفاق لا يلبي أياً من المبادئ التي أعلنتها إسرائيل في بداية حرب "زئير الأسد"، حيث لا يتضمن أي معالجة جوهرية لمنظومة الصواريخ الإيرانية، ولا يشترط تفكيك ما تسميه إسرائيل شبكة الوكلاء الاقليميين، ولا يتناول تغيير النظام. فأميركا تتطلع لاستقرار أسواق الطاقة العالمية من جهة ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، في حين تتشعب أهداف إسرائيل لتشمل تجريد إيران من سلاحها وعلومها وإسقاط نظامها لمنع كل محاولات تقويض قدرتها الردعية.

كما تنظر إسرائيل بخطورة إلى الإمكانات الاقتصادية الكامنة في الاتفاق: الإفراج عن الأموال المجمدة، ورفع القيود عن صادرات النفط الإيرانية ما سيضخ مليارات الدولارات الإضافية في خزينة إيران. وتخشى إسرائيل جداً من أن بعض الموارد التي ستدخل الاقتصاد الإيراني ستُوجّه مستقبلاً لإعادة بناء القدرات العسكرية، وتطوير أنظمة الصواريخ، وتعزيز نفوذ الوكلاء في المنطقة. والأدهى أن تحسن الوضع الاقتصادي في إيران لن يقود من وجهة نظر إسرائيل إلا نحو المسارعة إلى تعزيز دور انتقامي من إسرائيل وربما إلى كسر الحافة النووية وامتلاك السلاح النووي بطريقة أو أخرى. وما زاد في إقلاق إسرائيل ذلك الربط بين الساحات، خصوصا مع الساحة اللبنانية ما يعني تقييد حركة الجيش الإسرائيلي بشكل ينسف أسس نظرية الحرب الدائمة التي تبنتها حكومة نتنياهو.

كما لا تقلل إسرائيل من أهمية الجانب المعنوي في نتائج الحرب حيث ينظر العالم بإعجاب إلى قدرة إيران على الصمود في وجه أقوى دول العالم عسكرياً، وإثبات أن الموقع الجغرافي المسيطر على مضيق هرمز قد يكون بقوة السلاح النووي وقد يفوقه. وفي المقلب الآخر هناك تآكل القدرة الردعية لإسرائيل التي بنيت على مر السنين رغم الاستخدام المكثف للقوة العسكرية التقنية العالية. فالشعور العام في إسرائيل هو شعور الصدمة ما قاد أنصار نتنياهو إلى اللجوء إلى تعميق التشاؤم تجاه فرص نجاح الاتفاق الأميركي الإيراني وترجيح عودة الحرب بعد فترة الستين يوماً.

 

الفشل الكامل

ولذلك ليس غريباً أن ينقضّ قادة المعارضة السياسية على نتنياهو لإظهار أن نوعية الخيبة التي جلبها بسياسته على إسرائيل ليست من النوع الذي يمكن احتماله. وطبيعي أن هذا الانقضاض الذي يلقى ترجمة له في استطلاعات الرأي، يخيف نتنياهو بشكل كبير، خصوصاً أن إسرائيل تقف على عتبة انتخابات حاسمة قريباً. 

وقد أعلن النجم الصاعد في المعركة الانتخابية رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب "يشار"، غادي آيزنكوت، أن ما بدأ بفشل السابع من أكتوبر، وما رافقه من تكاليف باهظة وإنجازات عسكرية، يتحول إلى "نتيجة كارثية لحكومة فاشلة" عملت دون استراتيجية أو شجاعة سياسية أو قيادة، وفقدت ثقة الشعب وحلفائها. وأضاف أن هناك فجوة شاسعة بين الوعود الكاذبة بـ"النصر الكامل" وبين ما يحدث الآن. كما أن زعيم المعارضة يائير لبيد رأى أن "الاتفاق الذي يجري العمل عليه هو فشل لنتنياهو". ووفقاً له، "لا يحقق الاتفاق أياً من أهداف إسرائيل الحربية. سيبقى النظام قائماً، وسيظل برنامج الصواريخ قائماً، وستتمكن إيران من إعادة بناء برنامجها النووي. إنه فشل ذريع لنتنياهو، وهو في خضم ذلك يحولنا إلى دولة تابعة تتلقى التعليمات فيما يتعلق بأمنها القومي. لن يخفي أي مؤتمر صحفي، أو تضليل إعلامي، أو فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي هذا الفشل".

 

تحذيرات متأخرة

رأى "نبي الغضب" كما يسمونه في إسرائيل، الجنرال إسحاق بريك، أن المعنى الصعب لاتفاق ترامب مع إيران هو ضياع جميع مكاسب إسرائيل وأميركا من حربيهما على إيران، "إذ عدنا إلى نقطة الصفر ودفعنا ثمناً باهظاً". وأنه "رغم ضعف إيران حالياً بعد الضربات القاسية التي تلقتها، إلا أنها، بمساعدة الروس والصينيين وكوريا الشمالية، ستتمكن بعد الاتفاق مع الولايات المتحدة من امتلاك عشرات الآلاف من الصواريخ الباليستية وملايين الطائرات المسيّرة في وقت قصير، وستواصل تعزيز حلفائها: حزب الله، والميليشيات في العراق، والحوثيين في اليمن". ويخلص إلى أن المشكلة الرئيسية تكمن في العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة حيث توقف دونالد ترامب عن مراعاة بنيامين نتنياهو، ويبدو أن مصالح إسرائيل لم تعد في صدارة اهتماماته. يتبنى ترامب نهجاً يقارن فيه إسرائيل بإيران، إذ يرى في كلتيهما عقبة أمام التوصل إلى اتفاقات.

وحذر الجنرال إسرائيل زيف في مقالة نشرها في "معاريف"، من أن نتنياهو يريد إفشال الاتفاق الأميركي الإيراني وأنه يتورط في مؤامرات لم تعد خافية على ترامب، ما يجعل النتيجة بالغة السوء لإسرائيل. إذ يريد نتنياهو إفشال الاتفاق النووي، الذي سيقود إيران إلى موقف منتصر. عملياً، يتورط رئيس الوزراء في مؤامراته، ولم يعد ترامب ساذجاً - والنتيجة سيئة لإسرائيل. ويرى أن ترامب قرر أن الحرب انتهت وهو يريد اتفاقاً، لذلك فإن نتنياهو بخلافه يريد تصعيداً يعيد إشعال الحرب. لكن إسرائيل بعد ثلاث سنوات عصيبة قد تخرج ليس فقط من دون انجازات استراتيجية، وإنما في وضع أكثر خطورة بكثير من الوضع الذي دخلت فيه الحرب.

ويرى بن كاسبيت في "معاريف"، أن نتنياهو انتصر في المعارك لكنه خسر الحرب السياسية وقاد إسرائيل نحو هزيمة خطيرة. وكتب ملخصاً الموقف: "الهزيمة السياسية أكبر من الانتصارات العسكرية. وإذا أردتم المزيد من التفاصيل، فإليكم: الحدث الوحيد الذي تفوق قوته الانتصارات العسكرية التي حققناها في السنوات الأخيرة على حماس وحزب الله وإيران، هو الهزيمة السياسية التي مُنينا بها أمامهم مباشرة بعد ذلك".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث