فيما يتواصل الغليان الشعبي والمطالبات بمحاسبة الشخصيات المرتبطة بالنظام السوري المخلوع (الشبيحة) في عدد من المدن السورية، تشدد الحكومة السورية على مسؤوليتها وحدها في تطبيق ملف العدالة الانتقالية، وعلى عدم الإفلات من العقاب.
وشهدت مدن سورية احتجاجات نددت بعدم محاسبة "الشبيحة" وطالبت بإبعادهم عن المشهد العام، ترافقت مع أعمال انتقامية محدودة وتخريب ممتلكات لشخصيات تتهم بالارتباط بالنظام السابق. ومع توسع رقعة الاحتجاجات التي بدأت في حلب وإدلب إلى محافظات جديدة مثل حمص درعا ودير الزور، بلغت الأوضاع مناحٍ خطيرة.
وبغية احتواء غضب الشارع والحفاظ على السلم الأهلي، خرج وزير العدل السوري مظهر الويس، بتصريحات قال فيها إن "العدالة مستمرة عبر القانون ومؤسسات الدولة"، لكنه شدد على أن "لا مكان للفوضى أو الانتقام، بل لسيادة القانون وحفظ الحقوق للضحايا".
ما أسباب الحراك الشعبي؟
يبدو أن عدم وضوح مسار العدالة الانتقالية أحبط الشارع السوري، كما يرى الأكاديمي والكاتب السياسي زكريا ملاحفجي، الذي يعتبر أن غياب المسار الواضح للعدالة الانتقالية والمساءلة، قد تسبب في زيادة حالة الاحتقان المتراكمة أساسا.
وفي حديثه لـِ "المدن"، يشير ملاحفجي إلى محدودية صلاحية "هيئة العدالة الانتقالية"، وإلى استناد معظم المحاكمات إلى قانون العقوبات السوري، مما خلق فجوة بين تطلعات السوريين للعدالة وبين واقع المحاكمات القائم، وغياب التعويض المادي والمعنوي، وجبر الضرر للناس.
ويقول: "لا زالت بعض الشخصيات الكبيرة والأسماء المتهمة بارتكاب انتهاكات تتحرك بكل حرية دون المثول أمام العدالة، في الوقت الذي تلاحق فيه شخصيات أقل شأناً، وإجراماً". ويضيف "كما يمكن وصف نمط التسويات مع تجار الحرب من قبل لجنة الكسب غير المشروع بالمستفز، مما ساهم في زيادة حالة الاستياء، بعد أن كانت التوقعات تتجه نحو نتائج أكثر وضوحا وعدالة في ملفات الفساد واسترداد الأموال".
كذلك تحوّل بحسب ملاحفجي، ملف استرداد العقارات والحقوق المغتصبة إلى ملف مخيب للآمال، مع استمرار شعور كثير من المتضررين بأن استعادة الحقوق والممتلكات لا تسير بمستوى التوقعات والتطلّعات، ويتوج ذلك استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار وضعف مستوى الخدمات وفرص العمل وتراجع القدرة الشرائية، مما خلق بيئة شديدة الحساسية تجاه أي ملف يرتبط بالعدالة أو المحاسبة.
ويشير ملاحفجي إلى اختيار غالبية السوريين الاحتكام إلى الدولة الجديدة ومؤسساتها بدلاً من أخذ الحق بالذات أو الانزلاق إلى الانتقام، لكنه يرى أن "استمرار التأخر في قضايا العدالة والمساءلة واسترداد الحقوق جعل هذه الملفات تتحول تدريجياً إلى وقود يغذي حالة الاحتقان الشعبي، مما يتطلب من الحكومة خطوات سريعة وواضحة".
وكان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، قد اعتبر أن محاسبة المجرمين الذين ارتكبوا انتهاكات بحق السوريين تمثل حقا للضحايا، معتبرا أن "مسؤولية تنفيذ هذا الحق تبقى منوطة بالدولة ومؤسساتها القضائية والأمن".
ظاهرة خطيرة
وسجلت سوريا بعد سقوط النظام حالات عنف فردية ضد "شبيحة" نظام الأسد، غير أن ما يمكن ملاحظته من الاحتجاجات الأخيرة، هو "التغير في المزاج الشعبي" بحسب قراءة المحلل السياسي بسام أبو عدنان.
ويوضح أبو عدنان لـِ "المدن"، أن الشارع السوري يسجل توجهاً جماعياً نحو ما يمكن تسميته بـِ "العدالة الذاتية"، وهي ظاهرة خطيرة، بمعنى أننا أمام تحول في آليات فعل الشارع.
وكانت أوساط سورية قد حذرت من خطورة الاحتجاجات التي رافقها أعمال تخريب على السلم المجتمعي، مطالبة بضرورة تفعيل دور المؤسسات القضائية، وجعل ملف العدالة الانتقالية على رأس أولويات الدولة السورية.
وفي هذا السياق، يقول الكاتب والمحلل السياسي باسل المعراوي، إن أولويات الدولة السورية حالياً، استكمال السيطرة على كامل البلاد وعدم ترك مناطق خارجة عن سيطرتها وعدم الضغط الشديد على ما يعرف بـِ "الشبيحة" تجنباً لتشكيل شبكات مقاومة في مناطقهم، حيث ترى الحكومة أن الضغط المتدرج لا يتيح لـِ "الشبيحة" التجمع وتنظيم قواتهم.
ويضيف المعراوي لـِ "المدن"، أنَّ "التحرك الشعبي نحو محاسبة الشبيحة لم يكن مفاجئاً، ويمكن وصفه بالمتأخر، خصوصاً في ظل عدم شفافية الحكومة في مقاربة ملف الشبيحة والتسويات مع الشارع السوري، بحيث لم يخرج أي مسؤول ليبرر لماذا تتم التسوية مع كبار أعوان النظام المخلوع مثل فادي صقر ومحمد حمشو ومدلول العزيز ونواف البشير، وغيرهم".




