"صفقة عظيمة" لطهران لا لتل أبيب

ملاك عبد اللهالثلاثاء 2026/06/16
ترامب (Getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل أشهرٍ من أن تشتعل الحرب الكبرى في الشرق الأوسط، نشر الحساب الرسمي للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي رسماً يُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هيئة تابوت فرعوني متصدّع، مع عبارة "مثل فرعون". ورافق الرسم نص يقول إن المستبدين والمتكبرين مثل فرعون ونمرود والشاهين الإيرانيين سقطوا في ذروة غرورهم، ويختم بعبارة: "هذا أيضاً سيسقط". أما ترامب، فظلّ يكرّر خلال الحرب أنّه فاز، وأنّ إيران هُزمت. وهو يقف اليوم ليعلن أنّه في صدد إنجاز "تسويةً عظيمة"، ويقول "اتفاقنا جدار منيع ضد امتلاك إيران سلاحاً نووياً وهو النقيض التام لاتفاق أوباما". 

ظنّ كثيرون أنّ "النزهة" العسكرية في إيران ستجعل هذه التسوية العظيمة أقرب من أي وقت مضى. أما وقد طالت الكزدورة، وبُحّ صوت الأسد الذي زأر فيها، فسيغدو من البداهة للمراقب أن يسأل: من أدركته اللعنة فعلاً، ومن خرج من التابوت؟

منذ مزّق ترامب اتفاق أوباما عام 2018 واصفاً إيّاه بالأسوأ في التاريخ، وعد بأعظم منه. ثم صارت عبارة الصفقة العظيمة لصيقةً بحركيته السياسية. عقدةٌ انعقد لسانه عليها. كرّرها قبل الحرب وفي أثنائها وبعدها. تلك حاله. أحصت له الصحافة الأميركية نحو ثماني وثلاثين مرّة أعلن فيها أنّ الاتفاق "على بُعد أيام".

 

ما يُتداول اليوم ليس معاهدةً ولا اتفاقاً نوويّاً مفصّلاً، بل مذكّرة تفاهم عمرها ستون يوماً: فتحٌ لمضيق هرمز وإزالةٌ للألغام، وتعهّدٌ إيرانيّ بعدم امتلاك سلاح، وإنهاءٌ للحرب على جبهة لبنان، وإفراجٌ عن نحو أربعة وعشرين مليار دولار. أمّا قلب المسألة، أي حجم التخصيب ومصير اليورانيوم عالي التركيز، فمؤجَّلٌ ليكون أوّل ما يُتفاوَض عليه في الستين يوماً. لا سقوف، ولا تفكيك، ولا تفتيش مُلزِم. مجرّد تأجيل مغلَّف بلغة الإنجاز التاريخيّ. أما ما كان عليه اتفاق 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، فقد ألزم إيران بخفض مخزونها من اليورانيوم المخصَّب بنسبة 98 في المئة، وبسقفٍ صارم عند 300 كيلوغرام، وقيّد نسبة التخصيب عند 3.67 في المئة، أي أدنى بكثير من مستوى صناعة القنبلة، وحدّد أعداد أجهزة الطرد المركزيّ وحوّل منشأة فوردو وأعاد تصميم مفاعل آراك. والأهمّ أنّه فرض مراقبة دائمة لكامل دورة الوقود لخمسة عشر عاماً، والتزاماً دائماً بـ"البروتوكول الإضافي" بلا سقفٍ زمنيّ (أي الاتفاق التكميلي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يمنح الوكالة صلاحيات أوسع بكثير للتفتيش والتحقق من الأنشطة النووية للدول). 

 

تحيلنا هذه المقارنة إلى أنّ التسوية الجديدة تنطلق من خطّ أساسٍ أسوأ بكثير. ففي العام 2015 كان المطلوب تقييد برنامجٍ محدود. أمّا اليوم فإيران تجلس على نحو 9900 كيلوغرام من اليورانيوم المخصَّب، منها قرابة 440 كيلوغراماً بنسبة 60 في المئة على بُعد خطوةٍ تقنية من مستوى السلاح. تقييد هذا الواقع أصعب بكثير من تقييد واقع 2015، فيما الأدوات المتاحة أضعف.

واقعٌ تقاطعت معه تحليلات "فورين بوليسي" و"كارنيغي" ومراكز منع الانتشار (المؤسسات البحثية المتخصصة في منع انتشار الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل) عند خلاصةٍ واحدة: تأجيل المسألة النووية الحاصل اليوم ليس حلّاً.  بل إن طهران قد تخرج من التفاهم معلنةً أنّ التخصيب الذي خيضت الحرب لإنهائه ما زال قائماً، وأنّ النقاش بات يدور حول حدوده لا حول وجوده. وهذه وحدها مسافة شاسعة بين أهداف الحرب ونتائجها. بل هذا معنى أن تكون الصفقة الجديدة أسوأ من "الأسوأ" الذي مزّقه ترامب بيده.

 

لكنّ القصّة لا تكتمل عند طاولة فيينا أو جنيف، بل تبدأ قبلها بسنوات، في الزنزانة الصامتة المسمّاة عقوبات. فمسار العقوبات لم يُفرَض على إيران إلا لينتهي بها إلى الهلاك البطيء. ما من دولة في التاريخ الحديث صمدت أمام حصارٍ اقتصاديّ طويل من دون أن يتآكل عظمها من الداخل. سوريا نموذج قريب. والعقوبات حين تُحكَم لا تقتل بالضربة، إنها تقتل بالخنق. كان وضع إيران قبل الحرب يُرثى له: عملةٌ تنهار، وتضخّمٌ يلتهم القدرة الشرائية، وشارعٌ يغلي، ومحورٌ إقليميّ يتفكّك بين سقوط الأسد وضرب قيادات حلفائها.

على هذا الوهن راهنت واشنطن وتل أبيب. قام الحساب على أنّ الضغط المركّب من العقوبات والاغتيالات وانهيار طرق الامداد سيقود في النهاية إلى لحظةٍ ينهار فيها النظام من تلقاء نفسه، أو يستسلم خوفاً منها. كانوا يصنعون التابوت ببطء، ويراهنون على أنّ الجسد سيستلقي فيه طوعاً ذات يوم. ولو تُرك الأمر على هذا المنوال، لربّما تأزّم المشهد الداخليّ الإيرانيّ أكثر، وانقلبت الأمور في طهران قبل أن تنقلب على حدودها. الموت البطيء كان أخطر على إيران من أيّ صاروخ. قلبت الحرب منطق التابوت رأساً على عقب. ما لم ينتبه إليه مهندسو الضغط أنّ الحصار يقتل ببطء، أمّا الحرب فتُحيي العصبية، وتمنح النظام المنهَك عدوّاً خارجيّاً يلتفّ حوله الداخل بدل أن ينقلب عليه. لقد كتبت مراكز غربية أنّ سنوات الضغط الأميركيّ الإسرائيليّ "أنهكت قدرات إيران، لكنّها أنهكت معها شيئاً آخر: استعدادها للبقاء مكبَّلة". وأن تُحرّر خصمك من ضبط نفسه، فتلك في السياسة هدية له. 

 

تحضر هنا مفارقة حرب "الأيّام الاثني عشر". فحرب حزيران/ يونيو 2025 القصيرة، التي ظنّها كثيرون نهاية المطاف، كانت في الحقيقة بروفا أنقذت إيران من ضربةٍ أقسى لاحقاً. لو لم تقع تلك الجولة المبكّرة، لربّما كان القضاء على إيران أهون حين جاءت اللحظة الكبرى. لكنّها وقعت، فكشفت لطهران ثغراتها، ومنحتها وقتاً ودرساً لإعادة صوغ عقيدتها بمجملها. اختبرت تلك الحرب فعالية الردع الإيراني القائم على ردّ الفعل لا المبادرة، فخرجت إيران منه تعرف بالضبط ما يجب أن تغيّره.

كان "الصبر الاستراتيجيّ" عقيدة خامنئي طوال عقود، قوامها أن لا تشتبك مباشرةً، فَعِّل قدرة الحلفاء، امتصّ الضربات، وانتظر تبدّل الموازين. عقيدةٌ صنعت ما يسمى بمحور المقاومة، لكنّها صارت عبئاً حين بدأ المحور نفسه يتفكّك. وحين بلغت الأمور ذروتها، فعلت إيران ما لم تكن لتفعله لولا الحرب: استبدلت الصبر بالهجوم، وأعلنت عقيدة "الردع الفعّال غير المسبوق"، احتفظت فيها بحقّ الضربة الاستباقية. انتقالٌ من ردعٍ ردّ فعليّ إلى ردعٍ مبادر، كما وصفته صحفٌ ومراكز عدّة رأت أنّ "إيران تعيد كتابة قواعد حربها". المفارقة أنّ هذا التحوّل ما كان ليحدث بهذا الوضوح لولا أنّ أحدهم قرّر أن يضربها. وبينما كان الحصار يدفعها إلى الانكماش، دفعتها الحرب إلى الخروج من القمقم.

 

عملياً، لم يكن ترامب هدية نتنياهو المنتظرة، بل بدا وكأنه هدية إيران أكثر مما كان عليه الحال مع أوباما. خصمٌ نافد الصبر، لا يصغي إلى نصائح جنرالاته ولا حلفائه، مهووسٌ بصفقةٍ يكتب اسمه عليها، يقصف ثمّ يهرول إلى الطاولة... هذا تحديداً ما تحتاجه دولةٌ كانت تختنق ببطء. لقد منح ترامب طهران الحربَ التي أعادت خلط أوراقها الداخلية، والصفقةَ العظيمة لها، أي لإيران، والتي كرست سيادتها بل نفوذها الإقليمي! ترامب لم يخرج إيران من تابوت العقوبات فقط. هو منحها قصّة صمودٍ ترويها لشعبها، كما منحها اكتشاف سلاح هرمز الذي ساوى السلاح النووي في قدرته الردعية. ولو كانت إيران قد كُسرت فعلاً حتى الآن، لخرجت مذكرة التفاهم على شكل إذعانٍ فقط. وهذا لم يحصل، بل إن صحيفة "نيويورك تايمز" ذكرت مؤخراً أن الجهةُ التي ظنّت أنّها تستخدم القوّة، اكتشفت أنّ القوّة استخدمتها.

 

هذا هو الحال الذي وصلت إليه الأمور حتى الآن. أما كيف ستمضي تباعاً، فلعلّ المشهد مفتوح على عدة مسارات. الأول أن تتعثّر مذكّرة الستين يوماً عند بند التخصيب، فتعود التوترات والتهديدات دون عودةٍ كاملة إلى الحرب، والثاني أن يتجمّد التفاهم المؤقّت ويصير دائماً (إيران على عتبة النووي، وأزماتٌ دورية بلا حسم)، ومسارٌ ثالث على شكل انزلاق بطيء نحو جولةٍ جديدة إن انهارت المذكّرة بلا بديل، أما الرابع فاتفاقٌ شاملٌ حقيقيّ لا يولد إلّا بضماناتٍ دولية ورقابةٍ تعيد ما كان في 2015 وتزيد.

المتغيّر الحاسم في كلّ هذه المسارات هو بند التخصيب. وطالما بقي معلّقاً بين حقٍّ تتمسّك به طهران وخطٍّ أحمر ترفعه واشنطن وتل أبيب، ستبقى كلّ تسويةٍ مؤقّتةً بطبيعتها، مهما زُيّنت بوصف العظمة. فالعظمة تُنتزَع بالحسم ولا تُعلن في إعلان، والحسم هو بالضبط ما لم يحدث. وعليه، فإن التسوية العظيمة، بالمعنى الذي رُوّج له (تفكيكٌ كامل وصفر تخصيبٍ ونصرٌ نظيف) لن تحدث أبداً، علماً أن تجربة هرمز دفعت بعض التحليلات إلى التساؤل عمّا إذا كانت إيران قد وجدت في قدرتها على تهديد الملاحة والطاقة رادعاً بديلاً أو مكمّلاً للحاجة إلى السلاح النووي. وعملياً، وحتى الآن، يمكن القول إن إيران نجت. أما السبب في ذلك، فلأنّها وجدت في خصمها نافد الصبر ما حرّرها من صبرها هي!

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث