شهدت مناطق مختلفة من المحافظات السورية توترات أمنية واحتجاجات متلاحقة بدأت شرارتها من إدلب وديرالزور، ووصلت إلى العاصمة دمشق وريفها، مرتبطة بمطالبات لمحاسبة "الشبيحة" والمتورطين بانتهاكات ضد السوريين في مقدمتهم شخصيات من فلول نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
لقاءات مع المسؤولين
وبدأت شرارة التوترات من مدينة ديرالزور، حيث أقام عدد من الناشطين والأهالي اعتصاماً سلمياً أطلقوا عليه اسم "اعتصام الكرامة"، قبل أن يعلنوا عن فضه اعتباراً من، اليوم الثلاثاء، بعد اجتماع رسمي مع الجهات المعنية في المحافظة أسفر عن تعهدات بالاستجابة لجملة من المطالب التي رفعها المعتصمون، وفي مقدمتها محاسبة المتورطين بانتهاكات.
وقال المشاركون في بيان، إن الاعتصام جاء رفضاً لظهور شخصيات ساندت النظام المخلوع وارتبطت بانتهاكات بحق السوريين خلال سنوات الثورة، وأضافوا أن المحتجين طالبوا بمحاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات.
وأضاف البيان أن اللقاء مع المسؤولين تناول المطالب بشكل مباشر، وأنه جرى الاتفاق على العمل خلال فترة زمنية قصيرة على تنفيذ عدد من الإجراءات، من بينها محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق الأصول القانونية، واستيعاب عناصر الجيش الحر ضمن مؤسسات الدولة، ولا سيما وزارتي الدفاع والداخلية.
في إدلب، كان المشهد مختلفاً، إذ قام عدد من الشبان، خلال اليومين الماضيين، بأعمال انتقامية تمثلت بسحل وضرب عدد من الأشخاص قيل إنهم "شبيحة" ومن فلول النظام المخلوع وملاحقتهم في الشوارع، ممن عادوا إلى منازلهم في ريف إدلب، قبل أن يتدخل الأمن السوري لإعادة ضبط الوضع الأمني.
أما في حمص، فقد خرجت تظاهرة في مدينة تدمر تطالب الحكومة السورية بمحاسبة الشبيحة والمتورطين بالانتهاكات ضد السوريين، قبل أن تتعرض التظاهرة لإطلاق نار من شخص محسوب على النظام المخلوع، فيما رد المحتجون بإحراق محله التجاري ومنزله، قبل أن يتدخل الأمن السوري لضبط الأمن.
في دمشق، حاول عشرات المحتجين الوصول إلى حي عش الورور في منطقة برزة شمال العاصمة، وسط هتافات تطالب بإخراج "الشبيحة" وعناصر ومسؤولين محسوبين على ميلشيات النظام المخلوع من الحي، إلا أن الأمن السوري تدخل ومنع وصول المحتجين.
وانتشرت دعوات في ريف دمشق ومناطق واسعة من المحافظات السورية، تطالب الشبيحة والمحسوبين على النظام المخلوع بالخروج من منازلهم ومغادرتها دون الرجعة، مهددين بأعمال انتقامية في حالة عدم الاستجابة.
بطء مسار العدالة الانتقالية
ويرى الباحث والمحلل السياسي السوري فراس علاوي في حديث لـ"المدن"، أن الأسباب وراء تلك الاحتجاجات ترجع بشكل أساسي إلى بطء مسار العدالة الانتقالية وغياب الشفافية فيما يتعلق بالتعامل مع المجرمين بشكل واضح، وظهور عدد كبير من "الشبيحة" واستفزازهم لأهالي الضحايا في مناطقهم، إضافة إلى تعيين محسوبين على النظام المخلوع في مؤسسات الدولة السورية.
وأوضح علاوي أن الاحتقان زاد في الشارع نتيجة عدم محاسبة "الشبيحة"، وغياب العدالة، وعدم جبر الضرر أو ضبط الأمن والسلاح في الشارع لاسيما لأشخاص محسوبين على النظام البائد، إضافة إلى اعتقال شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات ثم إطلاق سراحها دون توضيحات، وهو ما قاد في النهاية إلى الانفجار الذي نراه في الشارع اليوم.
من جانبه، يقول المحلل السياسي درويش خليفة لـ"المدن"، إن ما يحصل اليوم في الشارع السوري ينافي ما يروج له البعض عن استقرار الوضع الأمني، وذلك نتيجة غياب آليات واضحة للعدالة الانتقالية، ومحاسبة المتورطين وفلول النظام المخلوع و"الشبيحة".
ويرى درويش أن تراكم تلك الملفات مع ازدياد سوء الواقع الاقتصادي السوري، وعدم أخذ الثوار حقهم في إدارة مناطقهم، في مقابل مشاهدة موظفين وشخصيات محسوبة على النظام المخلوع هي من أدت إلى ما نشاهده اليوم في الشارع.
ودفعت تلك التطورات المتسارعة، وزارة الداخلية السورية إلى عقد مؤتمر صحافي للمتحدث باسمها نورالدين البابا، شرح خلالها الجهود التي تبذلها الوزارة لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات، والإنجازات التي حققتها في هذا الصدد، مؤكداً أن العدالة لا تُبنى على الانفعال، وإنما على القانون ومؤسسات القضاء المختصة، وذلك من متطلبات "التأسيس لدولة تحكمها القوانين لا الأهواء".
مجلس الشعب
وكشف "البابا" عن إنجازات جديدة حققتها وزارة الداخلية في ملاحقة فلول النظام المخلوع، بينهم متورطون بالعمل كـ"أذرع أمنية" للنظام في المناطق المحررة شمالي سوريا، عبر جمع المعلومات لصالح الأفرع الأمنية، وتنفيذ عمليات رصد وتحديد إحداثيات وتفجيرات في مناطق من إدلب وريفها، ولا سيما في جسر الشغور.
كما علّق وزير العدل مظهر الويس على تلك الاحتجاجات والمطالبات قائلاً على منصة "إكس"، أمس الإثنين، إن العدالة مستمرة عبر القانون ومؤسسات الدولة، مضيفاً "لن يُسمح بالإفلات من العقاب"، مؤكداً أنه "لا مكان للفوضى أو الانتقام، بل لسيادة القانون وحفظ الحقوق للضحايا".
ويتفق درويش وعلاوي، بأن الخطوة الأولى المطلوبة من الحكومة السورية لضبط الشارع، هي تسريع عقد مجلس الشعب، وسن قوانين وتشريعات للعدالة الانتقالية، والعمل على تنفيذها وفق خطة واضحة، إضافة إلى إنهاء ملفات العدالة الانتقالية لكبار الشخصيات في النظام المخلوع.
ويقول علاوي إن على الحكومة السورية التعامل بوعي مع الشارع وبجدية حقيقية وسريعة وعدم إهمال هذه المطالب، لأنها ستتوسع في حال تجاهلها، كما حذّر من استغلال هذا الملف من اجل إحداث فتنة طائفية في البلاد
من جانبه، يؤكد درويش أن الشفافية هي مطلب أساسي من الحكومة السورية لاسيما بالنسبة للمراسيم التي تصدر في التعيينات، إضافة إلى توضيح خلفيات القرارات التي تصدرها بشكل دوري خصوصاً في الجانب الاقتصادي.




