كتبت هنا أوائل آذار/ مارس الماضي، مباشرة إثر انخراط حزب الله في الحرب انتقاماً لاغتيال المرشد الايراني على خامنئ، أن إسرائيل سترد بعنف وإجرام وستكرر جريمة-نموذج غزة أخرى "صغرى" في لبنان عبر استنساخ ما يُعرف بممر نتسريم والخط الأصفر وتدمير هائل للقرى والبلدات الجنوبية، خصوصاً الحدودية منها، وستفاوض تحت النار من أجل التوصل إلى اتفاق آخر بديل عن ذاك الذى صاغته إدارة جو بايدن وأنهى حرب "الإسناد" الأولى في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، وإن هذا الاتفاق الجديد سيشبه الاتفاق "المتعثر" المعمول به في غزة لجهة انكفاء الاحتلال أولاً إلى الخط الأصفر، ثم ربط الانسحاب التدريجي والانكفاء إلى الحدود الدولية وعودة النازحين وإعادة الاعمار بفرض الدولة اللبنانية سيطرتها التامة على كامل أراضيها، وتحديداً في المنطقة جنوب نهر الليطاني حتى الخط الأصفر أولاً، وبينما تستنسخ إسرائيل جرائم الابادة والقتل والتهجير حرفياً تقريباً في الجنوب، وحزب الله يكاد يتصرف مثل حركة حماس التي تظهر ولو نظرياً مسؤولية أكبر لجهة الموافقة على نزع السلاح وربطه بالتنفيذ الدقيق والنزيه للاتفاق وتحسين الأوضاع الانسانية المزرية بغزة والشروع بعملية التعافي وإعادة الاعمار وشق الأفق والمسار السياسي نحو الدولة الفلسطينية. بينما يفترض بالحكومة اللبنانية الشرعية برئاسة نواف سلام، وبتنسيق تام مع الرئيس جوزاف عون، ألا تتصرف مثل سلطتنا أو سلطتينا في رام الله وغزة، وهي تتصرف فعلاً بشكل مختلف ومسؤول للحفاظ على مصالح وحقوق البلاد وعدم الانجرار إلى المشاريع الاسرائيلية والتطبيع والتركيز في المقابل على التوصل لصيغة أمنية بتفاصيل سياسية تتعلق بالعودة وإعادة الإعمار والتواجد الدولي بقوة استقرار بديلة لليونيفيل على قاعدة التمسك باتفاقية الهدنة بالعام 1949.
إذن ومنذ انخراط حزب الله في الحرب إلى جانب إيران واطلاق الصواريخ الستة الشهيرة قبل السحور في شهر رمضان ثأراً لاغتيال خامنئي، بدت السياسات والأهداف الاسرائيلية واضحة جلية تماماً لجهة استنساخ حرفي لنموذج جريمة إبادة غزة، في جنوب لبنان بعناوين وخطوط عريضة شملت إقامة ممر نتساريم والخط الأصفر وتدمير وتشريد وتهجير الجنوبيين في المنطقة الممتدة من نهر الليطاني إلى الحدود مع فلسطين المحتلة، بينما جرى التدمير بشكل متفاوت في هذه المنطقة، ولكنه جاء شاملاً تقريبا في القرى الحدودية وبلدات الحافة الأولى -3 إلى 5 كم- وفق المصطلح الشائع "نموذج رفح وبيت حانون"، حيث نسبة التدمير 100 تقريباً، وجرى اعتبار نهر الليطاني بمثابة ممر نتساريم طبيعي دون الحاجة لبنائه هندسياً مع إقامة الخط الأصفر في منتصف المسافة بين النهر والحدود "10 كم"، وفق ما يصفه الاحتلال بخط الصواريخ المضادة للدروع لحماية المستوطنات شمال فلسطين المحتلة.
في العموم، استندت خطط الاحتلال ولا تزال منذ اللحظات الأولى في لبنان كما غزة، إلى ثلاثة قواعد أساسية وهي التفاوض تحت النار، والتوصل إلى اتفاق جديد بالشروط الإسرائيلية الصارمة وفق الوقائع الميدانية المفروضة على الأرض، ثم جدول زمني مرن لتنفيذ الاتفاق والانسحاب حتى الحدود الدولية شرط فرض الدولة اللبنانية سيادتها وسيطرتها على كامل أراضيها وتحديدا المنطقة جنوب الليطاني.
أما مصطلح المناطق التجريبية "PILOT ZONES" فقد وصفناه حرفياً تقريباً في مقال مارس الماضي – وهى نفسها الحاضرة في اتفاق غزة غرب الخط الاصفر، ولكن دون استخدام المصطلح حرفياً حيث يفترض أن تفرض اللجنة الوطنية لإدارة غزة سيطرتها الكاملة أمنيا وإدارياً ومن ثم تنسحب إسرائيل تدريجياً إلى المنطقة الحدودية العازلة ثم خارجها، بينما تتناسب عملية إعادة الإعمار وعودة النازحين طردياً كما الانسحاب النهائي مع وتيرة فرض اللجنة سيطرتها التامة غرب الخط الأصفر.
المفاوضات السياسية- الأمنية اللبنانية الإسرائيلية المباشرة التي جرت خلال الأيام الماضية برعاية الوسيط الأميركي، وكما اتضح من البيانات الرسمية الصادرة، كما التسريبات والتقارير في وسائل الإعلام العبرية، عرضت المعالم العامة للاتفاق المرتقب الذي تسعى إليه تل ابيب بدعم واشنطن والمستند أساساً إلى الوقائع التي فرضتها على الأرض بقوة النار والقتل والتدمير والتهجير.
بتفصيل كبير، سيكون وقف اطلاق النار سواء ضمن الاتفاق مع إيران أو منفصل عنه والانكفاء بالمرحلة الأولى إلى جنوب الليطاني وربما الخط الأصفر، والتمدد الجاري إلى المنطقة ما بين شمال الليطاني وجنوب الزهراني لا يتعلق فقط بإزالة خطر الطائرات المسيرة أوالصواريخ قصيرة المدى، وإنما فرض الوقائع الميدانية وعلامات الانتصار الدعائية. والتوغل والتمدد شمالاً والتهديد باحتلال النبطية وصور يشبه التهديد باجتياح واحتلال مدينة غزة وتدمير وقضم أحيائها الشرقية قبل التوصل مباشرة إلى اتفاق وقف اطلاق النار.
التفاوض سيكون تحت نار الاحتلال حتى لو تم التوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار بالمعنى الحرفي سعياً إلى اتفاق جديد يشبه دونالد ترامب وإدارته أكثر مما يشبه جو بايدن وإدارته، وكما قالت وتقول مصادر البيت الأبيض دوماً "هنا ترامب لا بايدن"، بمعنى إطلاق يد اسرائيل مع تجنب استهداف الدولة اللبنانية ومؤسساتها والعاصمة بيروت.
وعليه فالاتفاق الجديد في لبنان كما نظيره في غزة، سيعبر عن التفوق الميداني للاحتلال، لكنه يؤكد من جهة أخرى حدود وقيود القوة العسكرية، وسيجري الانكفاء أولاً إلى الخط الأصفر ثم الحدود الدولية وربط الانسحاب التام وعودة النازحين وإعادة الإعمار بفرض الدولة اللبنانية سيطرتها أولاً ما بين الليطاني والخط الأصفر ثم إلى كامل الجنوب.
ستكون كذلك ميكانيزم مختلفة أو محدثة وقوات دولية غير اليونيفيل تشبه أكثر قوة الاستقرار الدولية في غزة، ولكن على السلطة الشرعية اللبنانية الحذر من التطبيع واتفاقية سلام، والإصرار على اتفاق أمني يستند إلى القرار 1701 محدثاً واتفاقية الهدنة للعام 1949 التي صمدت لعقود طويلة.
بموازاة ذلك يجب على الشرعية اللبنانية الانضواء ضمن المظلة العربية –الإسلامية الإقليمية التي تتبلور بشكل تدريجي ولكن مطرد وتضم أساساً السعودية وقطر ومصر إضافة لتركيا وباكستان، ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم زيارة قائد الجيش الجنرال رودولف هيكل الأخيرة إلى إسلام آباد.
في الأخير باختصار وتركيز، يواجه لبنان أخطاراً مصيرية وجدية تهدد مستقبل ومصير الكيان برمته لا الجنوب فقط، وإما اتفاق أمنى بمظلة عربية إسلامية إقليمية وفق المصالح والحقوق الوطنية والشرعية الدولية، وإما بقاء الواقع الراهن حيث الاحتلال والسيطرة المباشرة أو العملياتية على 20 في المئة من مساحة البلاد وتدمير وتهجير شبه تام ليس فقط للخط الأصفر والمناطق الحدودية وإنما لكل المنطقة جنوب الليطاني.




