وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى فرنسا للمشاركة في قمة مجموعة السبع، حاملاً معه اتفاقاً أميركياً إيرانياً أعلن التوصل إليه بهدف إنهاء الأعمال العدائية وإعادة فتح مضيق هرمز، وسط تساؤلات متزايدة بشأن قدرة الاتفاق على ضمان عودة آمنة لحركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وبينما أعلن ترامب أن الاتفاق، المقرر توقيعه رسمياً الجمعة المقبل في سويسرا، سيفضي إلى رفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز أمام السفن من دون رسوم عبور، وحذر خبراء الشحن البحري من أن المخاطر الأمنية ما زالت قائمة بسبب الألغام البحرية التي زرعتها إيران خلال فترة التصعيد العسكري الأخيرة.
وقال مسؤول السلامة والأمن في منظمة "بيمكو"، جاكوب لارسن، لشبكة "سي إن إن"، إن إزالة الألغام البحرية تمثل تحدياً كبيراً حتى بعد التوصل إلى اتفاق سياسي، وأوضح لارسن أن اكتشاف الألغام وتدميرها "يتطلب قدرات بحرية متخصصة للغاية تشمل سفناً وطائرات مروحية ومنصات يتم تشغيلها عن بعد"، مشيراً إلى أن هذه الإمكانات محدودة في منطقة الخليج. وأضاف أن "تطهير الممرات البحرية لا يعني انتهاء الخطر، إذ يمكن إعادة زرع الألغام بسهولة نسبية"
ورأى أن أفضل سيناريو ممكن لصناعة الشحن يتمثل في صدور إعلان مشترك أميركي إيراني يتضمن ترتيبات تشغيلية واضحة، تشمل تحديد الممرات الآمنة للملاحة وتسلسل خروج السفن ومواعيد العبور وآليات التنسيق مع القوات البحرية وخطط الطوارئ. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن إيران زرعت ألغاماً بحرية على نطاق واسع داخل المضيق، ما جعل الحركة البحرية ممكنة فقط عبر ممرين ضيقين، أحدهما بمحاذاة الساحل الإيراني والآخر بمحاذاة الساحل العُماني.
وحذر من أن هذا الواقع قد يؤدي إلى اختناقات مرورية كبيرة تعيق انسياب حركة السفن التجارية وناقلات النفط المتجهة نحو مخرج المضيق. وأكد لارسن أن التصريحات الصادرة حتى الآن من الولايات المتحدة وإيران لا تزال "غير واضحة" ولا تقدم معلومات كافية حول القضايا العملية الأساسية، مثل الممرات الآمنة والتوقيتات الدقيقة لإعادة التشغيل، معتبراً أن البيئة الأمنية لقطاع الشحن ما تزال "متقلبة".
اتفاق لم يُنشر بعد
ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه المسؤولون الأميركيون والإيرانيون تقديم روايات متباينة بشأن تفاصيل الاتفاق الذي لم يُنشر نصه الكامل حتى الآن. وقال نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إن الاتفاق تم توقيعه إلكترونياً خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما يعني أن بنوده أصبحت سارية المفعول بالفعل، مؤكداً في الوقت نفسه أن إيران لن تحصل على أي مساعدات مالية جديدة بموجب التفاهم الحالي.
وأضاف فانس أن إدارة ترامب تعتزم نشر النص الكامل للاتفاق خلال الأيام المقبلة، موضحاً أن ملف إعادة فتح مضيق هرمز بشكل دائم ومن دون رسوم عبور لا يزال مطروحاً على طاولة "المفاوضات الفنية" الجارية، في إشارة إلى أن القضية لم تُحسم نهائياً بعد.
وفي المقابل، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن بلاده تعتزم فرض رسوم مقابل الخدمات البحرية التي تقدمها للسفن عند إعادة تشغيل المضيق، لكنه شدد على أن طهران "لا تسعى إلى فرض رسوم عبور" على حركة الملاحة نفسها. ورغم أن ترامب قال، الاثنين، إن السفن بدأت بالفعل تتحرك بحرية خارج مضيق هرمز، فإنه كان قد صرح سابقاً بأن إعادة فتح الممر البحري ستتم رسمياً يوم الجمعة المقبل، ما أضاف مزيداً من الغموض إلى الجدول الزمني لتنفيذ الاتفاق.
قمة السبع تحت ظلال الاتفاق
ومن المتوقع أن يهيمن الملف الإيراني على اجتماعات قمة مجموعة السبع في مدينة إيفيان الفرنسية، رغم أن جدول أعمال القمة يتضمن قضايا التكنولوجيا والتجارة والاختلالات الاقتصادية العالمية. ووفق تقارير دبلوماسية، فإن قادة الدول الغربية رحبوا مبدئياً بالاتفاق باعتباره فرصة لوقف الحرب وإعادة تدفق التجارة العالمية عبر المضيق الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات الطاقة العالمية، لكنهم ما زالوا ينتظرون الاطلاع على نص الاتفاق وتفاصيله التنفيذية.
ودعت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا إلى استئناف سريع للملاحة في المضيق وإنجاز المفاوضات التفصيلية في أقرب وقت، فيما اعتبرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن الاتفاق قد يشكل "اختراقاً مهماً"، مؤكدة استعداد الاتحاد الأوروبي للمساهمة بخبراته في الملفات النووية المرتبطة بالمفاوضات اللاحقة. غير أن عدداً من مسؤولي دول مجموعة السبع أقروا بأنهم لم يطّلعوا بعد على نص الاتفاق، وأن دعمهم الحالي يستند إلى التأكيدات الصادرة عن واشنطن وطهران والوسيط الباكستاني بشأن التوصل إلى تفاهم أولي.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الاتفاق ينص على إعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف الأعمال العدائية لمدة ستين يوماً على الأقل، على أن تُترك الملفات الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، إلى جولات تفاوض فنية لاحقة.
وبحسب ما نقلته مصادر دبلوماسية غربية، فإن قادة مجموعة السبع سيطالبون خلال اجتماعاتهم بتوضيحات إضافية حول كيفية ضمان استمرار الاتفاق، وإزالة الألغام البحرية من المضيق، وإقناع شركات الشحن العالمية بالعودة إلى استئناف عملياتها الطبيعية في الممر المائي الاستراتيجي. كما يتوقع أن يطلب ترامب من حلفائه المساهمة في عمليات إزالة الألغام وتأمين الملاحة، في وقت لا تزال فيه تفاصيل الاتفاق سرية بانتظار مراسم التوقيع الرسمية المقررة في سويسرا يوم الجمعة.
تحفظات إسرائيلية واعتراضات داخلية
في المقابل، يثير الاتفاق تحفظات داخل إسرائيل، إذ يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى عقد اجتماع عاجل مع ترامب لمناقشة تفاصيله، في ظل معارضة إسرائيلية قديمة لأي تسوية لا تشمل تفكيك شبكات الميليشيات المدعومة من إيران وبرامج الصواريخ الباليستية.
وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من لبنان، حيث تواصل عملياتها ضد "حزب الله" ما يهدد بإرباك مساعي تثبيت وقف إطلاق النار الإقليمي الذي تسعى إليه واشنطن. وكان ترامب قد انتقد علناً نتنياهو بعد غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت عقب الإعلان عن الاتفاق، في مؤشر إلى استمرار التباينات بين الجانبين حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة.
وفي الولايات المتحدة، بدأت أصوات داخل الكونغرس بالمطالبة بمراجعة الاتفاق قبل دخوله حيز التنفيذ الكامل. وقال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام إن أي اتفاق نووي مع إيران يجب أن يُعرض على الكونغرس للتصويت والمراجعة، مؤكداً أنه ينتظر الاطلاع على الصيغة النهائية للاتفاق قبل اتخاذ موقف نهائي منه. وأضاف غراهام أن مشاركة جيه دي فانس وفريقه المفاوض ستكون ضرورية عند عرض الاتفاق على أعضاء الكونغرس، نظراً لكونهم الجهة الرئيسية التي صاغت بنوده.




