أرواد: اختبار الدولة الجديدة على شاطئ المتوسط

بثينة عوضالاثنين 2026/06/15
أحمد الشرع أرواد (الرئاسة السورية)
زيارة الشرع لأرواد تذكير بأن البحر ليس مجرد حدود طبيعية (الرئاسة السورية)
حجم الخط
مشاركة عبر

في العام 2007 اجتزتُ باب وزارة الثقافة السورية متجهة إلى مكتبي بصفتي صحافية مسؤولة عن المكتب الإعلامي في الوزارة، رنّ الهاتف، وكان على الطرف الآخر وزير الثقافة آنذاك رياض نعسان آغا، الذي شغل المنصب بين عامي 2006 و2010 وأيد الثورة السورية لاحقاً، توجهت إلى مكتبه حيث طلب مني أن أبدأ التحضير لرحلة ثقافية إلى جزيرة أرواد.

أعترف اليوم، وربما بشيء من الخجل، أنني سألته يومها: أين تقع هذه الجزيرة؟

رفع رأسه من خلف نظارته وحدّق بي مستغرباً قبل أن يقول: "أنتِ من الساحل ولا تعرفين أرواد"؟

لم أكن أعرف حينها أن ذلك السؤال البسيط سيقودني إلى واحدة من أكثر الرحلات رسوخاً في الذاكرة، وأن الجزيرة التي لم أكن أعرف موقعها ستتحول بعد سنوات إلى عنوان سياسي يتجاوز حدودها الجغرافية الصغيرة بكثير.

 

رحلة إلى جزيرة 

عند شاطئ طرطوس بدا البحر واسعاً ومضطرباً، كانت الأمواج ترتفع وتهبط بقوة فيما ظهرت أرواد في الأفق كتلة صغيرة تستقر وسط زرقة المتوسط، خلفها كانت السفن التجارية العملاقة ترسو في عرض البحر، بينما بدت الجزيرة وكأنها تنتمي إلى زمن آخر.

استقللنا القارب، وبدأت الرحلة القصيرة التي تحولت سريعاً إلى تجربة لا تشبه سواها، كنت أراقب البحار وهو يناور بين الأمواج بثقة أبناء البحر، فيما أخذت الجزيرة تكبر شيئاً فشيئاً أمام عيني، وما إن اقتربنا حتى بدأت تفاصيلها تظهر بوضوح: بيوت بيضاء متراصة، أزقة ضيقة، مراكب صيد، وقلعة حجرية تقف شاهدة على قرون طويلة من التاريخ.

كانت أرواد، أو "الزيرة" كما يسميها أهلها، تبدو أشبه بمدينة بحرية صغيرة نُسيت خارج الزمن، في كل زاوية حكاية، وفي كل بيت أثر لبحار أو صياد أو حرفي عاش حياته على إيقاع المتوسط، كانت المطاعم المطلة على الماء، وورش صناعة القوارب الخشبية، والقطع الفنية المصنوعة من الأصداف والأخشاب البحرية، تمنح المكان روحاً مختلفة عن أي مدينة سورية أخرى.

أمضينا ثلاثة أيام كاملة هناك ثلاثة أيام من الاكتشاف جعلتني أدرك أن سوريا التي نعرفها من البر تخفي وجهاً آخر يطل من البحر.

 

نبوءة وزير

في إحدى الأمسيات جلس رياض نعسان آغا يتأمل البحر طويلاً، كان الصمت يخيّم على المكان قبل أن يلتفت نحوي قائلاً بصوت خافت: "هذه الجزيرة ستنفجر يوماً في وجه النظام".

توقفت عند عبارته مذهولة، كيف يمكن لوزير في حكومة النظام أن يتحدث بهذه اللغة؟ لم أعلّق، لكنه تابع حديثه كأنه يشرح ما لم أقله.

سألني: "هل تعرفين ماذا كُتب على جدار سجن القلعة هنا"؟ ثم استعاد أبيات إبراهيم طوقان الشهيرة: "يا ظلام السجن خيّم إننا نهوى الظلامَ ليس بعد الليل إلا فجر مجدٍ يتسامى".

بعدها أخذ يروي تاريخ الجزيرة، وكيف احتلتها القوات الفرنسية عام 1915 قبل اتفاقية سايكس – بيكو، ثم حوّلت قلعتها خلال فترة الانتداب إلى معتقل للوطنيين السوريين والمناضلين الذين قاوموا الاستعمار.

وقبل أن ينهي حديثه قال جملة بقيت عالقة في ذاكرتي حتى اليوم: "هنا تعيش طاقة الحرية بين الأنفاس".

 

حياة فوق الماء

ليست أرواد مجرد جزيرة صغيرة قبالة شاطئ طرطوس، إنها الجزيرة السورية الوحيدة المأهولة بالسكان، ويعود تاريخها إلى أكثر من خمسة آلاف عام، أسسها الفينيقيون كمدينة ـ مملكة بحرية حملت اسم "أرادوس"، وتحولت عبر القرون إلى محطة تجارية وعسكرية مهمة في شرق المتوسط.

ورغم صغر مساحتها، احتفظت الجزيرة دائماً بشخصية مستقلة نسبياً عن البر السوري، فالحياة فوق قطعة صخرية محاطة بالماء صنعت ثقافة خاصة قائمة على البحر والصيد وصناعة السفن والهجرة والتجارة والانفتاح على العالم.

ولهذا لم تكن أرواد مجرد موقع جغرافي، بل كانت هوية متكاملة تشكلت عبر قرون طويلة من العلاقة مع البحر.

 

عندما وصلت الثورة إلى الجزيرة

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 لم تكن أرواد بعيدة عن المشهد، وإن بقي حضورها أقل ظهوراً من مدن أخرى.

شهدت الجزيرة اعتقال عدد من أبنائها، واختفى أثر بعضهم في سجون النظام، كما تعرض كثيرون للتضييق والملاحقة الأمنية، وحتى صناعة القوارب، التي شكلت لعقود طويلة مصدر رزق رئيسياً للسكان، تحولت أحياناً إلى مصدر شبهة، بعد أن وُجهت اتهامات لبعض أصحابها بالمساعدة في تهريب مطلوبين أو معارضين عبر البحر.

دفعت الجزيرة، كغيرها من المناطق السورية، ثمن الحرب اقتصادياً واجتماعياً، لكنها بقيت أيضاً خارج أولويات التنمية والاستثمار، لتتراكم فوقها سنوات طويلة من الإهمال.

بعد سقوط النظام السابق ظهرت صورة مختلفة، طفل من أبناء الجزيرة ظهر في تسجيل مصور يطلب من الرئيس أحمد الشرع زيارة أرواد.

لم تمضِ أيام كثيرة حتى كان الشرع يعبر البحر على متن قارب متجهاً إلى الجزيرة، في مشهد لم يكن مألوفاً في الحياة السياسية السورية.

تجول الرئيس بين الأزقة القديمة، والتقى الأهالي، ودوّن في السجل الذهبي للجزيرة كلمات جاء فيها: "إنه لشرف عظيم لي أن أزور جزيرة أرواد العز والخير... نحو أيام أكثر ازدهاراً وحرية وقوة وعزة... كل الحب والاحترام". 

لكن أهمية الزيارة لا تكمن في الكلمات وحدها، فالحدث الأبرز كان أن هذه الزيارة أصبحت، بحسب ما أُعلن، أول زيارة يقوم بها رئيس سوري إلى الجزيرة منذ قيام الدولة السورية الحديثة.

 

لماذا تُعد الزيارة حدثاً سياسياً؟

قد تبدو الزيارة للوهلة الأولى جولة رمزية أو استجابة لطلب الأهالي، لكنها تحمل في الواقع أبعاداً سياسية أعمق بكثير.

فأرواد تقع في قلب الساحل السوري، والمنطقة الساحلية كانت طوال عقود تُقرأ سياسياً بوصفها واحدة من أكثر المناطق حساسية وارتباطاً بالنظام السابق.

ومن هنا فإن ظهور الرئيس الجديد في أرواد لا يمكن قراءته باعتباره حضوراً جغرافياً فقط، بل بوصفه محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة الجديدة والساحل السوري.

إنها رسالة تقول إن الدولة الجديدة لا تكتفي بالوصول إلى دمشق وحلب وحمص، بل تذهب أيضاً إلى الأطراف والمناطق التي ظلت طويلاً خارج دائرة الضوء.

كسر صورة الساحل المغلق تحمل الزيارة أيضاً محاولة واضحة لكسر الصورة النمطية التي التصقت بالساحل السوري خلال العقود الماضية.

فالرسالة الضمنية تبدو أقرب إلى القول إن الساحل ليس منطقة مغلقة سياسياً ولا كتلة واحدة متجانسة، بل فضاء متنوع يجب أن يكون جزءاً من المشروع الوطني الجديد. ولهذا جاءت لغة الزيارة مختلفة، لم يكن الحديث عن الغلبة أو المحاسبة أو الانتصار، بل عن السياحة والاستثمار وفرص العمل والتنمية. 

وفي منطقة تحمل حساسيات سياسية واجتماعية وطائفية تراكمت خلال سنوات الحرب، تبدو هذه اللغة بحد ذاتها رسالة سياسية.

إعادة اكتشاف البحر السوري تكشف الزيارة أيضاً عن محاولة لإعادة إدخال البحر إلى المعادلة الوطنية، فعلى امتداد العقود الماضية جرى التعامل مع سوريا سياسياً باعتبارها دولة داخلية تدور أحداثها حول دمشق وحلب وحمص والحدود البرية، فيما بقي المتوسط حاضراً في الجغرافيا وغائباً عن الرؤية الاقتصادية الكبرى.

زيارة أرواد تذكير بأن البحر ليس مجرد حدود طبيعية، بل مورد اقتصادي وثقافي واستراتيجي يمكن أن يكون جزءاً من مستقبل البلاد، من خلال السياحة والصيد والمرافئ والاستثمارات البحرية وحماية التراث الساحلي.

لماذا تبدو عبارة "أول رئيس يزور أرواد" مهمة؟

تكمن أهمية هذه العبارة في أنها تكشف فجوة رمزية عميقة بين الدولة ومجتمعاتها الصغيرة، فإذا كانت جزيرة بهذا التاريخ، وهذه القيمة الحضارية، لم تستقبل رئيساً سورياً واحداً طوال عقود، فإن ذلك يعني أن الأطراف ظلت بعيدة عن مركز الاهتمام السياسي، وأن حضور الدولة فيها كان غالباً حضوراً إدارياً أو أمنياً أكثر منه حضوراً تنموياً أو رمزياً.

لهذا فإن الحدث لا يتعلق فقط بأرواد، بل بطريقة نظر الدولة إلى المناطق البعيدة والهامشية عموماً.

 

بين الصورة والواقع

تبقى زيارة أحمد الشرع إلى أرواد أكثر من مجرد جولة بحرية أو محطة بروتوكولية، إنها محاولة لرسم صورة مختلفة لسوريا ما بعد الحرب؛ صورة رئيس يذهب إلى جزيرة صغيرة ظلت لعقود خارج الضوء، ويعلن منها أن التنمية قد تكون اللغة الأولى للمصالحة الوطنية.

لكن قيمة الزيارة الحقيقية لن تُقاس بالصور ولا بالكلمات المكتوبة في السجل الذهبي، بل بما إذا كانت ستتحول إلى مشاريع فعلية، وفرص عمل، وخدمات، واستثمارات، وإعادة بناء للثقة بين الدولة والناس.

فالتاريخ لا يتذكر الزيارات بقدر ما يتذكر ما تتركه خلفها، وأرواد، التي بقيت خمسة آلاف عام في قلب البحر، تنتظر اليوم ما إذا كانت هذه الزيارة ستصبح بداية فصل جديد في تاريخها، أم مجرد محطة عابرة في ذاكرة السياسة السورية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث