حين تغسل شعارات المقاومة دماء الضحايا في سوريا والعراق

لؤي مريودالأحد 2026/06/14
GettyImages-2208747998.jpg
طهران تدرك بدقة المكانة المركزية الوجدانية والدينية لـ فلسطين (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

شهدت المنابر الإعلامية العربية قبل أيام سجالاً سياسياً وفكرياً أعاد إلى السطح معضلة بنيوية في الوعي الجماعي والنخبوي العربي. ففي حلقة مشحونة من برنامج "نقاش الساعة" على شاشة قناة "الجزيرة"، كان النقاش يفكك قضايا راهنة ترتبط بالأمن الإقليمي وتوازنات القوة، وفي هذا السياق برزت مقاربة تحليلية حاولت وضع السلوك الإقليمي الإيراني في كفتي ميزان مع السياسات الإسرائيلية المستمرة في المنطقة منذ عقود.

وعندما شرع الباحث السياسي الدكتور لقاء مكي في تفكيك هذه المعادلة المعقدة، مستنداً إلى لغة الأرقام، والنسب، والوقائع الجغرافية والديمغرافية الموثقة، قوبل برد حاد واستهجان من ضيف آخر، اعتبر هذه المقارنة نوعاً من التبرئة الضمنية أو التقليل من حجم الانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين، وسرعان ما سانده ضيف آخر في هذا الطرح.

وسط هذه السجال، صاغ الدكتور لقاء مكي رؤية يراها المكتوون بنار النزاعات الإقليمية حقيقة ساطعة تجاوزت حدود المناكفات الضيقة، حين قال: "جرائم إيران في المنطقة، خصوصاً في سوريا، أكبر بكثير مما ارتكبته إسرائيل في ثمانين سنة".

وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه في الفضاء العام: لمصلحة مَن يتم تحييد هذه الوقائع المأساوية عن المشاهد العربي؟ ولماذا يُراد للعربي أن يتبنى مقاربة أحادية الجانب (عوراء)، ترى الانتهاكات الصهيونية في ساحة التي لا ينكرها أحد، بينما تغض الطرف عن التمدد والانتهاكات الإيرانية التي طالت حواضر عربية كبرى وهجّرت الملايين من سكانها؟

 

المقاربة مرفوضة..

إن هذه المقاربة السياسية والأخلاقية التي يتبناها البعض اليوم، والتي تقفز فجأة فوق بحور الدماء والدمار التي تسببت فيها التدخلات الإيرانية وأذرعها المحلية في بغداد، والموصل، وحلب، وحمص، والغوطة، وصنعاء، لمجرد أن طهران ترفع شعار إسناد القضية الفلسطينية، تمثل خللاً بنيوياً في التفكير القائم على المبادئ الإنسانية الثابتة وعلى المصلحة العربية المشتركة.

تقوم هذه السردية المتهافتة على منطق براغماتي مفرط (ميكافيلي) يرى أن عدالة القضية الفلسطينية تمنح صك غفران سياسي مطلق لكل من يعلن الانخراط فيها، بغض النظر عن سلوكه الإنساني والحقوقي في جبهات أخرى. إنها مقاربة تراهن على قصور الذاكرة الجمعية وتفترض غياب الوعي، متناسية أن المنظومات العسكرية والصاروخية التي تُقدم اليوم كأدوات ردع واستعراض إقليمي، هي ذاتها المنظومات والطرازات والميليشيات التي أسهمت في تدمير المدن السورية والعراقية فوق رؤوس ساكنيها، وتسببت في موجات لجوء غير مسبوقة غيرت وجه المنطقة ديمغرافياً واجتماعياً.

إن المبادئ الأخلاقية لا تقبل التجزئة، وحقوق الإنسان لا تخضع لمنطق البورصة السياسية والمصالح الإقليمية. إن من يستشعر لعظم المأساة الإنسانية والدمار في قطاع غزة والضفة الغربية ــ وهو موقف مبدئي وإنساني لا نقاش فيه ــ مطالب بالاتساق الأخلاقي ذاته عند النظر إلى أشلاء الضحايا ومخيمات النازحين في تكريت، يثرب، بيجي، حلب وإدلب. خلاف ذلك يتحول الموقف من دفاع عن مبدأ إنساني جامع إلى تمترس في خندق سياسي ضيق يبحث عن انتصارات إعلامية على حساب جراح الشعوب.

 

تأسيس "تراتبية الألم"

تتسبب هذه المقاربة العوراء في تعميق جرح إنساني ونفسي هائل لدى ملايين السوريين والعراقيين (وهم لم يتوانوا ليوم عن واجبهم تجاه فلسطين)، والذين باتوا يشعرون بمظلومية مضاعفة؛ ناجمة عن خذلان المجتمع الدولي وتواطئه مع جلاديهم من جهة، وتنكر قطاعات واسعة من محيطهم العربي لآلامهم وتضحياتهم من جهة أخرى.

حين يرى المواطن السوري الذي فقد أسرته أو دُمرت مدينته نتيجة العمليات العسكرية للميليشيات الحليفة لطهران (مثل الحزب، وحركة النجباء، ولواء فاطميون) أو برصاص قوات النظام المدعومة بشكل مباشر ومستمر بالمال والسلاح الإيراني، أطرافاً في الشارع العربي تدافع عن قادة الحرس الثوري بوصفهم "أبطالاً ومحررين"، فإنه يتلقى رسالة قاسية مفادها أن دماءه وجراحه صُنّفت في الوعي العربي كـَ "دماء من الدرجة الثانية".

هذه "التراتبية في تقييم الألم الإنساني" تخلق شرخاً مجتمعياً ونفسياً خطيراً في الجسد العربي؛ فهي تبث رسالة مبطنة مفادها أن مأساة أهل سوريا والعراق ليست بنفس الأهمية، وأن عذاباتهم مجرد تفصيل هامشي يمكن التضحية به على مذبح "المعركة الكبرى".

 وبنفس السياق بأي منطق سياسي أو أخلاقي يُطالب أب فَقَدَ أبناءه برصاص الميليشيات في حمص، أو عائلة عراقية ما زالت تبحث عن مصير أبنائها المغيبين قسرياً في مناطق حزام بغداد أو جرف الصخر منذ سنوات، بأن يصفقوا لسياسات طهران الإقليمية لمجرد أنها توظف قذيفة أو صاروخاً في الصراع مع إسرائيل لتحسين شروط تفاوضها الاستراتيجي مع الغرب؟

إن وقائع الدمار والانتهاكات في الموصل وحلب لم تمحها الأيام، والمقابر الجماعية في الفلوجة والقلمون تظل شواهد قائمة على كلفة بشرية باهظة، تجاوزت في أعداد قتلاها وفي طوابير مهجريها (التي تضم أكثر من 12 مليون سوري بين نازح ولاجئ) إحصاءات النزاعات التقليدية في المنطقة عبر عقود طويلة، وهو ما يمنح الأرقام التي ساقها الدكتور لقاء مكي مشروعيتها ومصداقيتها العلمية والتاريخية.

 

توازي الاستراتيجيات

من منظور استراتيجي وجيوسياسي مجرد، يتضح أن المشروع الإقليمي الإيراني يلتقي في خطوط عريضة مع طبيعة التوسع الإسرائيلي؛ حيث يمثل كلاهما مشروعاً خارجياً يستهدف تفكيك البنى الوطنية العربية، وإخضاع المنطقة لنفوذه الحصري، مع اختلاف الأدوات والشعارات المرفوعة.

ويمكن تتبع خطوط التوازي والتشابه بين الاستراتيجيتين عبر قراءة متأنية لثلاثة محاور رئيسية:

أولاً: يرتكز المشروعان على خلفية من الاستعلاء الأيديولوجي العابر للحدود الوطنية. فبينما يرتكز المشروع الصهيوني على مقولات الحق التاريخي والتفوق العرقي والديني لإلغاء حقوق أصحاب الأرض، يعتمد المشروع الإيراني على نظرية "ولاية الفقيه" وتصدير الثورة، وهي نظرية تمنح مركز القرار في طهران حق الوصاية الدينية والسياسية على المجتمعات العربية، متجاوزة مفاهيم السيادة وحدود الدول تحت لافتة نصرة المستضعفين.

ثانياً: تبرز خطوط التوازي في سياسات الهندسة الديمغرافية والتهجير القسري. فالممارسات الإسرائيلية التي بدأت في نكبة عام 1948 ونكسة عام 1967 وتستمر حتى اليوم عبر مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات لتهجير الفلسطينيين، جرى تطبيقها بحذافيرها من قِبل المشروع الإيراني في محيط بغداد، دمشق، حمص، وديالى. حيث تم تهجير ملايين السكان العرب من مناطقهم الأصلية نتيجة العمليات العسكرية الممنهجة، وجرى إحلال وتوطين عائلات المقاتلين الأجانب والفصائل المسلحة لإنشاء أحزمة ديمغرافية موالية تضمن استدامة النفوذ الإيراني.

ثالثاً: يلتقي المشروعان في هدف تقويض الدولة الوطنية العربية. فالأمن الاستراتيجي لإسرائيل يقوم تاريخياً على إضعاف المحيط العربي وإبقائه في حالة تشذّر وصراع داخلي مستمر يمنعه من بناء نهضة حقيقية. وهو تماماً ما يفرزه النفوذ الإيراني في الساحات التي يتوغل فيها؛ فأينما حلت طهران، تلاشت هيبة الدولة الوطنية لصالح "الفصائلية" والميليشيات الموازية. وفي العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، تحولت مؤسسات الدولة الرسمية إلى هياكل مفرغة من سيادتها، تحكمها قوى مسلحة تأتمر بالقرار الخارجي، مما قاد هذه الدول إلى شلل مؤسسي وانهيار اقتصادي واجتماعي شامل.

 

غطاء أيديولوجي للتوغل الإقليمي

تدرك القيادة السياسية في طهران بدقة المكانة المركزية الوجدانية والدينية لـ فلسطين في قلوب الشعب العربي والشعوب الإسلامية، ولذلك استثمرت على مدى عقود في بناء ترسانة إعلامية ودعائية ضخمة تتمحور حول "محور المقاومة" و"يوم القدس". إلا أن القراءة الموضوعية لمسار الأحداث تؤكد أن القضية الفلسطينية تمثل بالنسبة لطهران "ورقة إقليمية" رابحة، وأداة ضغط استراتيجية في ملفاتها التفاوضية مع الولايات المتحدة والقوى الغربية، فضلاً عن كونها تمنحها حصانة معنوية وسياسية تغطي بها تمددها العسكري في العواصم العربية التي باتت تمتلك فيها القرار النافذ.

إن الدعم العسكري أو المالي الذي تقدمه إيران لبعض الفصائل الفلسطينية لا ينفصل عن حسابات النفوذ الإقليمي؛ فهو يضمن لها التحكم في خيوط التصعيد والتهدئة في المنطقة، ويجعل من هذه الساحات خطوط دفاع أمامية لحماية عمقها الجغرافي ومنشآتها الحيوية من أي استهداف مباشر. إنها استراتيجية "إدارة الصراع بالوكالة" التي تدفع ثمنها الشعوب العربية من أمنها واستقرارها وبنيتها التحتية، بينما تظل العاصمة الإيرانية بمنأى عن الكلفة المباشرة، تجني مكاسب الصمود الشعبي وتوظفه في تعزيز نفوذها وتوسيع رقعة حضورها.

إن تغييب هذه الحقائق أو التقليل من شأنها يعد إخلالاً بالمسؤولية المهنية والأخلاقية تجاه ملايين الضحايا في سوريا والعراق واليمن. لا يمكن للخطاب الإعلامي العربي أن يتجزأ؛ فيطالب بالعدالة والحرية في فلسطين بينما يتحول إلى أداة تبرير أو صمت عندما يتعلق الأمر بالانتهاكات الصارخة التي ترتكبها الميليشيات المرتبطة بطهران. فالوعي العام للمشاهد العربي بات قادراً على رصد التناقض الصارخ بين شعارات التحرير المرفوعة إقليمياً، وبين الطائرات المسيرة والقذائف التي تستهدف التجمعات السكنية ومخيمات النازحين في شمال غرب سوريا.

 

نحو رؤية استراتيجية متوازنة 

إن المسؤولية تفرض تصحيح أي محاولة لحرف الوعي الجمعي العربي ويتطلب شجاعة فكرية وقراءة نقدية، لإعادة بناء موقف قومي وإنساني متزن يرتكز على محددات واضحة:

  • أولاً: الرفض الحاسم لشرعنه الانتهاكات بناءً على هوية الفاعل؛ فالاعتداء على سيادة الأوطان وكرامة الشعوب مدان ومرفوض بذات القدر، سواء كان مصدره الاحتلال الإسرائيلي في الضفة وغزة، أو كان نتيجة التدخل والتوغل الإيراني في بغداد، ودمشق، وبيروت، وصنعاء.
  • ثانياً: الحفاظ على استقلال القضية الفلسطينية وعدالتها ونضال شعبها عن التوظيف الإقليمي البراغماتي. فقداستها أسمى من أن تُستخدم كغطاء لتمرير مشاريع توسعية أو لتبرير تدمير الحواضر العربية وتشريد أهلها. فالطريق إلى القدس لا يمكن، ولا يجوز أخلاقياً، أن يمر عبر دماء أطفال حلب أو تهجير سكان الفلوجة.
  • ثالثاً: الإصرار على رفض "تراتبية المعاناة"، والتأكيد على أن الإنسان العربي وحقه في الحياة والحرية والكرامة يمثل قيمة عليا لا تقبل المساومة، وأن الجرح في سوريا والعراق موازٍ تماماً في عمقه الإنساني والوجداني والأخلاقية للجرح في فلسطين.

ستظل القراءة التحليلية المدعومة بالوقائع التاريخية والأرقام الجغرافية قائمة في النقاش العام، لأنها تعبر عن لسان حال الملايين الذين دفعوا كلفة التمدد الإقليمي في المنطقة. ولن تفلح محاولات الاختزال السياسي أو التوجيه الإعلامي في طمس الشواهد الحية على هذه المأساة المستمرة.

إن فلسطين وقضيتها العادلة ستبقى منزهة عن الاستغلال الذي يسعى لتبرير التجاوزات وضمان الإفلات من المحاسبة التاريخية. ولن يصل الوعي السياسي العربي إلى مرحلة النضوج والاستقامة إلا عندما تنظر المجتمعات إلى أزماتها بعينين مبصرتين، تدينان الظلم والاستبداد والاحتلال أياً كان فاعله وأياً كانت الراية التي يرفعها؛ صهيونية كانت أم إقليمية توسعية. فالعدالة الإنسانية كل لا يتجزأ، وحق دمشق وبغداد في الحرية والاستقرار والسيادة هو ذاته حق غزة والقدس الشريف.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث