بين الناتو و"الوطن الأزرق": تركيا في مواجهة التحول الأوروبي

ديما الحلوةالأحد 2026/06/14
NATO summit.jpg
الأوروبيون يعملون على تعزيز قدراتهم الدفاعية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

التحول الأوروبي نحو بناء منظومة دفاع مستقلة عن حلف الناتو، والذي أُعيد التأكيد عليه خلال مؤتمر هلسينغبورغ الأخير في السويد، يثير قلقاً متنامياً في تركيا التي ترى فيه أكثر من مجرد إعادة توزيع للأعباء داخل الحلف. فأنقرة تعتبر أن ما يجري، وإن بدا ظاهرياً استجابة للدعوات الأميركية إلى بناء منظومة دفاع أوروبية أقل اعتماداً على الحماية الأميركية، ينطوي في جوهره على إعادة تشكيل أوسع لمعادلة الأمن الغربي نفسها، بما قد يضعف موقع تركيا داخلها تدريجياً.

وقد ازداد هذا القلق مع تصاعد التوتر مع اليونان خلال الأسبوع الماضي، ومع نشر بريطانيا مزيداً من القوات في منطقة مضيق جبل طارق، ما دفع أنقرة إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية في أوروبا سعياً إلى احتواء الأزمة، بالتزامن مع إعدادها تشريعاً بحرياً جديداً لتنظيم الصلاحيات البحرية التركية في شرق المتوسط وبحر إيجة، ضمن ترسيخ عقيدة "الوطن الأزرق".

 

الدفاع الأوروبي الخاص

مع تصاعد التهديدات الروسية لأوروبا، وتكرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعواته إلى تقليل اعتماد الأوروبيين على الولايات المتحدة، يعمل الأوروبيون على تعزيز قدراتهم الدفاعية داخل حلف الناتو بما ينسجم مع المطالب الأميركية بأن يصبحوا شركاء لا محميات. وقد نوقشت هذه المسألة خلال مؤتمر هلسينغبورغ التحضيري لقمة الناتو، التي من المقرر أن تُعقد في أنقرة يومي 7 و8 تموز/ يوليو.

غير أن الأوروبيين أكدوا أيضاً أن تعزيز دورهم بوصفهم الركيزة الأساسية داخل الحلف يجب أن يترافق مع بناء منظومة دفاع أوروبية مستقلة تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، باعتبارها خطوة إضافية لردع التهديد طويل الأمد الذي تمثله روسيا. في المقابل، ترى تركيا، التي بنت جزءاً أساسياً من وزنها الاستراتيجي على موقعها داخل الناتو، أن أي انتقال تدريجي لمركز الثقل نحو منظومة دفاع أوروبية مستقلة قد يعني عملياً تقليص دورها في صناعة القرار الأمني الغربي، خصوصاً أن هذه المنظومة الأوروبية تهدف أيضاً إلى حماية اليونان وجنوب قبرص بوصفهما عضوين في الاتحاد الأوروبي، في وقت تتصاعد فيه التوترات بين أنقرة وأثينا.

 

التوتر مع اليونان

تتجه العلاقة المتأزمة بين تركيا واليونان، وكذلك مع جنوب قبرص، نحو مرحلة أكثر حساسية خلال الفترة الأخيرة. فقد تصاعد التوتر العسكري بين أنقرة وأثينا في بحر إيجة، مع تحركات جوية ومناورات متبادلة، من بينها نشر مقاتلات يونانية من طراز "ميراج" على مسافة تقل عن 100 كيلومتر من السواحل التركية، مقابل نشر تركيا منظومات دفاعية في جنوب شرق البلاد، إضافة إلى اتهامات يونانية لأنقرة بخرق المجال الجوي خلال مناورات فوق بحر إيجة.

بالتوازي مع ذلك، يعيد الأوروبيون تموضعهم العسكري بشكل أوسع في شرق المتوسط، ومن بين هذه التحركات التعزيزات البريطانية لأسطولها في منطقة مضيق جبل طارق. كما أن الحديث الأوروبي عن أمن الطاقة لم يعد منفصلاً عن الحسابات العسكرية، خصوصاً مع تزايد أهمية احتياطات الغاز المكتشفة قبالة سواحل مصر وإسرائيل وشرق المتوسط، وسعي أوروبا إلى تقليل اعتمادها على الغاز الروسي عبر هذه البدائل.

وبحسب هذا التصور، فإن قدرة القوى الأوروبية على فرض قواعد جديدة لإدارة موارد شرق المتوسط تضع تركيا ومصر في قلب معادلة حساسة، سواء عبر التفاوض أو من خلال أشكال مختلفة من الضغط السياسي والعسكري غير المباشر. ولا يمكن فصل ذلك عن تصريحات أدلى بها جوناثان بولارد، العميل السابق في الاستخبارات الأميركية الذي تعاون مع إسرائيل، لموقع "إسرائيل ناشيونال نيوز"، قال فيها إن إسرائيل قد تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة مع مصر وتركيا، بالتزامن مع توسيع عمليات التنقيب الإسرائيلية عن الغاز في عدة مناطق بحرية، بعضها يقع ضمن المياه الإقليمية الفلسطينية، ومع إعلان مصر خلال الشهر الجاري عن اكتشافات جديدة للغاز في شرق المتوسط.

وتدفع هذه التوترات دولاً أخرى في محيط المنطقة، مثل الجزائر، إلى تعزيز قدراتها العسكرية عبر صفقات تسليح جديدة مع روسيا. وبحسب تقارير صحافية، يتركز القلق الجزائري على أن تجربة ليبيا عام 2011 مع قوات الناتو ما زالت حاضرة في الحسابات الأمنية للبلاد، وأن أي إعادة تشكيل للمنطقة تحت مظلة غربية جديدة قد تحمل مخاطر مشابهة.

 

تحركات دبلوماسية

في المقابل، تدرك تركيا أنها ليست لاعباً يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية أو غربية تتعلق بشرق المتوسط أو البحر الأسود أو حتى بملف الطاقة الأوروبي. فأنقرة، التي تمتلك إحدى أكبر القوى العسكرية داخل الناتو، تدرك أن الحلف، رغم التوترات القائمة، ما زال بحاجة إليها في أي مواجهة كبرى محتملة في محيط إيران أو في إدارة التوازن مع روسيا، وهو ما يمنحها هامش مناورة واسعاً داخل الحلف.

كما يشكل إطلاقها مشروع إعادة ترسيخ عقيدة "الوطن الأزرق"، الذي ترسم من خلاله خطوط النفوذ للتنقيب عن الغاز وإدارة الموارد الطبيعية في شرق المتوسط وبحر إيجة، حافزاً لتأجيج مزيد من المنافسة والتوتر مع اليونان وقبرص.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التحركات الدبلوماسية التركية الأخيرة تجاه عدد من الدول الأوروبية، بما في ذلك الزيارات الرسمية، مثل زيارة رئيس البرلمان التركي نعمان قورتولموش إلى السويد في 6 حزيران/ يونيو. وبحسب مصادر خاصة، تهدف هذه الزيارة إلى إعادة تثبيت موقع أنقرة داخل أي هندسة أمنية أوروبية مستقبلية، وبحث سبل تعزيز علاقتها بالاتحاد الأوروبي، إضافة إلى السعي لإيجاد حلول دبلوماسية للأزمة مع اليونان وقبرص، مع التأكيد على حقوقها في مناطق النفوذ البحرية في شرق المتوسط.

وتُعدّ التحركات الدبلوماسية التركية التي تسبق قمة الناتو في أنقرة، ولا سيما في ما يتعلق بالملف الإيراني، ورقة ضغط مهمة تراهن عليها أنقرة، انطلاقاً من إدراكها لحاجة الأوروبيين إلى دورها. وتسعى تركيا من خلال ذلك إلى تجنب أي مواجهة محتملة في شرق المتوسط، قد تدفع المنطقة في صراع غير مسبوق.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث